غيْر المفهوم في حادث تفجير كنيسة الإسكندرية- المدان من الجميع- تلك المواقف والتصريحات والتهديدات التي انهالت على مصر من الخارج، إضافةً إلى ذلك النفخ الخبيث في نار الفتنة من بعض الشخصيات في الداخل.. وكل تلك المواقف تصبُّ في محاولة هزِّ الدولة المصرية وتقزيمها أمام سطوة الأجنبي، ولا نبالغ إذا قلنا: إنها متاجرة بالدماء التي أهرقت في ذلك الحادث المروع، ومحاولة غير حميدة لقلب الموقف من اصطفاف الشعب المصري بكامله ضد تلك الجريمة، إلى حمى من الضغوط والتسخين واستحضار أحداث فتنة سابقة، واستحضار شخصيات كبرى من علماء ومفكرين إلى ساحة الحدث؛ للتحريض ضدهم نظرًا لمواقف فكرية محضة لم تعجب بعضهم.
فمن الخارج، لم تكد تمر سويعات على الحادث حتى انهالت التصريحات والتعليقات، وكلها تصبُّ في أنَّ مسيحيي مصر في خطر، وأن مصر لا تستطيع أن تضبط أمنها، وذلك واضحٌ في تصريحات بابا الفاتيكان "بنديكت السادس عشر"، التي طالب فيها بحماية الأقباط في مصر.. وتلك دعوة صريحة للتدخل الأجنبي في مصر، وانتهازية مكشوفة لتحريك مخططات معروفة، ومواقف بابا روما من الإسلام معلومة للكافة.. وخطابه الشهير الذي ألقاه بإحدى الجامعات الألمانية في سبتمبر 2006م، والذي زعم فيه أن الإسلام يحضُّ على العنف والإرهاب معروف.. كما أن وثيقة مؤتمر أساقفة الكاثوليك الشرقيين (مجمع سينودس 10- 24/10/2010م)، الذي عُقد برئاسته وناقش كيفية اقتلاع الإسلام من الشرق الأوسط.. معروف أيضًا.
وقد كان د. أحمد الطيب شيخ الأزهر مصيبًا عندما وصف هذه الدعوة بأنها تدخلٌ "غير مقبولٍ" في شئون مصر.
ولئن كان بابا روما قد طالب بحماية أقباط مصر؛ فإن الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" كان جاهزًا للتو عندما قال عبر بيانٍ من البيت الأبيض: "أدين بشدة التفجيرات الإرهابية الشنيعة في مصر ونيجيريا.. ونحن على استعدادٍ لتقديم أية مساعدة ضرورية لحكومة مصر في ردها على هذا الهجوم".. كانت تفجيرات مماثلة قد وقعت في نيجيريا أكبر بلد مسلم في إفريقيا، وهو محكوم برئيسٍ مسيحي، وتقع الغالبية المسلمة فيه تحت مقصلة الميليشيات الإرهابية المتواصلة.
وللتذكير، فحرب العصابات التي تخوضها ميليشيات مسيحية مسلحة بأحدث الأسلحة ضد المسلمين لم تتوقف، ولا تلقى أي ردود أفعال لا من الرئيس الأمريكي ولا من البابا ولا حتى الأمم المتحدة، فمنذ عام 1999م سقط أكثر من عشرة آلاف مسلم في حرب التطهير العرقي الدائرة ضد المسلمين وفق تقرير المفتش العام للشرطة هناك.
وأُذكِّر بحادثةٍ واحدة فقط وقعت في 21/5/2004م، حين فرَّ حوالي 55 ألفًا من المسلمين من ديارهم في ولاية "بلاتو" وسط نيجيريا، ونزحوا إلى ولايات مجاورة؛ هروبًا من حرب التطهير العرقي التي تشنها ضدهم الميليشيات المسيحية المسلحة، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 600 مسلم!
ونُذكِّر أيضًا بمذابح المسلمين في البوسنة على أيدي الصرب عام 1990م، ولم نسمع عن إدانات لتلك المذابح لا من البابا ولا من الرئيس الأمريكي أيًّا كان اسمه ولا من الأمم المتحدة.. وكيف نسمع وأمريكا وحلفاؤها متورطون في إبادة شعبٍ بأكمله في العراق وأفغانستان وفلسطين..؟! إنه الابتزاز وانتهاز الفرص للعبث بدماء الشعوب.
ولو وضعنا تلك التصريحات الأمريكية إلى جانب ما كشفت عنه وثائق "ويكيليكس"- قبل ساعاتٍ من تفجير كنيسة الإسكندرية- عن سعي الولايات المتحدة الأمريكية لتحويل اهتمام مصر لمحاربة الإرهاب وتهريب السلاح، بدلاً من تركيز اهتمامها على التسلح لمواجهة الكيان الصهيوني، بعد شعور واشنطن بالإحباط من استمرار تركيز مصر على أن العدوَّ الأساسيَّ لها هو "إسرائيل"؛ لتجسد لدينا مدى التربص بمصر واستهدافها.
إذا كان ذلك يحدث من قوى وكنائس خارجية معروفة بمخططاتها وأهدافها الاستعمارية، ولا يُنتظر منها سوى ذلك في مثل تلك الأحداث؛ فإن قيام البعض داخل مصر بالصيد في الماء العكر بتقديم مادة جديدة لإشعال الفتنة؛ يكون موقفًا غريبًا في وقتٍ يقف فيه الشعب المصري بأكمله منددًا ورافضًا تلك التفجيرات.. ففي حواره الذي بثته إحدى قنوات النيل في الساعة الواحدة من صباح الإثنين 3/1/2001م مع الفنانة المحجبة سهير البابلي، خرج الأستاذ مفيد فوزي المحاور المعروف عن سياق الحوار ليفاجئها بالسؤال التالي: هل الشيخ القرضاوي، والدكتور الفاضل محمد عمارة، والشيخ عمر عبد الكافي يحبون الأقباط؟! استغربت السيدة سهير البابلي السؤال! ثم استطردت بما يعني نفي عدم حبِّ هؤلاء الدعاة للأقباط.
ولا أدري، هل ذلك الحوار تم إجراؤه حديثًا، أم من قبل وأعادت القناة المصرية بثه فتكون مشارِكة مع مفيد فوزي في الخطأ؟.. وفي كل الأحوال، فإثارة مثل تلك الأسئلة بدهاء محاور مخضرم يعرف ماذا يقول بالضبط - كما يقول دائمًا عن نفسه- في سياق الحوارات الصحفية؛ هي دسٌّ لسم الفتنة في العسل.. والسؤال: هل الأستاذ مفيد فوزي بمثل هذه الأسئلة يسهم في تهدئة الأوضاع المشتعلة، أم يشعلها أكثر عبر التلفزيون المصري؟ ولصالح مَنْ؟ وعلى نسق ما فعله الأستاذ مفيد فوزي الكثير مما تابعه الناس خلال تلك الأزمة.. وأخطر من الفتنة دائمًا صبُّ المزيد من مواد الاشتعال الرخيصة عليها!.
------------
* كاتب مصري- مدير تحرير مجلة (المجتمع) الكويتية