إنَّ الإيجابيَّة لا تكون فقط في المواقف الحرجة الصعبة والتي تشكِّل ضيقًا وحرجًا!! كالتصادُم مثلاً مع الآخر من أجل انتزاع حقٍّ ما أو مُقاضاته أو ما شابَه ذلك، فهذا جزء، وإن كان أيضًا له أسلوبه الحواريّ التفاوُضيّ الودود ذو الحكمة والحِنكة، والذي من المُمكِن أن يُحقق أفضل مطلوب!!.

 

إنها تكون قدْر الاستطاعة والإمكان وحسب الظروف والأحوال والبيئات والثقافات، وتكون في كل موقف، وفي كل وقت، وكل شيء، وكل مكان مُمكِن، وبما يُناسِب، وبما يُحقق أكبر النتائج بأقل الجهود.. وبالجملة: تكون بما يُسْعِد.

 

فكلُّ مَن غيَّرَ خلقًا شرِّيًّا- كان عليه التقاطه بفكره من بيئته التي ترَبَّيَ فيها- إلى خلق خيْريّ وسَعِدَ به على قدر أثره فيه، حتى ولو كان هذا الخير قليلاً، فهو إيجابيّ، وعلى درجة من درجات الإيجابيَّة، وله ثوابها على قدْر ما عمل وقدَّم.

 

وكلّ مَن أسعدَ زوجه وأبناءه، بالحب والحوار والتعاون والتسامح والتصافي والإنجاز والعلم والعمل والكسب والربح والتطور ونحو هذا، وأحسَن رعايتهم وتنميتهم، فهو من الإيجابيّين وله ثوابه.

 

وكلّ مَن أسعدَ والديه وجيرانه وأقاربه وزملاءه وأصدقاءه وعموم الناس على اختلاف دياناتهم وثقافاتهم وكل الكائنات، بحُسْن العلاقات والخدمات والمُشاركات ونحوها؛ فهو إيجابيّ مُؤدٍّ لأجزاء من الإيجابيَّة مُثاب عليها.

 

وكلّ مَن عاوَن الذي يطلب عونًا خيْريًّا أيًّا كانَ وأسعده بقضاء حوائجه فهو كذلك، وكلّ مَن أتقنَ تخصّصه وأحَلَّ كسبه وماله، وطوَّرَ عمله، ونفع نفسه وغيره به، ولم يحمل لهم غِلاًّ ولا غِشًّا ولا أيّ سوء خُلق، بل حَمَلَ كل خير وصفاء ودعاء؛ فهو إيجابيّ مُتصّف بالإيجابيَّة وله ثوابها.

 

وهكذا، إيجابيَّة تدريجية بأخلاق الإسلام شيئًا فشيئًا، بكل معاملاته المُسْعِدَة الاجتماعية والاقتصادية والمهنية والعلمية والسياسية والفنية والرياضية وغيرها، وبكل شعائره التي تضبط المشاعِرَ وتُسعدها من صلاة وصيام وذكر وغيره، حتى يكتمل بنو آدم، ويسعدوا في دنياهم وأخراهم.

 

إنَّ ما سبق ذكره وغيره هو ما يُفهَم ضمنًا من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، والذي عَدَّدَ ونوَّعَ فيه صورَ الإيجابية لينال كلّ فرد منها ومِمَّا شابهها ما استطاع ليكون في عِداد الإيجابيين السعداء المُثابين؛ حيث يقول: "أحبّ الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحبّ الأعمال إلى الله عز وجلّ سرور يُدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربَة، أو يقضي عنه دينًا، أو يطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخٍ في حاجة أحبّ إليَّ من أن أعتكِفَ في هذا المسجد- يعني مسجد المدينة- شهرًا، ومَن كفَّ غضبه ستر الله عورته، ومَن كظم غيظًا ولو شاء أنْ يمضيه أمضاه؛ ملأ الله قلبه رجاءً يوم القيامة، ومَن مشيَ مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام وإنَّ سوء الخلق يُفسد العمل كما يفسد الخل العسل" (حديث حسن، سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني).

 

لقد علَّمنا الإسلام أن الإيجابية نافعة مُسْعِدة حتى للدوابّ!! أفلا نقوم بها نحن البشر ذوي الألباب؛ لنسعد كذلك؟!.. فهذه نملة تحفظ أمَّتها ومملكتها ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)﴾ (النمل)، فانتفع بتصرّفها في حفظ ممالك المسلمين ومصالحهم وتنميتها: ﴿.. وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)﴾ (النمل)!.. وهذا هُدْهد يساهم في إسلام ملكة وقومها فتتسع دائرة السعداء به وبمنافعه ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22)﴾ (النمل)!.

 

إنَّ السلبيَّة مأخوذة من مادة سَلبَ في اللغة، والمَسْلوب هو الذي فقدَ شيئًا أو أشياء أو سُلِبَ منه بعضها أو كلها.. فالسلبيّ إذن لا يملك طاقة أو إرادة أو قدرة أو حركة أو فكرًا.. إنه فاقد لكل شيء تقريبًا! خامل لا قيمة له.. فهو لا بُدَّ تعيس في الدنيا والآخرة!.. حتى يُغيِّر نفسه تدريجيًّا.

 

أمَّا الإيجابيّ، فهو على العكس تمامًا.. فالإيجابيَّة مأخوذة من مادة جابَ جَوْبًا، أي قطعَ كلَّ طرق الخير، وسارَ في كل أنحائها، وَدَقَّ كلَّ أبوابها، واتخذ كلَّ أسبابها، ونشرَها كلّ انتشار، وأجابَ كل دُعاتها، واستجلبَ الكلَّ لها.. فحقق كلَّ خير يُريد بعون الله له لمَّا بدأ وانطلق.. فهو ولا شك سعيد في الداريْن.

 

يقول تعالى مادِحًا الإيجابي، داعيًا إلى إيجابيَّته ليَسعدَ ويُسْعِدُ بذلك، وذامًّا السلبيَّ مُنفِرًا من سلبيته لئلا يَتعس ويُتعِسَ بها: ﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (76)﴾ (النحل).. جاء في "أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري: ".. لعجزه وضعفه وعدم قدرته على شيء.. لا يأتي بخير، وقد يأتي بشرّ.."، "على صراط مستقيم يدعو الناس إلى سلوكه لينجوا ويسعدوا في الداريْن.. يدعوهم إلى كمالهم وسعادتهم في كلتا حياتهم..".

 

هذا، ولا إيجابية مطلقًا وبالتأكيد في الشرّ! فالذي ينطلق بالشرّ وينشره، هو أشدّ سلبية من الخامل! لأنَّ ذلك الساكِن ينشر صفرًا، بينما ناشر الشرّ هو بالسالب وتحت الصفر.. إنه يتراجَع بالبشريَّة للخلف، للتعاسة والمرارة والشقاء!.

 

فكن أيها الداعي إلى الله والإسلام مِمَّن يُطمئِنون الناس ويزرعون فيهم الأمل أنهم كلهم على درجة من درجات الإيجابيَّة وصورة مِن صورها، ولهم ثوابهم على قدْر أدائهم.. لأنهم بالفعل يُقدِّمون أعمال خير كثيرة متنوعة كالتي سبَقَ ذكرها.. ولا تكن أبدًا مِمَّن يُحبطونهم ويُشعرونهم بالسلبية لبعض تقصيراتهم.. فتشجيعهم سيزيدهم إيجابية، وسيُعينهم بإذن الله على استكمال نقائصهم تدريجيًّا يومًا ما، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع صحابته الكرام حتى اكتملوا وسعدوا السعادة الكاملة.. بينما تيئيسهم يزيدهم سلبية وتراجُعًا وفقدانًا لأيّ قليل من الإيجابية يملكونها!.. وسيكون لك ثوابك الهائل على التشجيع.. أو إثمك على التيئيس إن لم تتب!.