فتاة مقهورة
أنا سيدة أبلغ من العمر 34 عامًا، وقد عشت تجربة طلاق مريرة منذ عشر سنوات، بعد زواج فاشل لم يستمر سوى عام واحد كأنه كابوس في حياتي، فقد خطبني شخص أسرته محافظة، فتمَّت الخِطبة وتلاها الزواج سريعًا، ولكن ما إن أُغلق علينا باب واحد حتى كشَّر عن أنيابه وبدت حقيقته السوداء، فلم أستطع الاستمرار، وتمَّ الطلاق، ومن طيبة والديَّ أن تركا له معظم حقوقي المادية والأدبية حتى يخلصاني من عذابه!.
حاولت طيلة السنوات الماضية التخلص من آثار تلك التجربة القاسية ولكنها للأسف تركت جرحًا غائرًا في نفسي لم تداويه الأيام، فكنت أرفض كل من يتقدم للزواج مني خوفًا من تكرار الفشل، ولاعتقادي أنهم يطمعون في جمالي ومركزي العلمي والاجتماعي المرموق وسمعة أسرتي الطيبة، ولأنهم لم يكونوا سوى المطلق أو الأرمل أو الشاب الذي لم يكوِّن نفسه بعد، ووضعت همي في عملي وأكملت دراساتي العليا، وأعيش الآن مع والدي وأخي الأصغر وذلك بعد زواج كل إخوتي.
ولكن ما يؤرِّقني الآن هو شبح تلك التجربة المريرة ونظرة الشفقة والخوف عليَّ التي أراها في عيون والديّ وإخوتي، وكذلك رؤية المجتمع وحكمه على من في مثل حالتي، والأوهام التي تحيط بي إذا لم أتزوج وأحلامي الوردية التي لم تزل لها مكان في وجداني بالزوج الطيب والأطفال الأحباء.
والآن أستشيرك يا أختي الفاضلة، ماذا أفعل حتى أعيش حياتي كفتاة طبيعية؟، وأصمِّم أني فتاة، فروحي ما زالت نديةً، وقلبي لم يزل في صباه، ووجهي الطفولي لا يدلُّ إلا على ذلك، أريد نصيحتك حتى أستمر متماسكةً قويةً، وهل نجاحي العلمي والعملي وعلاقاتي الاجتماعية الطيبة وطباعي المثالية يمكن أن تمحو نظرات الشفقة أو الاتهام من أهلي أو المجتمع؟! معذرة للإطالة وجزاكم الله خيرًا.
* يجيب عن الاستشارة أسماء صقر- الاستشارية الاجتماعية والتربوية بموقع (إخوان أون لاين):
أختي الفاضلة.. إن التجارب ترسم في حياتنا الآثار التي نسمح لها فقط أن ترسمها وتسجلها في نفسياتنا وعقولنا، وتجربة الطلاق إن كانت من أكثر التجارب ألمًا للمرأة لا سيما إن كانت مثل تجربتك، فهي أيضًا مثل بقية التجارب المؤلمة يمكننا تحقيق الفشل فيها والنجاح أيضًا.
يا أختي.. إني أرى أن عشر سنوات لم تحملك بعد على نسيان تجربتك، وإنما ظللت تسترجعين شريط التجربة الأليمة مرارًا وتكرارًا في عقلك ونفسك وتشغلين نفسك من الخارج فقط بالدراسة وغيرها، إلا أنك ظللت معلقةً بصور التجربة التي لم تفارقك.
فحتى الآن فأنت تحكين عن تجربتك وكأنها كانت بالأمس، وسؤالك إن كان نجاحك وعلاقاتك الطيبة يمكن أن تمحو نظرات الإشفاق فإجابته هي "لا"، لن تمحوها؛ لأن هذه النظرات ترينها أنت بشعورك الدائم بالشفقة على نفسك والخوف من الاتهامات والقلق الداخلي من المستقبل والوحدة.
واسمحي لي أن أسألك: لماذا حكمت على من تقدموا للارتباط بك بالرفض المطلق، بينما منهم من هو كذلك صاحب تجربة مؤلمة ولا يد له فيها؟ ولماذا قررت أن الحياة وحيدة أفضل من التعامل مع فكرة الارتباط من جديد؟ ولماذا تبحثين عن التماسك والقوة الآن؟!
كما أكدت لك فإننا من نحدد- بإذن الله- مقدار الفشل أو نرسم لأنفسنا النجاح من أية تجربة نخوضها حتى الأليم منها؛ لذا أريدك وأنت تقرئين ردي الآن أن تختاري النجاح.
* اجلسي مع نفسك مرةً أخرى وراجعي ما حدث فعلاً.. نعم فرغم أنك تعاملت مع الألم كثيرًا فإنك لم تتعاملي حتى هذه اللحظة وخلال العشر سنوات مع ما وقع فعلاً من أحداث؛ لاستخلاص ما كان في التجربة من سلبيات وما كسبناه من إيجابيات.
* حدثي نفسك أن ما حدث كان سيئًا، لكنه لا علاقة له بكرامتك ولا شخصك، فكان يمكن أن تكون الزوجة أي شخصية أخرى، وأن ما فعله أهلك كان صحيحًا وراقيًا تمامًا، ولكنه كان للشخص الخطأ، فلا أدنى شك أنهم فازوا بالمقاييس الراقية وحسن الخلق والأداء لك وخسر هو.
* اكتبي الجملة التالية وعلقيها: "أفضل ما في الماضي أنه انتهى وأجمل ما في المستقبل أني أستطيع أن أسعد فيه كثيرًا".
* أغمضي عينيك وأعيدي الصور مرةً أخرى في ذهنك، ثم صغِّريها لأقصى درجة تستطيعينها حتى تكون في حجم النقطة.. كرري ذلك مع كل الصور المؤلمة في ذهنك.
أختي الفاضلة..
إن عدد اللاتي سعدن ونجحن في زيجتهن الثانية بعد تجربة غير ناحجة ومؤلمة ضخم للغاية، فلم لا تقررين أن تكوني واحدة منهن؟! أعيدي فتح باب الارتباط من جديد في نفسك وعند من حولك، وأحسني الظن بربك، فلعل تأخر تعرفك على زوجك الحقيقي بسبب ظنك أنك لن تعطي هذه العطية وأن قدرك مكتوب فيه "أعيش وحيدة مع شبح تجربة" ولكني على ثقة أن ذلك ليس صحيحًا.
إن الأوهام التي تتحدثين عنها إنما هي رسائل تعطيها لنفسك يوميًّا بغير قصد فتقولين: "ما إمكانية أن أجد من يناسبني ويسعدني؟ ثم تردين على نفسك.. لا إمكانية"، وغيرها من الرسائل التي ثتبت في عقلك وتصرفاتك كل الأوهام وتطفئ كل الأحلام الوردية ولكن دعيني أخبرك قصة:
"ذهبت امرأة إلى موسى عليه السلام فطلبت منه أن يدعو الله لها أن يرزقها من الذرية، وحين عادت إليه قال لها إنك عقيم، فقالت ولكن ادع لي مع هذا، وعادت مرةً ثالثةً فقال لها إن الله قد كتبك عقيمًا، فقالت كما قالت في الأولى ادع لي ثم رحلت، ومرت سنون وعادت المرأة إلى موسى ومعها طفل، فقال من أين لك بالطفل؟ فقالت كنت تقول عقيمًا وكنت أقول رحيمًا".
بينما تنتظرين مستقبلاً جميلاً استمري في نجاحاتك الجميلة ولكن أضيفي إليها ما اتفقنا عليه من حسن الظن واليقين بسعادة وتعويض من الله، وإياك أن تتعاملي بحساسية مع الماضي والمستقبل، ولا تري في عيون الآخرين إلا الحب فإنما الشفقة للذين لا تعلق لهم بما عند الله ولا أمل عندهم ولا نجاح واستعيني بالدعاء والانخراط مع الأهل والأصدقاء.
وأخيرًا.. دعيني أصارحك أنك عندما تفتحين بابًا للزواج فقد تجدين من بين المتقدمين الأرمل والمطلق كما سبق أن ذكرت، ولكن حين تنظرين فيهم هذه المرة فانظري بنظرة مختلفة عن نظرة المجتمع السلبية.
تفرَّسي فيهم تفرُّس صاحب تجربة مؤلمة يقدِّر ظروف الآخرين كما يقدِّر حاجته للأمل في السعادة والمستقبل الجميل الذي يعوضه، ولا تحكمي عليهم بالمظاهر والظروف فقط، ثم لا تتسرعي في الارتباط إلا أن تتفحَّصي وتتأكدي جيدًا ولا تيأسي، ثم حين تجدين شريك حياتك المناسب فاسعدي ولا تفكري كثيرًا.. فقط اسعدي.