في التربيةِ الرساليةِ يكون الفكرُ هو أول الواجبات، وبهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "اعلموا أنّ أول الواجبات على المكلَّف النظر والاستدلال إلى معرفة الله تعالى، ومعنى النظر هو فكر القلب والتأمل في حال المنظور فيه؛ طلبًا لمعرفته، وبه يُتوصَل إلى ما غاب عن الحس والضرورة، وهو واجب في أصول الدين لقوله عز وجل ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (الحشر: من الآية 2)، وقوله تعالى ﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (يونس: من الآية 101).

 

إنّما قلنا: إنّ أولَ الواجبات النظر؛ لأنّ أكثر الواجبات منوطة بالنيَّات، فالنيةُ هي القصدُ بالعبادات إلى معبودٍ مخصوصٍ، والقصد على هذا الوجه لا يمكن فيه إلا بعد معرفة المعبود، ولا يُتوصل إلى معرفتهِ إلا بالنظرِ والاستدلالِ، فلهذا قلنا: إنّ ذلك أولَ الواجبات.

 

وهو ما يؤكده الإمام الرازي في تفسيره، ويُستدل عليه بكثير من الأدلة؛ حيث قال: "الاشتغال بعبادة الله لا يَصلحُ إلا بعد معرفة الإله الخالق؛ فلا بدَّ من معرفة الأدلة على وجوده، واتّصافه بصفات الجلال والوحدانية، كما يقول- رحمه الله-: "لا طريق إلى معرفة الله إلا بالنظر والاستدلال".

 

وعند تفسيرهِ لسورة "المؤمنون" قال الرازي: اعلم أنّه تعالى لما أمر بالعبادات في الآيات السابقة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)﴾ (المؤمنون).

 

والاشتغال بالعبادة لله لا يصحُّ إلا بعد معرفة الإله الحقّ، لا جرم عقَّبها بذكر ما يدل على وجوده واتصافه بصفات الجلال والوحدانية، فذكر من الدلائل أنواعًا منها 5:

 

1- خلق الإنسان: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)﴾.

 

2- الثاني من الدلائل خلق السماوات: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (17)﴾.

 

3- الماء والنبات.

 

4- الاستدلال بأحوال الحيوانات.

 

5- الاستدلال بالقصص، (راجع سورة المؤمنون).

 

ويجب أنْ نعلم أنّ معرفة الله تعالى لا يصلح فيها الظن أو التقليد؛ لأن هذا ليس علمًا، يقول الإمام الشافعي: "اعلموا- أسعدكم الله- أن كلَّ مكلَّف مأمورٌ بمعرفة الله تعالى، ومعنى المعرفة أن يعلم المعلوم على ما هو عليه، بحيث لا يخفى عليه شيء من صفات المعلوم، وبالظّنّ والتقليد لا يحصل العلم والمعرفة، لأن في الظن تجويز الأمرين، ومعنى التقليد: قبول قول من لا يدري ما قال من أين قال؟: وذلك لا يكون علمًا، ودليله قوله تعالى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد: من الآية 19)، فأمَر بالمعرفة لا بالظن والتقليد.

 

التفكير أهم مظهر من مظاهر وجود الإنسان، وهو الذي أعطاه المرتبة العليَّة التي تُميزه عن عالم الحيوان، فبالتفكير يواجه الإنسان كلَّ ما حوله؛ ليكتشف فيه ما يساعده على التكيُّف والبقاء وإنشاء الحضارة، ولقد جعل الله الإنسان خليفةً في الأرض وحمَّله الأمانة الكبرى من أجل أن يُحقِّق مسئوليته من خلال التفكير، ويقوم بالتكاليف التي فُرضت عليه ضمنًا عند قبوله تلك الأمانة، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)﴾ (الأحزاب).

 

فالتفكير- إذن- فطرة، والإسلامُ دين الفطرة، فلا يرفضه بل يدعو دائمًا إلى استعماله، وعدم تعطيل طاقاته، وفسح المجال الواسع أمامه، وليس هناك كتاب سماوي أو غير سماوي، طلب من الإنسان أن يُحرك طاقته الفكرية، وشجّعه على استعمالها كالقرآن الكريم في مئات من آياته، بصور متنوعة تدفع إلى التفكير العميق في مصير الكون والحياة والإنسان.

 

وأدرك العلماء من الصحابة والتابعين وتابعيهم هذه الحقيقة الإسلامية الصريحة، فَعَدُّوا الاجتهاد العقلي بضوابطه الشرعية أصلاً من أصول الدين، مثال ذلك القياس والاستحسان، وتحقيق المصالح وسد الذرائع ورفع الضرر، وما إلى ذلك من وجوه الاجتهاد الأخرى.

 

ويكاد علماء الإسلام يجمعون على القول بحجية العقل في مجاله، قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "إنّ الله تعالى مَنَّ على العباد بعقولهم، فدلَّهم بها على الفرق بين المختلف وهداهم السبيل إلى الحق نصًّا ودلالةً" (3)

 

وقد خطَّأَ الإمام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- أولئك الذين يقدحون في الدلائل العقلية مطلقًا؛ لأنهم يتصورونها أنها هي الكلام المبتدع الذي أحدثه مَن أحدثه من المتكلمين والفلاسفة. (4)

 

ويقول الإمام محمد الغزالي- رحمه الله-: "إنّ معرفة الله تعالى لا وسيلة لها إلا النظر في الأكوان.. والمتتبع لأسلوب القرآن في بناء الإيمان وتكوين الأمم يستيقن أنّ مدارسة الكون، ومعالجة الحياة، هما النهج الأوحد لإقامة الدين الحق، وإقامة الدنيا الحارسة له.. الدرس الدقيق للكون فهو- لا غير- باب الوصول إلى الله، وهو- لا غير- باب الإفادة الواسعة من كنوزه الدفينة ومنافعه الغزيرة.. والواقع أنّ التدين المعلول تعجز معه النفس الإنسانية عن القيام بوظيفتها في الحياة، لأنّ التدين الفاسد يُعطِّل أجهزتها الفطرية (5)

 

إنّ التَّدين المعلول هو الذي جعل الكثير من المسلمين في عصرنا يخالفون الاتجاه السليم للعقل المسلم، وهو أن يكون تفكيره سلبيًّا بالنسبة للبحث في ذات الله، وإيجابيًّا بالنسبة للبحث في اكتشاف الكون.

 

ويُعبِّر الإمام محمد الغزالي عن هذه الاتجاه الصحيح فيقول: "سلبيةٌ مطلقةٌ أمام الله، إيجابيةٌ مطلقةٌ أمام الكون، هاتان حالتان تصطبغ بهما نفس المسلم، الموصول بالقرآن، المرتبط بروحه، المتأثر بإيحائه".

 

ولقد أُصيب التفكير الإسلامي بنكسةٍ خطيرةٍ عندما انقلبت مباحثه رأسًا على عقب، فأصبح تفكيره سلبيًّا بالنسبة لمادة الكون، إيجابيًّا بالنسبة لذات الله!!.

 

ما هذا الارتكاس المستغرَب؟!

ومن أين نجد له سندًا في ديننا؟ (6)

 

أعلى الفِكَر وأنفعها:

يحدثنا الإمام ابن القيم- رحمه الله تعالى- عن خمسة أقسام من الفِكَر التي تفيدنا، فيقول: "أعلى الفِكَر وأجلها وأنفعها: ما كان لله والدار الآخرة، وهي أنواع:

 

أحدها: الفكرة في آياته المنزَّلة وتعقُلِها، وفَهْم المراد منها، ولذلك أنزلها الله تعالى، لا لمجرد تلاوتها بل التلاوة وسيلة.

 

قال بعض السلف: "انزل القرآن ليُعْمَل به، فاتخذوا تلاوته عملاً".

 

الثاني: الفكرة في آياته المشهودة والاعتبار بها، والاستدلال بها على أسمائه وصفاته وحكمته وإحسانه، وبره وجوده، وقد حضَّ الله سبحانه على التفكر في آياته، وتدبرها، وتعقلها، وذم الغافل عن ذلك.

 

الثالث: الفكرة في آلائه وإحسانه، وإنعامه على خلقه بأصناف النعم، وسعته ورحمته ومغفرته وحلمه.

 

وهذه الأنواع الثلاثة تستخرج من القلب معرفة الله، ومحبته وخوفه ورجائه، ودوام الفكرة في ذلك مع الذكر يصبغ القلب بالمعرفة والمحبة صبغة تامة.

 

الرابع: الفكرة في عيوب النفس، وآفاتها، وفي عيوب العمل، وهذه الفكرة عظيمة النفع، وهي باب كلِّ خير، وتأثيرها في كسر النفس الأمَّارة بالسوء، ومتى كُسِِرت عاشت النفس المطمئنة، وانبعثت، وصار الحكم لها.

 

الخامس: الفكرة في واجب الوقت ووظيفته، وجمع الهم كله عليه، فالعارف ابن وقته، فإن أضاعهُ ضاعت عليه مصالحه كلها، فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت، وإن ضيَّعه لم يستدركه أبدًا؛ فوقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، ووسيلته إلى حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر أسرعُ من السحاب، فما كان من وقته لله، وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبًا من حياته، وإنْ عاش فيه عيش البهائم؛ فهو يقطع وقته في الغفلة والسهو والأماني الباطلة، فموت هذا خير له من حياته.

 

إنْ كان العبد- وهو في الصلاة- ليس له من صلاته إلا ما عقل منها، فليس له من عمره إلا ما كان فيه لله وبالله، وما عدا هذه الأقسام من الفِكَر، فإمّا وساوس شيطانية، وإما أماني باطلة، وخدع كاذبة، بمنزلة أفكار المصابين في عقولهم من السكارى والحشاشين والموسوسين (7)

 

هذه هي خطة إسلامية لتحقيق التربية الرسالية، التي تبدأ من إيقاظ العقل ليحسن التفكير في:

1- تدبر كتاب الله تعالى لمعرفة المراد وتحقيق الامتثال له.

 

2- التفكر في آيات الله تعالى بالكون من حولنا لتحقيق الإيمان الراسخ.

 

3- التفكر في نعم الله علينا- بنا ومن حولنا- فالشكر من أعلى مقامات العبودية.

 

4- التفكر في النفس والعمل للتَّرقّي بهما نحو الكمال الإنساني.

 

5- التفكر في الوقت وواجباته لتحقيق الأهداف في أوقاتها المحددة.

 

هذه هي أفكار أهل الاستقامة في المدرسة الرسالية، والتي تُنمِي أجهزة الفطرة الإنسانية؛ فتستقيم النفس على منهج الله بوظيفتها في الحياة وهي: (إقامة الدين الحق، وإقامة الدنيا الحارسة له)، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)﴾ (الحديد) (8)

 

العاقل والاختلاف:

علينا أنْ نعلم أنّ الأحكام الشرعية إذا كانت أدلتها قطعية الثبوت وقطعية الدلالة فلا ينبغي فيها الخلاف، أما إذا كانت أدلتها ظنية الثبوت أو ظنية الدلالة فهنا يكون الخلاف.

 

وفي القضايا الخلافية الاجتهادية لا يجب الإنكار فيها، ومن ثَمَّ لا يجب التباغض أو الافتراق، بل يجب أن يعذر بعضنا بعضًا فيها، فالشيطان يوجد عند هذه التفاصيل الخلافية؛ ليقوم بدوره التحريشي لزرع التباغض بين المسلمين، وفي الحديث: "إن الشيطان أيِسَ أن يعبده المصلون في أرض العرب ولكن رضي التحريش بينهم" (9)

 

فالاختلاف المحرَّم هو الذي يجب أن نَحْذَره ونُحذِّر منه، أما الخلاف غير المحرَّم فهو الواقع بيننا، ولا نستطيع أن نتوقاه؛ لاختلاف العقول؛ فتختلف- تبعًا- الأفهام حول النصوص، والإمام الشافعي- في الرسالة- قَسَّم الخلاف إلى نوعين: (حرام وغير حرام)، وعن الاختلاف المحرَّم قال: "هو كل ما أقام الله به الحجة في كتابه، أو على لسان نبيه منصوصًا"، وقال الشافعي في الاختلاف غير المحرم: "هو ما كان في ذلك يحتمل التأْويل ويدرك قياسًا، فذهب المتأوِل أو القايِس إلى معنى يحتمله الخبر أو القياس، وإن خالفه غيره لم أقُل إنه يضيق عليه ضيق الخلاف في المنصوص". (10)

 

وفي موارد الاجتهاد ليس من حق أحدٍ أنْ يُلِزم غيره بما يراه من وجهة نظِره، لذا يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: "كان أهلُ السُّنة، والجماعة لا يلزمون الناس بما يقولونه من موارد الاجتهاد، ولا يكرهون أحدًا عليه، ولما استشار هارون الرشيد الإمام مالك بن أنس في حَمْل الناس على الموطأ قال له مالك: لا تفعل يا أمير المؤمنين؛ فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تفرقوا في الأمصار؛ فأخذ كلُّ قوم عمن كان عندهم، وإنما جمعت علم أهل بلدي. (11)

 

أخرج البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب: "لا يصليَّنَّ أحد منكم العصر إلا في بني قريظة"، فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها (أي ديار بني قريظة)، وقال بعضهم بل نصلي، لم يرد منَّا ذلك، فذُكر ذلك للنبي "فلم يُعنِّف أحدًا منهم".

 

فالمسلمُ إذنْ له أنْ يأخذَ بظاهر النص، وله أن يستنبط من المعاني ما يحمله النص، ويمكن التدليل عليه ولا لوم على مَن بذل جهده وكان مؤهلاً لهذا النوع من الجهد.

 

فالفريق الثاني من الصحابة رضوان الله عليهم فهموا أنّ الرسول "إنما يأمرهم بالمبالغة في الإسراع؛ ولذلك اعتبروا أنّ أداءهم الصلاة قبل الوصول إلى ديار بني قريظة لا ينافي أمره بالصلاة في ديار بني قريظة، ما دامت الصلاة لم تؤخّرهم عن الوصول".

 

ومن الطريف أن الإمام ابن القيم- رحمه الله تعالى- أورد اختلاف الفقهاء في تصويب أي من الفريقين، وبيان الأفضل من فعْل كل منهما، فمن قائل: "إنّ الأفضل هو من صلى في  الطريق، فحاز قصب السبق في أداء الصلاة في أوقاتها، وتلبية أمر رسول الله"، ومن قائل: "إن الأفضل من أخَّرها ليصليها في بني قريظة". (12)

 

قلت (والكلام لابن القيم): وما دام رسول الله "لم يُعنّف واحدًا منهم، فكان على الفقهاء رحمهم الله أن يسعَهم ذلك من سنَّة رسول الله"، وألا يغوصوا في أمر مَن تولى عليه الصلاة والسلام حسْمه والانتهاء منه. (13)

 

ويعلِّق الشيخ محمد الغزالي- رحمه الله- على هذه الحادثة فيقول: "وذلك يمثل احترام الإسلام لاختلاف وجهات النظر، ما دامت عن اجتهاد بريء سليم، والناس غالبًا أحد رجلين: (رجل يقف عند حدود النصوص الظاهرة لا يعدوها، ورجل يتبين حكمتها وغايتها)، ثم ينصرف في نطاق ما وعي من حكمتها، وغايتها، ولو خالف الظاهر القريب، وكِلا الفريقين يشفع له إيمانه واحتسابه سواءً أصاب الحق، أو نُدَّ عنه" (14)

 

المراجع:

----

1- الفقه الأكبر للإمام الشافعي، ص 8.

2- التفسير الكبير، جـ11.

3- المصدر السابق، ص 471.

4- الفقه الأكبر للشافعي، صـ5- هدية مجلة الأزهر، جمادى الأولى 1406هـ.

5- تجديد الفكر الإسلامي، د. محسن عبد الحميد، صـ20.

6- المصدر السابق، صـ 22.

7- مجموع الفتاوى، جـ13، صـ127.

8- الإسلام والطاقات المعطلة، صـ34.

9- الداء والدواء.

10- صحيح مسلم، ومسند أحمد.

11- الرسالة للشافعي، صـ 501.

12- الفتاوى الكبرى، جـ 5 صـ 15.

13- إعلام الموقعين.

14-  فقه السيرة، محمد الغزالي، الطبعة الثامنة.