وأخيرًا وقعت الكارثة التي حذَّر منها الجميع، وهي سيارة مفخخة مثل أعمال القاعدة، ومثل العراق ولبنان خلال الحرب الأهلية، وضدَّ كنيسة رئيسية وعشية العام الجديد، وقبل أسبوع من عيد الأقباط، ثم تعلن السلطات عن أسفها، وتقوم جماعة من الأقباط فورًا بمهاجمة أحد المساجد، ويسارع الفاتيكان في أول عمل بعد مؤتمر المسيحيين المشارقة في الفاتيكان باتهام الحكومة المصرية بعدم قدرتها على حماية المسيحيين في مصر.

 

المسألة ليست فتنةً بين المسيحيين والمسلمين في مصر كما كان يحلو للسلطة أن تردد، وقد حذَّرنا مع غيرنا من أن انشغال الحزب الوطني بتجميع السلطة والثروة وانصرافه عن إصلاح البلاد والاهتمام بقضاياها الكبرى وتحييد الشعب المصري، وتزوير إرادته وامتهان قضائه، أدَّى إلى امتهان القضاء، وأحكامه من جانب الطرف الآخر.

 

مَن قام بهذا العمل الذي يؤشر لمرحلة جديدة خطيرة في مصر؟ ولماذا؟ وماذا استغل هؤلاء حتى يقدموا على هذه المرحلة؟ وما معنى تصريح بابا الفاتيكان، وما هو المتوقع؟

 

المتوقع أن تتزايد الحوادث من هذا النوع ضدَّ مساجد مصر وكنائسها وضدَّ مبانيها وأمنها ونسيجها الذي حرصوا على تمزيقه، ولن تجدي المعالجات الأمنية الهزيلة؛ لأن الذي قام بهذا العمل هم عملاء الموساد، وكان يجب أن تأخذ السلطة مأخذ الجد التحذيرات التي أطلقناها تعليقًا على كشف الحساب الذي قدَّمه عاموس يالدين، مدير المخابرات العسكرية في إسرائيل، الذي كشف عن إنجازات الموساد في مصر، ومن أخطرها ترتيب الفتنة الطائفية، وتمزيق المجتمع المصري حتى لا تقوم له قائمة.

 

ثم نشرت في تلك اللحظة معلومات عن تورط مسئولين كبار في العالم العربي مع إسرائيل والولايات المتحدة بتهم الخيانة العظمى، واستعداد (ويكيليكس) لنشر هذه التقارير؛ ولذلك لا يجوز إهدار الوقت والجهد في تحقيقات لا قيمة لها، فالفاعل هو الموساد وعملاؤه في مصر، منهم الصغار ومنهم الكبار، ومعنى ذلك أن مصر كلها في خطر عظيم على وجودها ووحدة أراضيها بعد كلِّ ما هددها من أمور حياتية ومجتمعية، ومع ذلك يصرُّ الحزب الوطني على التآمر على إبعاد المعارضة، فهل كان إبعادها للانفراد بالسلطة والتفرغ لحماية البلاد وحده؟، أم أن الانفراد قُصِد به ألا يعكر أحد صفو إدارته "الناجحة" لمصر ولمجتمعها؟.

 

وما لم يتم البدء الآن في مراجعة كلِّ ما يتعلق بإسرائيل وأمريكا وتنقية المجتمع المصري من أصابعهما، وإجراء انتخابات حرة تشرك كلَّ المصريين في الدفاع عن وطنهم بعد أن تعرَّض للضياع وإنشاء دولة حرة مستقلة حازمة قانونية عادلة، فأظن أن كلَّ مصري مطالب بالدفاع عن وطنه وعن حقِّه في دولة لكلِّ مواطنيها بعد أن احتكرها حزب عرَّضها لأعظم الأخطار.

 

مصر- بصراحة- يمكن أن تنزلق إلى حرب أهلية تقوم على قاعدتي المسلم والمسيحي والغني والفقير، وحينئذٍ يفرُّ مَن أشعلوها إلى أسيادهم، فماذا يفعل العقلاء في مصر بعد تحذير الفاتيكان من عدم قدرة الحكومة على حماية الأقباط؟

 

أليس ذلك مدخلاً إلى تدخل دولي لحمايتهم، ثم مَن يحمي المواطن غير القبطي مما يعانيه؟ وأليس مدخلاً لتقسيم مصر ما دام أبناؤها غير قادرين على العيش المشترك؟ ألا تشبه دعوة الفاتيكان تحذير بريطانيا لعرابي بأنه غير قادر على حماية الأجانب، وأن الاحتلال هدفه توفير هذه الحماية؟

 

إنني أدعو إلى لقاء عاجل بين عقلاء الأمة من المسلمين والمسيحيين لوضع أسس نظام ديمقراطي يقف وراءه شعب مصر ويسانده العالم بدلاً من السعي إلى توسيع الشقة ونزع الفتنة.

 

مشكلتنا هي الشمولية والغفلة عن مصالح البلاد العليا وحلنا هو نظام ديمقراطي، فالمؤامرة على كلِّ واحد فينا، وليس فتنة بين أبناء مصر الذين لم يفرقوا يومًا بين أقباطها ومسلميها.