![]() |
|
البدوي عبد العظيم البدوي |
ومن أمثلة المصلحين الذين خلَّد القرآن ذكرهم سيدنا يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، الذي حين أتاه رفيق سجنه طالبًا تفسيرًا لرؤيا الملك: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46)﴾ (يوسف).
فلم يكتفِ هذا النبي المصلح بتفسير رؤيا الملك بل قرنها- بما لا يمكن فصله- وفي ذات الآية بتقديم النصح واضعًا الخطة للطريقة التي تستطيع بها البلاد أن تخرج من هذه الأزمة التي يمكنها أن تأكل الأخضر واليابس فقال: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49)﴾ (يوسف).
ومن المعاني التي يجب أن يتمسك بها المصلح بقاء صفحته نقيةً ناصعةً مبرأً عن كلِّ دنس، مترفعًا عن الطلب من الناس لنفسه مُصِرًّا على أن لا يخرج من سجنه إلا بريئًا طاهرًا مما لحق به من جرم، فلما علم الملك بوجود هذا الرجل العليم الأمين في سجنه أمر أن يؤتوه به؛ ليستخلصه لنفسه فأبى يوسف أن يخرج من سجنه إلا بريئًا من كلِّ جرم وهو ما يسره الله له.
لم يكن الهدف مما ذكر فقط أن نستخرج بعضًا من العبر والعظات من قصة قرآنية ملؤها العبر والدروس، ولكن الهدف كان أولاً إبراز بعضٍ من الصفات التي ينبغي على المصلحين أن يتبنوها؛ لتكون في نفوسهم أخلاقًا ثابتة يمشون بها بين الناس، تلك الأخلاق التي يمكن اكتسابها بمرور الوقت، وبالتدريب والمثابرة وبالتربية الدءوبة المستمرة، فالحلم بالتحلم والعلم بالتعلم و.. وهكذا وهذا دور المربين.
بل كن أنت مربيه..
وإذا كانت تلك أخلاقًا مكتسبةً فإن على المربين دورًا وأي دورٍ في تنمية وإبراز الجوانب المضيئة في شخصية مَن يربونهم وتنقيتهم من أية شوائب سلوكية قد تقف حجر عثرة أمام استكمالهم لكلِّ معاني الداعية المصلح.
وإذا كان الناس قديمًا قالوا إن الإنسان لا يحب أن يكون أحد أفضل منه إلا ولده، فالداعية المربي لا تنطبق عليه تلك القاعدة إذ إنه ومن علامات إخلاصه لله في عمله التربوي أن يحب، بل أن يعمل بكلِّ ما لديه من إمكانات؛ كي يكون مَن يربيهم من دعاة نماذج مكتملة مشرفة، ساعيًا أن يكونوا أفضل منه هو نفسه.
وتاريخ الدعوة الحديث مليء بكثير من المواقف التربوية التي ظهر فيها دور المربي مؤثرًا في إخوانه المربين: منها ما كتب ودون ومنها ما لم يتم تدوينه بعد، ورغم كثرة تلك المواقف وحاجتنا الملحة إليها؛ خاصة ونحن في سبيلنا لإصلاح المجتمع والحكومة ومن قبله الفرد والأسرة إلا أن المنقول منها قليل جدًّا.
قصة.. ورجاء
ومن قبيل نشر الخير أذكر أن أحد الدعاة المربين (أبو أسامة) كان حريصًا كلَّ الحرص على أن يزرع فيمن يربيهم معنى الاستمرار والمثابرة في العمل والإصلاح، حتى إنه قد عمد إلى أحد من يربيهم من إخوانه في إحدى جلسات الشاي، يسأله عما إذا قصر يومًا هو نفسه في العمل المكلَّف به؟ ففهم أخوه الرسالة ورد عليه: أنصحك، فرد أبو أسامة: فإن لم استجب؟
قال الأخ: أطلب منك أن توصلني بِمَن كلفك بتلك المهمة، فرد أبو أسامة: فإن لم ينصلح الأمر؟ ففهم أخوه رسالته قائلاً: أظل وراءك حتى أعلى جهة.. وحتى ينصلح الحال ويستقيم الأمر، وهنا تبسَّم أبو أسامة تبسُّم الأب حين يطمئن إلى أن ولده قد فهم الدرس، واستكملا شرب الشاي في محبة وود، وقد تعلَّم أخوه الدرس.
ومن تلك المواقف الكثير والكثيرين: مثل موقف الأخ المربي أبو أسامة، وكلُّ تلك المواقف أحسب أن حاجة أبناء الدعوة أصبحت ماسةً إلى أن تخرج إلى النور؛ ليظهر الجانب المشرق والمضيء لتلك الدعوة الأصيلة والشجرة اليانعة، وحتى لا يظن ظانٌّ أن نجمها في طريقه إلى الأفول، وأقترح على إخواني الذين لديهم قصص تربوية من مثل هذا النوع المشرق من المواقف التربوية أن يعمدوا إلى تجميعها وإبرازها أولاً بأول حتى تطمئن القلوب إلى صحة الطريق ويتعلم المربون الجدد من أقرانهم ممن كان لهم السبق على الطريق، وكان لهم أبلغ الأثر في العمل لتلك الدعوة.
وإن رغبتم أن ترسلوا لي مثل تلك القصص التربوية أكن لكم من الشاكرين؛ حتى يعم النفع ويزيد الأجر.
-------------
