مع كل حادث تتعرض له الأمة يتجدد الحديث عن الخطاب الديني، بل بات لازمة عند من يتحدث في الشأن العام تحميل الخطاب الديني المسئولية وأنه أحد الأسباب، ومن ثمّ يصبح تطويره، أو تجديده هو الحل والخروج من المأزق.
كنت أتابع قضية الجاسوس المصري الذي كشفته أجهزة المخابرات المصرية منذ أيام، ولمحت في حديث البعض شيئًا من ذلك، سواء في معرض الحديث عن حالة السقوط في مستنقع الخيانة، وانهيار خطوط الدفاع الإيمانية والنفسية للجاسوس، أو حين الحديث عن تحذيرات الخبراء من الوقوع والسقوط ولفت الأنظار إلى أهمية تقوية الوازع الديني، وتدعيم الإيمان في نفوس الناس وخاصة الشباب.
وحين وقعت الواقعة وسُلبت كرامة المواطنين، وأُهدرت حقوقهم السياسية عبر تزوير الانتخابات البرلمانية الأخيرة تجدد الحديث عن الأسباب التي أودت بنا إلى هذا السقوط، أليس من خطط ورتب وأمر وأشرف على عمليات التزوير من بني جلدتنا، متدينون بالفطرة كبقية الشعب المصري؟
أليس من قاموا بعمليات التنفيذ عبر لجان التصويت من موظفين ورجال شرطة وسياسيين هم كذلك مسلمون؟ ويحرصون على أداء الصلوات، والعمرة والحج وصيام شهر رمضان وربما النوافل فلماذا لم يصمدوا أمام هذا الانحراف وسقطوا في رذيلة خيانة الوطن؟
ويكثر في نهاية العام الميلادي صدور التقارير الدولية عن أحوال بلاد العالم في كافة نواحي الحياة مثل التقارير الصحية المتعلقة بالأمراض الخطيرة، وأعداد المصابين ونسب الإصابة بها في دول العالم، وأحوال الخدمة العلاجية والصحية، وكذلك التقارير العلمية التي تتناول أوضاع التعليم، والبحث العلمي وترتيب الجامعات العالمية ونسب الإنفاق العام على التعليم والبحث العلمي، وكذلك التقارير التي تتناول الحالة العامة لحقوق الإنسان ومنها الحقوق السياسية وأوضاع بلدان العالم، ومدى احترامها لهذه الحقوق، وغير ذلك من تقارير تكون سببًا رئيسيًّا لرفع الضغط وإصابة من يطلع عليها بعدة أمراض وتبعث على الكآبة، وتشعل الغضب في نفوس الغيورين على وطنهم، والسؤال هنا من أوصلنا إلى هذا الدرك الأسفل، وأسقط وطنًا عزيزًا في هوة سحيقة من الأزمات؟ أليسوا في النهاية من أبناء الوطن؟
ولماذا تستكين الأغلبية الكاسحة من أبناء شعبنا لهذه الأوضاع المأساوية التي تطحنهم ليلاً ونهارًا رغم انسداد الأفق وتقليص فرص التصحيح؟
وأسأل نفسي- وأنا أعيش القضية والهم والعمل- متى ستغادر هذه الأغلبية مقاعد المتفرجين وتنزل إلى ميدان العمل والإنتاج والتغيير؟
متى يكفوا عن الشكوى ويندفعوا لإزالة أسبابها وإزاحة المتسببين في آلام وأوجاع هذا الشعب الكريم الذي يستحق حياة أعظم بكثير من حياته التي يحياها لكنه محجم متردد، وكأنه ألف تلك الحياة البائسة؟
1- أدركت أن التغيير والإصلاح له متطلبات عدة لا بد أن تتحقق أولاً على الأرض وبإرادة الشعب وعمله وبذله وتضحيته حتى تهبه السماء ما يصبو إليه من تنمية ورقي، وما يتطلع إليه من إصلاح وتغيير للأفضل ﴿.... وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)﴾ (محمد).
وهذا منسجم مع السنة الكونية والقانون الرباني.
﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ (الرعد: من الآية 11).
ويأتي الخطاب الديني الرشيد الحكيم على رأس متطلبات التغيير والإصلاح وعليه تُعقد الآمال، ومنذ فترة ألقيت محاضرة في هذا الموضوع حول (الخطاب الديني.. ضوابط ومعالم) نبهت خلالها إلى هذه الأمور وركزت الحديث حول الضوابط العامة لخطابنا المنشود حتى يحقق أهدافه التي نصبو إليها، فهو أحد الملامح الرئيسية لمشروعنا المبارك الذي يستهدف تربية المجتمع على قيم الإسلام ومبادئه.
ولا شك أنّ خطابنا يحتاج إلى تطوير وتحديث في الأساليب والوسائل، في المجالات والدوائر، حتى ننجح في إيصاله كافة شرائح المجتمع وإحداث الأثر وإنجاز الهدف وتحقيق المستهدفات، إبلاغًا عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
كم نحن في حاجة ملحة إلى تطوير خطابنا الديني حتى يكون تربويًّا يحقق إحداث الأثر في المجتمع، ولا يكتفي بمجرد إيصال الرسالة.
إن مهمة الدعاة اليوم لم تعد قاصرة على مجرد نشر القيم والمفاهيم الإسلامية فحسب بل تربية المجتمع عليها. ولا شك أن ذلك يتطلب من الدعاة تطويرًا في الأسلوب والوسيلة، في البرنامج والأداء.
تطوير الخطاب الديني ليكون خطابًا تربويًّا من شأنه إحداث الأثر وتحقيق الهدف، وأود أن نلقي الضوء على النقاط التالية:
ما الخطاب؟
الخِطَاب هو مُجمَل ما يصلنا من أفكارٍ أو تصوُّراتٍ أو آراء بكلِّ أشكال التعبير اللغويّ، مسموعًا أو مكتوبًا أو مرئيًّا، وبكلِّ وسائل التوصيل التقليديَّة أو المستحدثة، مباشرة أو غير مباشرة، سواءً كنَّا نتلقَّاها جماعةً أو فُرادَى، فهو الرسالة التي يحرص أصحابها على إيصالها للآخرين عبر وسائل الاتصال التي تعارف عليها البشر، سواء كانت تقليدية، أو مستحدثة.
ومن ثمَّ فالخطاب ليس كما يتخيَّل البعض أنه مجرَّد الخطابة التي نتلقَّاها في المساجد في صورة خطبةٍ، أو موعظةٍ، أو درسٍ، أو ما شابه ذلك.
أنواع الخطاب
تعددت أساليب الخطاب وتنوعت، وبرع الدعاة في بعضها ونأمل لهم التوفيق والإبداع في بقيتها.
ونستعرض هنا بعض أنواع الخطاب الدعوي.
أولاً: الخطاب الوعظي
هو لون من ألوان الخطاب الدعوى يتوجه إلى القلب ويثير المشاعر ويخاطب الوجدان، فهو خطاب العاطفة ويعتمد على أسلوب الترغيب والترهيب والثواب والعقاب والمصير والمآل، فهو خطاب القلب.
نعم هو خطاب مؤثر وكثير تأثيره، ولكنه لا يبقى كثيرًا، ويعجز هذا الخطاب- وحده- أن يرقى بالمدعو إلى تكوين إرادة وإيجاب الدعوة، فهو يقتصر على مخاطبة العاطفة وحدها. وتلك آفة أهل الشرق، عاطفيون بطبعهم، يتأثرون سريعًا، ويفقدون الحماس كذلك سريعًا، فهو تأثير مؤقت لا يلبث أن يزول بمرور الوقت.
ثانيًا: الخطاب الفكري
هو لون من ألوان الخطاب، الدعوي يتوجه أساسًا إلى العقل، ويثير التفكير ويخاطب وعي المدعو (الفرد والمجتمع)، فهو خطاب العقل.
ويعتمد على إقامة الحجة والبرهان ويورد الشواهد والأدلة والبراهين، ويعرض المكاسب والخسائر فهو خطاب مؤثر، وتأثير أطول عمرًا من تأثير الخطاب الوعظي، ومن شأنه إحداث قناعة لدى المدعو بصحة الرسالة لكنه لا يرقى بالمدعو إلى مرحلة "إرادة العمل".
فكثيرًا ما تقنع الإنسان بصحة أمر من الأمور، ويبدو مقتنعًا به ولكنه لا يندفع إلى العمل به، ويظل في حاجة إلى قوة دافعة تأخذ بيده إلى ميدان العمل وتشحذ همته وتقوي إرادته.
فأنت تدرك أن غالبية من ابتلوا بالتدخين لديهم قناعة بأن التدخين ضار جدًّا بالصحة والحياة عمومًا، ومع ذلك قليل منهم من توقف عن التدخين بل ربما كان المحذر من التدخين الناهي عنه مدخنًا (كحالة الطبيب المدخن والمعلم والأب ينصح بعدم التدخين ويبرز أضراره وهو يمسك بين أصابعه بالسيجارة).
ثالثًا: الخطاب الوعظي الفكري
هو لون من ألوان الخطاب الدعوي، يجمع بين الخطابين السابقين.
فهو خطاب لا يكتفي بالتوجه إلى القلب وحده، بل بخاطب القلب والعقل معًا، ويناجي الضمير والوعي، ويهتم بالمشاعر والعواطف كما يعتني بالتصورات والأفكار، يستنهض في الإنسان المدعو وعيه وفكره ويثير فيه مشاعره ووجدانه.
يحبب إليه الفكرة، ويقيم الأدلة على صحتها وجدارتها في البقاء. يلهب مشاعره ويسوق إليه الحجج والشواهد والأرقام والبيانات.
فهو خطاب القلب والعقل معًا.
ولا شك أنه خطاب يؤثر، وأن تأثيره أقوى وأطول، وأن له القدرة على إحداث القناعة وإيجاد الدوافع وتوليد الإرادة لدى المدعو.
وهذا الخطاب برع فيه كثيرٌ من الدعاة العاملين الموفقين، بيد أنه يفتقر إلى أمرين هامين:
الأمر الأول:
أن يتضمن هذا الخطاب الدعوي النماذج العملية والبرامج التطبيقية والمشروعات التنفيذية التي تحيل الفكرة إلى واقع قابل للتطبيق.
لست أعني من ذلك أن يذكر الداعي نماذج وصورًا تطبيقية لما يدعو إليه من فكرة، فهو أن فعل ذلك فقد استعمل الأدلة العقلية والشواهد الفكرية الدالة على صحة ما يدعو إليه وكثير منا يفعلون ذلك.
لكني أقصد أن يصاحب الخطاب الوعظي الفكري مشروع عملي، برنامج تطبيقي، يبين للمدعو (الفرد أو المجتمع) الوسائل والخطوات التنفيذية المطلوبة لتحقيق الهدف من الخطاب.
فبعد إيجاد القناعة وتوليد الدافع والإرادة يحتاج المدعو إلى أن ينخرط في مشروع عملي تطبيقي يتعلم من خلاله السلوك ويتقن الأداء.
مثال "غرس قيمة التكافل في المجتمع".
إذا أردنا أن نغرس قيمة التكافل في المجتمع فهذا يتطلب منا أن نستخدم من الأساليب الدعوية والوسائل والأنشطة ما يحقق للجمهور المتلقي القناعة الكافية لصحة هذه القيمة وجديتها في البقاء وأن يتولد لديهم الدافع والرغبة في تبني هذه القيمة، والرغبة في المشاركة واستشعار المسئولية عنها، ولا يكفي أن نورد على مسامعهم، ونضع تحت أبصارهم صورة تطبيقية ونموذج عملي،
بل ينبغي أن يصاحب خطابنا حول قيمة التكافل مشروع تطبيقي عملي يسمح للمدعو أن يمارس هذا القيمة ويعمل بها في نطاق المشروع العملي.
من ذلك: أن يصحب الخطاب الدعوي مشروع "كفالة اليتيم" أو "شنط الخير في رمضان"، أو "سداد مصروفات المدارس للأيتام والفقراء"، أو "بطانية لأخيك تقيه برد الشتاء"، وهكذا..
فكأن المشروع العملي يأتي كإجابة مفصلة على سؤال المدعو: كيف السبيل، وما العمل؟
الأمر الثاني:
أن يكون الخطاب الدعوي قادرًا على تخطي الصعاب والتغلب علي المعوقات، وتلا في العقبات على النحو الذي يضمن استمرارية المشروع، ويحافظ على ثماره.
ليس مطلوبًا من الدعاة أن يقتصر دورهم على مجرد الخطاب وبيانه، بل مطلوب منهم أن يتواصلوا مع جمهورهم (المدعو) حتى يسلكوا معهم سبيل العمل ويحققوا أهداف الخطاب الدعوى، وأن يتضمن الخطاب بيانًا بالمعوقات، وكيفية التغلب عليها، وذلك حين وجودها.
تلك نقاط خمس تشكل ملامح الخطاب الدعوي المنشود.
- أن يتوجه الخطاب إلى القلب ليأسره.
- أن يتوجه الخطاب إلى العقل ليقنعه.
- أن يكون الخطاب قادرًا على إيجاد القناعة وتوليد الإرادة وإيجاد الدافع.
- أن يتضمن الخطاب الدعوي النماذج العملية والبرامج التطبيقية والمشروعات التنفيذية التي تحيل الفكرة إلى واقع.
- أن يكون الخطاب قادرًا على الاستمرارية وتخطى الصعاب وتلافي العقبات.
تلك مقدمة هامة- أراها ضرورية- ونحن نراجع معًا الخطاب الديني، مدركين أهميته وضرورته في الإصلاح والتغيير، وعلاج أوجه القصور الحاد الذي أصاب قطاعات عديدة في حياتنا ومفاصلنا وتنذر بالخطر، وإذا أذن الله تعالى لنا وكان في العمر بقية أتناول معكم ضوابط الخطاب الديني ومعالمه.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد معلم الناس الخير.
-----------
* عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين في برلمان 2005م.