م. محمد كمال
قامت الليبرالية في أوروبا كحركة تحرر إنساني من عبودية غير مبررة لسلطة الكنيسة.. ولتجيب على أسئلة الإنسان الحائرة عن سبب وجوده في الحياة، ولتفجر مواهبه وتقدس وجوده، وفي سبيل ذلك خاضت حربًا ضروسًا ضدَّ السلطة الدينية المهيمنة، واستطاعت الانتصار عليها، بروح الرغبة في حياة كريمة، وبامتلاك العقل العلمي المتيقظ في مواجهة العقل الأسطوري المغيّب.. ثم دافعت عن وجودها في مواجهة الاستبداد وأرّخت- من جديد- لحضاره جديدة تعلي من شأن الإنسان بل وتجعله غاية الغايات.. هكذا أرادت.

وقامت الاشتراكية على يد ماركس وانتصرت ثورتها البلشفية (أي ثورة الأغلبية) سنة 1917م على أنقاض الرأسمالية (الليبرالية) المتوحشة!! هكذا أرادت.
وبدأت الليبرالية الغربية تعدل نفسها، فحاولت كفكفة غلواء الفوارق المعيشية الرهيبة التي حدثت بسبب إطلاق حرية الملكية وفتح آفاق الاستثمار للأفراد.. واعتمدت نظمًا تأمينية تضمن للفقراء حدودًا دنيا معقولة من الحياة، لئلا تدوسهم حركة المنافسة الحرة.
هنالك انتقلت الاشتراكية من روسيا إلى أوروبا نفسها؛ لتعبر عن عدم رضاها عما أنتجته الليبرالية من مجتمعات متناحرة شبه متواطئة على الضعفاء والمهمشين والعمال.
بل في عام 1901م دخلت الاشتراكية إلى أمريكا وكانت خليطًا من الاشتراكية الأوروبية مع قيم إلغاء العبودية مع أفكار اليوتوبيا.
هنالك اتجهت الليبرالية للاستفادة- أكثر- من النظم الاشتراكية، وحاولت الحكومات الغربية تقديم مشروعات شعبية كبرى، في إطار الصحة، والوظائف، والمعاشات.. إلخ.
حتى مع سقوط الشيوعية، انقسمت الليبرالية إلى أشكال نظرية متعددة كلها يبحث في التاريخ والتجربة لكي يقدم نظمًا أفضل للحياة.
وكانت الملاحظة المهمة.. أن الليبرالية الغربية في كلِّ أطوارها كانت ضدَّ الاستبداد وحربًا عليه.. ونجحت في ذلك.. أما الليبراليون أو العلمانيون.. العرب.. فقصة مختلفة تمامًا.
فقد أتت كحصيلة استسلام أبناء حضارة مهزومة! (وهم أبناؤنا) لعلماء حضارة منتصرة وهي حضارة الغرب.
ومن الغريب أنه لم يكن ثمة ما تحاربه هذه الأفكار في ديارنا لكي تحل محله.. فأوروبا قد استلهمت من عقول العلماء والفلاسفة ما يعينها على عقول الرهبان والباباوات.. فالصراع داخلي والمجتمع مأزوم.. ولا يملك الفريقان منهجًا فيصلاً يتحاكمون إليه في أزمتهم المستعرة المستحكمة..
أما بلادنا فقد كانت مأزومة فعلاً، تارة بالاحتلال، وتارة بالاستبداد..
وإذا كان الاحتلال قد انقضى أجله من أغلب بلادنا، فإن قصة الاستبداد لا تزال في أوج تصاعدها.. إذًا فالمتوقع أن تصطدم العلمانية بالنظم الاستبدادية.. أليس كذلك؟
وإذ تبحث عن جهد علماني في أي من ديار الإسلام في مواجهة الاستبداد فالنصيحة أن تكف عن البحث.. لأن المفاجأة التي ستواجهك أن العلمانية التي قامت- كما أسلفنا- ثورةً على الاستبداد وإعلاءً للإنسان في أوروبا.. قد استقرت في بلادنا لتصبح ظهيرًا للاستبداد، وانعقدت الصفقة التي أصبح 350 مليون عربي شاهدًا عليها. "أن تتوجه مدافع العلمانية ضدّ الفكرة الإسلامية المعادية للاستبداد" ولم يضع المثقفون الوقت وبدءوا عملهم الذي تركز في المحاور الآتية:-
1- استخدام إمكانيات الدولة لنشر فكر دنيوي يكسر طاقة المقاومة ويوجهها.
لمطالب ولذائذ آنية.
2- إفقاد الجماهير ثقتها في هويتها الإسلامية وتشكيكها في تاريخها.
3- تبني الأفكار المضادة للإسلام-بسائر توجهاتها- واعتبارها روح الأمل ونموذج التقدم.
4- استخدام الأقليات كورقة هدم للدين وكسر الإجماع الوطني وليس لنيل حقوقهم.
وأما عن المحور الأول (كسر المقاومة):
فالعلمانية في بلادنا مسئولة عن كلِّ الإبداعات الفنية والأدبية، فهي المهيمنة رسميَّا على منابرها.. ويكفيك أن تتابع السلاسل الأدبية والفكرية التي تصدرها هذه المنابر؛ لتتأكد أنها أبعد ما تكون عن مقاومة الاستبداد، بل وتكريس ثقافة (مواطن مسحوق أمام سلطة غاشمة)؛ إن السينما المصرية- مثلاً- باعتبارها أكثر الفنون التصاقًا بالجمهور وتأثيرًا فيه.. كانت- في مجموعها- فنًا للتسالي والإلهاء.. وكان نقدها للأنظمة يأتي بعد أفول عهدها.. انظر إلى نقد عهد ناصر في التعذيب ومراكز القوى، كيف أتى إرضاءً لما أسماه السادات ثورة التصحيح، وانظر إلى نقد الفئات السلطوية المتربحة من الفساد في عهد السادات، وكيف تم فتح ملفاتها بعد موته؟.. أما في عهد مبارك فلقد شاعت سينما (المواطن المسحوق) وإبراز ثنائية (السلطة- المواطن) باعتبارهما (الساحق- المسحوق) إيهامًا برفض الظلم، ولكن في الحقيقة هو تكريس لقبول الظلم باعتبار أن الشعب لا يملك أدوات مواجهة الاستبداد الذي يملك القوة، ويصعب أن تشير إلى إبداع مقاوم تبنته العلمانية الرسمية.
أما إذا انتقلت إلى الجانب الآخر من العالم وتنظر ماذا فعل فيلم (اللجوء إلى المنهج) مثلاً، للأديب الكوبي "اليخو كربنتيه"؟ الذي يعبِّر عن سينما المقاومة بإسقاط هيبة الديكتاتور وفضح معاونيه من الأكاديميين والحاشية المنافقة، للدرجة التي يقول فيها المؤلف: لقد عبرت شخصية (الرئيس) في روايتي عن عددٍ من الديكتاتوريين مثل "جوزمانوبلانكو" في فنزويلا، "استرادا كابريا" في جواتيمالا، "بور فرير دياز" في المكسيك.. إلخ"، وهكذا يعلن هو وصناع الفيلم وقفتهم ضدَّ كل المستبدين في بلادهم.
وتستطيع أن تعد في القرن العشرين أسماءً أدبية وفنية لامعة كلها أدَّت دورها في إعادة وعي الجماهير- طبقا لمنهجها الغربي- ستحترم الأديب "فانشورا" والمخرج (لازاروفا) التشكيين.
ستحترم الأديب (مالابارته) والمخرجه (ليليانا كافاني) الإيطاليين.
ستحترم جون (شتاينبك) والمخرج (جاري سينايز) الأمريكيين قديمًا، ومعهما المخرج "مايكل مور" حديثًا.
ستحترم (أنطونيو سكارميتا) والمخرج (مايكل رادفورد) البريطانيين.
وكذلك "تشيكوف" الروسي و"تولستوي" و"ديستويسكي" و..
وستعلم حين تطالع آدابهم كيف اقتربوا من شعوبهم وحملوا على الاستبداد والفساد، واستنهضوا الناس طبقا لهويات أوطانهم مع اختلاف أفكارهم.. واختلافنا معهم؟.
أما إنجازات الثقافة العربية فقد حطت رحالها عند "شعبان عبد الرحيم" و"خالد يوسف" و"يوسف معاطي" ووليمة الأعشاب البحرية، والزعيم!!.
المحور الثاني: زعزعة الثقة في الهوية الإسلامية والرموز الوطنية.
لم يختلف اثنان على أن استنهاض الإنسان لا يأتي إلا عبر التصاقه بهويته، وإيمانه بقيادته.. فالأولى تؤسس الدافع والثانية تنير الطريق.. وأوطاننا العربية هويتها إسلامية.. أما الغرور العلماني فأراد أن يخلق هويةً جديدةً.. فتارة يستلهم الحضارات الأولى للوطن مثل "الفرعونية" و"الفينيقية" و"الآشورية"..إلخ؛ وتارة يستلهم الإبداع الأخير للغرب والمصطلح عليه باسم" الحداثة"، والناس تتمزق في معامل التجارب العلمانية.. فالهوية هي التي تعطي طريقة التفكير، وتلهم بخطط التغيير.. فإلى أي هوية يذهبون بنا؟!.
عبَّر الشاعر والمفكر العلماني- المسلم!- (أدونيس) في لقائه التلفزيوني عن فحوى الخطاب العلماني في الهوية فقال:
""إن مشكلة الشرقيين وأصحاب الديانات التوحيدية أن أديانهم تجيبهم على كل أسئلتهم، وبالتالي تترك عقولهم راكدة لا تتساءل عن الكون وآفاقه فتتخلف، بخلاف العقلية الأوروبية التي نحّت الدين جانبًا وانطلقت تتفاعل مع الآفاق بعقلها فتقدمت"!!.. هذا عن رأيهم في جوهر الدين.. أما عن المظهر- الذي تدافع عنه كل شعوب الأرض- فعلينا في بلادنا أن ننتظر كلَّ ربيع حملةً على الحجاب والنقاب باعتبارهما: إذلالاً للمرأة وتغييبا لها عن التواصل الاجتماعي!.
وفي غضون ذلك فإن الحرية المزعومة التي تبشر بها الليبرالية في كلِّ العالم، أصبح محرومًا منها- فجأة- كلّ "مدني" يظهر "تدينًا" أو تمسكًا بمرجعية دينية.. ففي الوقت الذي قبلت فيه العلمانية الأوروبية أحزابًا ذات مرجعية دينية.. فإن العلمانية العربية تستعدي الأنظمة على أشخاص وأفكار مواطنيهم الإسلاميين، ثم انتقل العداء إلى أي أفكار معارضة مثل الناصرية الحديثة والحركات المستقلة.
المحور الثالث: تبني الأفكار المضادة للهوية.
ما كان أحد ليلتفت إلى انفلات باحث مثل د/ حسن حنفي عن صحيح الدين إلا حينما توجهت الأضواء الرسمية لتلميعه حتى أتى محاضرًا في مكتبة الإسكندرية في 7/ 2006م ليعلن سخريته من الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم)، ويتم تبني مقولاته الداعية إلى (الشيوعية الإسلامية)!! أو "اليسار الإسلامي"، ويُفسح له الطريق؛ ليحظى بجائزة الدولة التقديرية عام2009م، ومثله كان د. سيد القمني الذي يتهجم على كلِّ ما هو إسلامي ابتداءً من العقيدة وانتهاء بالتاريخ.. ليتم وصفه إعلاميًّا بالمفكر الإسلامي ويحظى بنفس الجائزة الرسمية.. حتى بعد ثبوت تزويره لدرجة الدكتوراه.
وتقديم هذه النماذج، كنماذج حرية بحث وتنظير ومحاولة غرس قيم الاجتهاد العلمي النزيه!!؛ ليصبح التهجم على الدين بحثًا علميًّا.. واستلهام مرجعيته رجعية حضارية.. هذه هي الرسالة.
لذلك تعج وسائل الإعلام العربية الآن بالشباب الجديد الذي يتنكر للدين بحثًا عن مكانه تحت الأضواء.. فلقد رسم العلمانيون الطريق وحددوا أماراته.
المحور الرابع: استقلال الأقليات:
أقليات العرق أو اللون أو الدين كانت دائمًا إحدى مشكلات العالم الحديث، وفي كلِّ العالم، فقد كانت محاولات حلِّ المشكلة عن طريق الحوار المجتمعي، وفقًا للمبادئ العامة الدستورية التي اتفق عليها المجتمع.. وليس ضربًا في الدستور أو هدمًا لشرائع الأمة .. خذ مثلاً أمريكا:
إذ يلخص لنا د. جراير ستفنسون في بحثه (مبادئ الديمقراطية)، ما حدث: (إن نصوص الدستور فيما يتعلق بحقِّ التصويت جعلته ينحصر في بداية الأمر في "البالغين من الرجال البيض".. وبحلول عام 1830م أصبح التصويت من حقِّ الجميع، وقبل الحرب الأهلية كان السود محرومين من التصويت، وما إن صمتت المدافع عام 1865م حتى تمَّت 3 تعديلات:
التعديل 13 عام 1860م ألغى الرق نهائيًّا.
التعديل 14 عام 1861م أقر الدستور مبدأ المواطنة للجميع.
التعديل 15 عام 1870م ألغى الأصل العرقي كمعيار للتمتع بحق التصويت.
ورغم هذه التعديلات فلم يكن التمتع بالحقوق- واقعيًّا- يساوي نصوص الدستور؛ حتى حُسمت المعركة عام 1915م على يد القضاء الذي أزال معوقات التمتع بالحقوق، ولما أخذ السود حقهم في الانتخابات العامة بحثوا عن حقهم في الانتخابات المحلية" وهي الأهم أمريكيًّا، ويأتي القضاء مرة أخرى لتفصل المحكمة العليا بصورة قاطعة عام 1944م لتضمن لهم حقوقهم.
أما النساء فلم تبدأ حركة منحهم حقهم في التصويت إلا في أربعينيات القرن التاسع عشر، ولم يكن القانون يحمي حقوقهم؛ ولذا تأخرت حقوقهم عن حقوق السود حتى أتى التعديل التاسع عشر الذي منحهن حقهن السياسي قبل انتخابات 1920م). بتصرف.
أردت بهذه الاستطرادة أن أنبه القارئ الكريم أن التطور الديمقراطي في أمريكا كان باتجاه زيادة الحريات (وتوسيع نطاق المشاركة) لأبناء الوطن (ووفقًا لمبادئه)؛ أما رجالنا العلمانيون فمنهج الإصلاح عندهم واضح، وهو إقصاء فئة عريضة من أبناء الوطن- وهم الإسلاميون- من حقوقهم، ومحاولة إهدار أصل مرجعية الوطن (المادة الثانية من الدستور) والإسهام في إحداث الوقيعة بين الأغلبية المسلمة وإخوانهم الأقباط، بزعم انتقاص حقوقهم، وأزعم أنه ليس بأيدينا دراسة جادة تظهر كيف ينتقص تطبيق الشريعة (بكاملها) من حقوق الأقباط..
وإنما العكس هو الصحيح، فالدراسات مرصوصة على أرفف كليات الشريعة والحقوق، مؤكدة ضمان كلِّ الحقوق لكلِّ مواطني الدولة الإسلامية من غير المسلمين.
أضف إلى ذلك تشجيع النعرة النوبية، وإبراز الطائفة البهائية، وتثبيت الضوء على المتشيعة.. وإفراد الصحف والبرامج لحرب طائفية يستدرج لها السُّذج من جميع الأطراف.. ولو كان السادة يريدون إقرار الحقوق لعقدوا موائد الحوار الرصين بين العلماء والسياسيين وأصحاب الحقوق، ولتقدَّموا بالمواد الدستورية والقانونية التي تكفل الحقوق، وسيكون الإسلاميون أول من يدافع عمن استلب حقه أو هضم بسبب جنسه أو لونه أو دينه.. أما المشاغبات الإعلامية فهي استغلال مقيت ولعب بالنار من أناس يزعمون الكفاح من أجل تقدُّم ورفاهية الوطن.. واستقراره!.
---------------