في ليلة رأس السنة الميلادية 2011م وقعت حادثة مرفوضة من كل وجه أمام كنيسة بالإسكندرية؛ حيث انفجرت سيارة وقتلت وأصابت عددًا كبيرًا من مرتادي الكنيسة والمارِّين بالشارع، فكل العزاء لأهل القتلى، والشفاء للمصابين.
ويهمني- بكل موضوعية وشفافية- أن نضع أيدينا على المتهم الحقيقي في تلك الحادثة التي نكرِّر رفضَها، ولا أستبعد متهمًا، ولكني أكتب بهدوء وعقل.
أولاً: حاول البعض الربط بينها وبين تهديد تنظيم قاعدة العراق، وهو اتهام له ما يبرِّره؛ من حيث سبق التهديد، لكن له ما ينقضه من حيث إن تنظيم القاعدة غير موجود بمصر، وأن الأمن المصري مخترِق لكل الجماعات الإسلامية؛ بحيث لم يعد موجودًا أي قدرة تنظيمية للجماعات، بخلاف التغيير الفكري الذي تمَّ بالمراجعات التي رفضت العنف، ولا يفوتنا الإشارة إلى أن ما فعله التنظيم بالعراق من تفجير لإحدى الكنائس رفضته كل الجماعات الإسلامية.
ثانيًا: حاول البعض أن يصيد في الماء العكر، ويحمِّل منظِّمي المظاهرات السلمية الاتهام، وهو اتهام يحمل قدرًا كبيرًا من التعسف وليِّ عنق الحقائق؛ فهؤلاء اختاروا الظهور العلني والطريق السلمي، مع علمهم بمخاطر ظهورهم، ولكنهم صمَّموا عليه؛ لأنه الطريق الحضاري للتعبير عن الرأي، ولم تقع منهم شبهة حادثة واحدة فيها احتكاك بالأمن أو مخالفة القانون؛ لذلك من المحال أن يلجأ من اختار الطريق السلمي إلى العنف، وهو الذي اختار طريقه بقناعة ويعلم أنه يحتاج إلى صبر.
ثالثًا: تحيط بمصر مؤامرات عديدة، والعدو الصهيوني متربِّص وهو قريب، حيث نجح في فصل جنوب السودان للمسيحيين، وفي تحقيقات الجاسوس في قضية الفخ الهندي تردَّد الحديث عن محاولة استغلاله لحالة الاحتقان الطائفي، وأعتقد أن الصهاينة يعتبرون المناخ مناسبًا جدًّا لخلق حالة فوضى في مصر بالتعاون بلا شك مع المخابرات الأمريكية التي تتبنَّى مؤامرة الفوضى الخلاَّقة، وتريد استغلال الوضع لترتيب شكل جديد للحكم في مصر، مستغلةً حالة الاحتقان السياسي والطائفي.
رابعًا: من المعلوم أن المسلمين هم أكثر الناس تضررًا من تلك الحوادث؛ حيث تمتد إليهم يد البطش سريعًا بالاعتقالات العشوائية التي تشمل المئات بل الآلاف، وتُستخدم ضدهم كل الطرق الخارجة عن القانون للبحث عن شخص أو شخصين إن صحَّ اتهامهم من بينهم، ويتم زيادة التضييق عليهم في حياتهم، بخلاف أن ذلك يزيد من الامتيازات التي تعطيها الدولة للمسيحيين لمحاولة استرضائهم، وذلك حدث في وقائع سابقة كثيرة معروفة لكل الشعب، وفي هذه النقطة يهمني التنبيه إلى أنه من حق الدولة التحري والبحث عن مرتكبي الجريمة بدقة وحسم، لكن من حق المواطنين أن يكون ذلك بدون تغوُّل وافتئات على حقوق المسلمين القانونية والإنسانية؛ لأن ذلك يزيد الاحتقان.
خامسًا: بالرجوع إلى الأحداث الأخيرة نجد ضعفًا واضحًا من الدولة في تطبيق القانون مع بعض المسيحيين، بدايةً من مشكلة احتجاز نساء بالكنائس، وعدم تقديم أي مبرر قانوني للاحتجاز، وعدم تدخل الدولة لفرض القانون والعدل، ثم تهجُّم أحد الرموز المسيحية على القرآن بدون حسم قانوني أيضًا، برغم علانية الواقعة أمام كل الشعب وتقديمي بلاغًا للنائب العام منذ شهور لم يتم التصرف فيه، ثم حادثة العمرانية الأخيرة التي تمَّ التعدي فيها على رموز الدولة من مبنى المحافظة وضباط الشرطة، ثم الإفراج السريع عن المتهمين بطريقة زادت أمام الناس من شكل ضعف الدولة أمام تغوُّل الكنيسة السياسي.
ويبقى أنه إذا ثبت أن تلك الحادثة المرفوضة تمَّت بيد شخص غاضب موتور من المصريين المسلمين فالقانون واضح أن الجريمة شخصية، لكني أعتقد أنه لا بد من توجيه تهمة التحريض لكل من الدولة، بضعفها عن تطبيق القانون على جميع المواطنين بدون تفرقة، وبعض قيادات الكنيسة لسعيهم الحثيث للتغوُّل على القانون وسلطة الدولة لتحقيق أهداف خاصة تضرُّ بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي.
ومع استنكاري للحادثة فإنه ما كان ينبغي أبدًا توجه المسيحيين للمسجد المقابل للكنيسة لحرقه؛ فالمسجد هو الذي علَّم المسلمين أن يحفظوا المسيحيين بالسلام والعدل، ولم يعرف في تاريخ الإسلام أية رسالة تهدف إلى إبادة غيرهم، كما حدث في الأندلس، بل القرآن يأمر المسلمين بالعدل والمعروف مع أهل الكتاب.
وأخيرًا.. إن مصر تحتاج إلى العدل، وأية دولة تفتقد العدل تختلُّ الحياة فيها وتنتشر الجريمة، فالظلم والفساد والتزوير وعدم تطبيق القانون بالعدل.. تهدِّد السلام في الدول، فالعدل أساس الملك.
--------