د. زكريا سليمان بيومي

 

بعد أن أصبحت صيحة الديمقراطية حلمًا يُراود الجميع أملاً في تحقيق قدرٍ أكبر من الحرية، وربما العدل الاجتماعي، تعلَّقت الآمال بها، وتغنَّى بها المثقفون وأنصاف وأرباع المثقفين وحتى الذين يعانون من الأمية.

 

والغريب في الأمر أنك إذا ما سألت أيًّا من هؤلاء جميعًا عن طبيعة الديمقراطية التي يتمناها ومعناها وكيفية تطبيقها وغير ذلك؛ يفرُّ منك إلى معنًى بالٍ كانوا يطرحونه في كتب الصغار قديمًا، وهي أنها حكم الشعب بالشعب للشعب دون أن يعرفوا ما المقصود بالشعب عند مَن عرَّفوها، وهم اليونانيون القدامى.

 

ولم يراعِ أي من هؤلاء قدر التغير الذي لازم تطورها أو يلازم تطبيقها في بلاد العالم حتى في بلدان أوروبا المتجاورة.

 

أما في مصر فما زلنا نشاهد تقعر المُنظرِّين الأكابر بسوء قصدٍ أو سوء فهم ووعي أو تزلف أو جهل أحيانًا؛ ليرجعوها إلى زمن الحملة الفرنسية، حين أسس نابليون الديوان الذي جمع فيه بعض كبار العلماء والأعيان بذريعة مشاورتهم في أحوال البلاد.

 

والذين يروُّجون لهذا لا يدرون مدلولاته الخطيرة على البناء الثقافي لبلادنا، فالديوان لم يجمع سوى تسعة من العلماء كان أغلبهم قد حضر رغمًا عنه، وبعضهم الآخر خشي على مصالحه من شرِّ نابليون، ثم إن الهدف هو تبصير نابليون بكيفية الهيمنة على البلاد وفرض سيطرته عليها، وهذا شبيه بحكومة "فيشي" التي أقامها الألمان في فرنسا بعد احتلالهم لها في الحرب العالمية الثانية.

 

كما أن طرح مثل هذا الأمر يقصد به تجميل صورة فرنسا وإظهار فضائلها دون توضيح دورها العدواني الكاره لبلادنا وأمتنا العربية والإسلامية.

 

ويستطرد مُنظِّرونا الأكابر في حلقات الفضائيات في ذكر مجلس شورى القوانين الذي أسسه الخديوي إسماعيل؛ كي يكون وسيلته للتقرب إلى الغرب بعد أن كثُرت ديونه.

 

فحاول أن يطمئن الغرب بمجلس ظاهره الانتخاب وحقيقته التعيين، فأعضاؤه من كبار الملاك، أما صغارهم أو من أعلن إفلاسه منهم فلا يجوز له التواجد، وصدرت الأوامر السامية لعُمد القرى وحكام الأقاليم بمن تمَّ اختيارهم قبل مسرحية الانتخاب.

 

وبعد أن تم المجلس كان إسماعيل يحدد لأعضائه مكان الجلوس وأيام الإجازات وأيام الحضور، وفوق هذا وذاك كانوا في أغلبهم من عناصر ذات أصول أجنبية وليسوا من المصريين، فأين الديمقراطية؟!

 

وحين وقعت مصر تحت الاحتلال البريطاني، وسعى كرومر لإنشاء الأحزاب السياسية؛ سعيًا منه لتمزيق صفوف الحركة الوطنية الناشئة، بدأت الأحزاب بدايةً مقلوبةً ومغايرةً للنشأة الصحيحة للأحزاب السياسية.

 

فالأحزاب في حقيقتها هي مجموعة من الواعين والمثقفين الذين تفرزهم القوى أو القواعد الشعبية، وتختار هذه المجموعة من بينها زعيمًا، ثم تؤسس لنفسها صحيفة تُعبِّر من خلالها عن قضاياها وطموحاتها، أي أن الأصل يتمثل في قاعدة شعبية تفرز حزبًا والحزب يختار زعيمًا ويؤسس صحيفة.

 

أما في مصر فبدأت المسألة الحزبية بالصحيفة، ثم بالزعيم الذي يبحث من خلال صحيفته عن قاعدة شعبية تؤازره وتضفي عليه مصداقية المشاركة السياسية.

 

فظهور مصطفى كامل ومحمد فريد ارتبط بصحيفة (اللواء)، ثم سعوا وأسسوا الحزب الوطني، وظهور جريدة (المؤيد)، والشيخ علي يوسف سبق إعلانه عن حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية، وظهور أحمد لطفي السيد ورفاقه من أصحاب الثقافة الغربية ارتبط بصحيفة (الأمة) وظهور حزب الأمة؛ أي أن الأمر بدأ بصحيفة ثم بزعيم يبحث عن قاعدة وليس قاعدة تفرز زعيمًا، وبدا الفرق واضحًا بين مصطلح الأحزاب الصحفية والصحف الحزبية.

 

وظلت الحياة الحزبية في مصر حتى الآن على هذا البعد المقلوب، فعلى الرغم من وجود ما يزيد عن 20 حزبًا، إلا أن أيًّا منها لا يستند إلى قاعدة شعبية، فالعبارة هو تجمع مجموعة من المثقفين أو أصحاب المصالح من الأثرياء، يتقدمون لتأسيس حزب، ثم بعد ذلك يحاولون إضفاء قدرٍ من الشرعية عليه؛ لرغبتهم في المشاركة السياسية وتحقيق مصالحهم الخاصة، فيسعون لتسول قاعدة شعبية تحقق لهم ذلك.

 

كما أن لعبة الديمقراطية تحدد أن هناك فصلاً بين السلطات الثلاثة التنفيذية والتشريعية والقضائية؛ لكن المتابع لما يجري يُدرك أن هناك خلطًا واضحًا بعد أن جمع البعض بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية؛ فكيف سيكون هؤلاء رقباء على السلطة التنفيذية؟
والتقارير الصحفية والتليفزيونية التي تُجرى مع أغلب الناس أيام الانتخابات تشير إلى أن مطالب الناخبين من النواب تتركز حول قضاء المصالح التي تتركز في يد السلطة التنفيذية، وهذا يعني أن نواب السلطة التشريعية لا بد أن يتحولوا من رقباء للصالح العام إلى متوسلين من أجل مصالح الناس ومصالحهم أيضًا، وهذا يعني أن الوزير النائب أقوى صوتًا من النائب فقط.

 

ولعل ذلك يشير إلى جهل الناس بالديمقراطية، وهو ما يطلق عليه الأمية السياسية، فهل يمكن مواصلة التطبيق للديمقراطية وسط هذه الأمية؟

 

وفوق كل هذا فإن الحرية التي تكفلها الديمقراطية للفقير تتركز فقط في أنه مجرد أداة تدلي بصوتها الحر لصالح أحد الأثرياء، فالفقير لا يملك أن يكون من صناع القرار يومًا، فالتكاليف التي كانت معلنة، والتي على المرشح ألا يتجاوزها، هي 4 ملايين جنيه، والتي لم يلتزم بها أحد.. والأثرياء أحق بأموالهم أن يتصدروا العمل العام، وهذا يفتح الطريق للبحث عن الثراء بكل الوسائل، ويبقي الفقير مهما كان علمه أو ثقافته وقدره ليستجدي قدرًا محدودًا من حقِّه في كل مرحلة انتخابية.

 

وديمقراطية الأغنياء هذه هي لعبة في يد مجموعة محدودة من الرأسماليين حتى يمكن السيطرة على العالم من خلال كبارهم ووفق لعبة المصالح التي يحكمها أكبر هؤلاء الكبار، فهل نحن مدركون؟

------------------

* أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة المنصورة