نشرت جريدة "الدستور" يوم الجمعة 24/12/2010م خبرًا في صفحتها الأولى تحت عنوان "مرشد الإخوان يلتقي وزير الداخلية السوداني سرًّا بأحد مطاعم القاهرة"، وجاء في متن الخبر ما نصه: "في سرية تامة اجتمع محمد بديع، مرشد الإخوان المسلمين، مع إبراهيم محمود حامد، وزير الداخلية السوداني، بأحد المطاعم النيلية منذ أيام؛ حيث لم يتعدَّ اللقاء دقائق تحدَّثا فيها بصورة سريعة ثم غادرا المكان على مرحلتين؛ حيث غادر الوزير السوداني المطعم، ثم أعقبه خروج المرشد بدقائق معدودة..

 

أثار اللقاء حفيظة العاملين بالمطعم القريب من مكتب إرشاد الجماعة؛ حيث تساءلوا عن سبب العلاقة بين المرشد والحكومة السودانية، خاصةً أن الاستفتاء في جنوب السودان اقترب ويشهد حركةً سياسيةً من جميع الأطراف".

 

وقبل الخوض في تفاصيل الخبر وتداعياته وبيان الرأي فيه، أودُّ أن أعرض بعض الملاحظات السريعة على هذا الخبر:

1- لقد انفردت جريدة "الدستور" وحدها- من دون جميع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة- بهذا الخبر، وهذا لا يعدُّ انفرادًا صحفيًّا بكل المقاييس؛ لأنه محض افتراء واختلاق، وللأسف له تداعياته التي لا يمكن تجاهلها.

 

2- جريدة يومية ومفترض أنها مستقلة عندما تنشر مثل هذا الخبر وفي صفحتها الأولى؛ من المفترض مهنيًّا وأخلاقيًّا أن تكون قد تأكدت من صحة هذا الخبر من مصدريه أو على الأقل مصدر واحد قبل نشره بهذه الصورة.

 

3- مدى الوعي السياسي والإعلامي الكبير الذي يتحلَّى به العاملون بالمطعم، وتساؤلهم عن العلاقة بين المرشد العام والوزير السوداني، وربط ذلك باستفتاء جنوب السودان (يلاحظ معرفتهم بشخصية الوزير السوداني ومتابعتهم للحركة السياسية الدولية ومواعيد استحقاقاتها)، وهو ما يثير الشبهات حول كاتب الخبر ومدى مصداقيته!.

 

4- يوحي هذا الخبر بمدى عمق الانتشار الواسع لصحفيِّي الدستور الجدد، واتساع دائرة مصادرهم الصحفية والمعلوماتية، ورصدهم لتحركات أشخاص بقدر وقيمة المرشد العام ووزير الداخلية السوداني، الرسمية وغير الرسمية، والذي يثير تساؤلاً حول مدى علاقتهم بأجهزة بعينها تمدُّهم بهذه الأخبار، إذا أحسنَّا الظن بهم وبرَّأناهم من اختلاق الخبر من أساسه.

 

5- لم ينقل هذا الخبر أو يهتم به أي أحد من المهتمين بالإعلام أو السياسة، بالرغم من أهميته وخطورته إذا صح، وهذا دليلٌ واضحٌ على عدم ثقتهم في الخبر وناشره.
وأود تأكيد عدة نقاط فيما سبق:

1- هذا الكلام مكذوبٌ ولا أساس له من الصحة، وأنه محض كذب وافتراء جملةً وتفصيلاً.

2- أي لقاء لفضيلة المرشد العام مع أي شخصية عامة يتم الإعلان عنه في موقعنا (إخوان أون لاين) وفي كل الوسائل الإعلامية الأخرى، فنحن نتحرك بكل وضوح وشفافية، ولا يوجد لدينا ما نخفيه.

3- مثل هذه الأخبار التي تمس شخصيات رسمية وعامة، كوزير الداخلية السوداني والمرشد العام للإخوان المسلمين، يتعدَّى تأثيرها مجرد الجريدة ومحرِّريها ليشمل الدول وعلاقاتها بعضها بعضًا.

4- وإننا نربأ بجريدة مثل "الدستور" أن تسقط هذه السقطة المهنية الكبيرة، وكان لزامًا عليها أن تستوثق من الأخبار قبل نشرها من مصادرها المعلومة للجميع، ولهم بصفة خاصة.

5- كان لزامًا على الجريدة أن تنشر الرد والتكذيب المرسَل إليها في نفس المكان بالصفحة الأولى وبنفس البنط كما يقرِّر القانون، وهو ما لم يتم، حتى كتابة هذه السطور، برغم إرساله وتبليغه بأكثر من وسيلة منذ يوم النشر؛ ما يثير التساؤلات والشبهات حول الجريدة وتوجهاتها الجديدة، ومدى التزامها بالآداب والأخلاق والقيم المهنية، وبالقانون، وبخاصةٍ المادة 24 من القانون 96 لسنة 1996م، والتي تنص على: "يجب على رئيس التحرير أو المحرر المسئول أن ينشر بناءً على طلب ذي الشأن تصحيح ما ورد ذكره من الوقائع أو سبق نشره من تصريحات في الصحف في غضون الثلاثة الأيام التالية لاستلامه التصحيح، أو في أول عدد يظهر من الصحيفة بجميع طبعاتها؛ أيهما يقع أولاً، وبما يتفق مع مواعيد طبع الصحيفة، ويجب أن يكون النشر في نفس المكان وبنفس الحروف التي نُشر بها المقال أو الخبر أو المادة الصحفية المطلوب تصحيحها.."

 

وهنا تبرز العديد من الأسئلة التي تبحث عن إجابة:

- من المسئول عن تدنِّي المستوى الأخلاقي والمهني في بلاط صاحبة الجلالة؟

 

- هل نشر خبر عن شخصيات عامة ومسئولة في صحيفة يومية بهذه السهولة وبلا تحقق من المصادر؟

 

- رفض حق الرد مكفول بقوة القانون.. ألا يعدُّ حلقة في سلسلة انتهاك القانون التي تفشَّت في مجتمعنا؟!

 

- هل هذا الخبر وتداعياته يندرجان تحت مظلة حرية الرأي والتعبير أم الكذب والتضليل والتشهير؟!

 

- وهل لو لجأ المتضرر للقضاء وحصل على حكم نهائي ستصدر أصوات تطالب بالتصالح وعدم  حبس الصحفيين؟

 

- إننا جميعًا نطالب بعدم حبس الصحفيين، ونؤكده وندعمه، ولكن.. أليس هناك حدود وضوابط تحمي المجتمع والشخصيات العامة من الكذب والتدليس وعبث العابثين؟

 

- وأين المطالبون بحرية الصحافة والصحفيين وحصانتهم من النَّيل من شخصيات عامة، ولها قدرها، وعدم تمكينها من الرد المكفول قانونًا، وماذا يحدث مع الشخصيات العادية إذًا؟!

 

- وهل اعتبار هذا التجاوز جزءًا منفصلاً عما تشهده الساحة الإعلامية من تقييد وغلق لمؤسسات إعلامية أم أنه حلقة في سلسلة من تأميم الإعلام وتشويه مصر ورموزها وإخضاع بعض وسائل الإعلام للنظام؟!

 

رحم الله الصحافة الحرة والنزيهة والمهنية، ورحم أهلها وأساتذتها الكرام.

--------

* المنسق الإعلامي للمرشد العام.