م. محمد كمال

 

حضرت العلمانية إلى ديار المسلمين وكلها يقين بأنها "الحل"، وعاد العلمانيون من بعثاتهم الأوروبية حاملين مشاعل النهضة، ومفاتيح التقدم، ونصّبوا من أنفسهم حكامًا على التاريخ وعلى الحاضر والمستقبل، بكلِّ حماسه وثورية جاءوا.. وبكلِّ إصرار وتجاوز لحقائق الواقع عملوا.

 

وتصوروا أن الوطن الرازح تحت نير المستعمر، أو الآخر المتخلف ينتظر (أي) يد ممدودة تنتشله من الوهدة إلى النهضة، فقدموا أيديهم، ولكن بشروطهم، وكانت الصدمة الحقيقية حين استغربهم الناس ورفضوا السير في ركابهم.. وأدركوا أن ثمة غائبًا حضر.. ذلك هو الإسلام.. الذي ظل للناس دينًا ومهيمنًا على سلوكهم، يعيشون حياتهم عليه ويعلمون إذا بعدوا عنه أنهم عصاة.. وإذا اقتربوا منه أنهم هداة.

 

أدرك أصحابنا العلمانيون أنهم في مفترق طرق وكان لهم أحد خيارين:

الأول: هو التصادم الصريح بالإسلام وإظهار فشله كفكرة يمكن أن تحكم الشعوب.

 

الثاني: إظهار قواعد مشتركة بين الإسلام والعلمانية صبًّا في مصلحة العلمانية وانحيازًا لها، وإيهامًا بأن العلمانية لا تصطدم بالدين.

 

أما عن الخيار الأول (الصدام مع الإسلام):

فقد انتهى إلى فشل ذريع، أدركوه مع تجارب (العراق وسوريا ومصر) أو في مصر وشمال إفريقيا.

 

لقد كان الشيوعيون الأوائل، صادقين مع الناس، إذ أظهروا "دعوة الإلحاد" بجوار الدفاع عن حقوق العمال والفقراء، واستنهضوا الناس ضدَّ كلِّ ما يجرهم إلى الخلف، وكان أهم ما يجرهم إلى الخلف هو الدين والاستبداد.. هكذا!!.

 

وتحمل الشيوعيون في ذلك ما تحملوا من استنكار شعبي وحكومي- رغم انجذاب شريحة المتعلمين والعمال لهم- وصمدوا وحوَّلوا مجهودهم إلى الكتابة والفكر.. وهما أبقى.. ورغم أنهم استطاعوا إحراز زخم سياسي وفكري، بل وسلطوي... إلا أنهم اصطدموا بمواجهات فكرية غير منظمة من علماء ومجتهدين مسلمين رفضوا هذه المنهجية.. وما هي إلا أن بدأ الرفض يشمل جميع أجواء الوطن.. وتطور ليصبح محاكمة شعبية ورسمية على كلِّ مَن يقترب من الدين ورموزه بتجريح، وأصبح المقبول مناقشته في القرون الأولى للإسلام، محظورًا اليوم.. بسبب الشك الذي أصبح حاجرًا وفرق الأمة إلى علمانيين وإسلاميين.

 

وتجربة الشيخ على عبد الرازق في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" الذي كتبه، وهو شاب لم يتجاوز الثلاثين سنة 1925م، في صفحات لا تتجاوز 123 صفحةً، قد أعلنت عن هذا الصدام الفكري، فالشيخ صدم المجتمع بتجريد الإسلام من شموليته، واعتبر أن الحكم والخلافة ليسا من اهتمامات الدين ولا نظمه..

 

وبعده فجر د. طه حسين لغمًا آخر بكتابه "في الشعر الجاهلي" الذي ذكر عبارات صريحة تجرح في صريح القرآن وتتهمه بمنافقة اليهود، كما أهان شخص النبي (صلى الله عليه وسلم)، والغريب أن الباحثين المحققين اختلفوا هل سرق د. طه حسين أفكاره عن الشعر الجاهلي من المستشرق الفرنسي "أرنست رينان" أم المستشرق الإنجليزي "صمويل مرجليوث"*.

 

ثم ضرب د. طه حسين المجتمع المسلم بقذيفة جديدة سنة 1939م بكتابه "مستقبل الثقافة في مصر"، وطرح فيه المنهج الوحيد للإصلاح، وهو ترك كل ما يأتينا من الشرق (والإسلام جزء منه) والانسياق تمامًا صوب الأخذ بالحضارة الغربية.

 

أما المفكر الكبير الراحل خالد محمد خالد فقد كتب كتابه "من هنا نبدأ" عام 1950م يصطدم فيه مع شمولية الإسلام، ويكرر فكرة الشيخ علي عبد الرازق.

 

هذه النماذج لم تكن وحيدة ولكنها الأشهر، ومن هنا كانت المواجهات الفكرية رائعة، ونهض المفكرون المدافعون عن شمولية الإسلام، وكأنما كان لازمًا أن يستفزهم العلمانيون.. فرأينا د. محمد البهي وزير الأوقاف الأسبق يتقاعد ويتفرغ للرد على خصوم الإسلام (اشتراكية وليبرالية)، ثم تتالت الأقلام القوية من داخل الأزهر ومن جمعيات أنصار السنة والشبان المسلمين والإخوان المسلمين.

 

ولم يكن هينًا على العلمانية العربية أن تنتهي- في الأغلب- الاجتهادات المتصادمة مع الإسلام إلى تعديل الرؤى والاعتراف بالخطأ.

 

فهذا عالمنا الفذ د. محمد عمارة يذكر في كتابه (الإسلام في مواجهة العلمانية) كيف أنه تحقق من وجود كتاب للشيخ علي عبد الرازق يرجع فيه عن آرائه ويقرُّ بشمولية الإسلام.. ولكن الكتاب لم يُطبَع!! وما زال كتابه الأول محل الاحتفاء من العلمانية الرسمية.. وذكر د. عمارة أيضًا رجوع د. طه حسين عما كتبه في كتابيه المذكورين، وذلك حين سئل عن مدى تمسكه بما كتبه فقال (ده كلام قُدم أوي).. ثم انتهى مفكرنا الكبير خالد محمد خالد إلى الرجوع الكامل عما كتبه في كتابه المذكور، وأصدر كتابه الرائع (الدولة في الإسلام) سنة1981م، ليؤكد من جديد شمولية الإسلام.

 

أما بروز أئمة للهدى كالشعراوي والغزالي والقرضاوي وعبد الحليم محمود وشلتوت وغيرهم كثيرون.. فكان حاجزًا قويًّا تطور؛ ليصبح سدًّا منيعًا مع الصحوة الإسلامية وصحافتها ومفكريها.. (راجع بحث الدكتور إبراهيم عوض (نظرية طه حسين في الشعر الجاهلي سرقة أم ملكية صحيحة؟!).

 

الخيار الثاني: قواعد مشتركة مع الإسلام:

الهزيمة الساحقة لم تفت في عضد العلمانية، ولكنهم تحولوا إلى خيار ثانٍ مفاده "إظهار قواسم مشتركة معتبرة بين العلمانية والإسلام"، بل تدربوا على الاستدلال بالنصوص.. ولكن الفلسفة كانت بسيطة وخطيرة وهي: "ما دامت العلمانية متفقة مع الإسلام.. فهيا إلى العلمانية!!"، وليس- طبعًا- هيا إلى الإسلام.. وهنا وقعت المواجهة الثانية.. وذلك بظهور علامتين في غاية الأهمية: الأولى: اصطفاف علمي أوجد معسكرين متمايزين، أحدهما علماني والآخر إسلامي، ولكل منهما مدرسته ورجاله، والثانية: ذلك التغيير الاجتماعي الملموس الذي أحدثته دعوة الإخوان المسلمين.. فاستوعبت أفكار النهضة والتجديد، فوجدت أفكار "الأفغاني" في النهضة مع أفكار "محمد عبده" في التربية وإعادة صياغة الأمة والرصانة السلفية "لمحمد رشيد رضا"، بالإضافة إلى العلماء المستنيرين.. وكان أهم ما قدمه الإخوان- في إطار موضوعنا- هو تحويل النظرية الإسلامية إلى واقع ملموس، ما أكد للفرقاء جميعًا أن الإسلام ليس وحيًا رفيعًا مكانه الصدور والمحاريب فقط.. وإنما لديه القدرة الكاملة على إنشاء فرد ومؤسسة وأمة قادرة على مواجهة الحياة بكلِّ أشكالها طبقا للمنهجية الإسلامية.. وليس هذا من اختراعنا، إذ يكفيك أن تستمع لكلمة د. عمارة واصفًا الإخوان في هذه المرحلة قائلاً: "إن الإخوان بتأثيرها الاجتماعي والسياسي، وتقديمها لفكرة الإسلام الخالصة، ومواجهتها للأفكار الدخيلة على الأمة، لم تعد أهم جماعة أهلية في مصر ولا في الوطن العربي فقط، بل أهم جماعة أهلية في العالم.. إن جماعة الإخوان كنز ينبغي على الأمة شعوبًا وحكومات أن ترعاه".

 

وهكذا تواجه الأمة بمحاولتين علمانيتين، وتواجههما الأمة تارة بالأزهر وتارة بالإخوان ومعهما في كلِّ الأحوال وفرة من المجتهدين.

 

الخيار الثالث: تجديد الخطاب الديني:

فشل الخياران كما رأيت.. ولما كانت العلمانية لها سند يظاهرها من الغرب، دفعت إلينا- من جديد- بفلذات أكبادها.. فكانت الحرب الثالثة أو كان الاختيار الحالي الذي أطلقوا عليه (تجديد الخطاب الديني).

 

والمحاولة ليست جديدة ولكنها ظهرت على استحياء من قبل، وأنت ترى مؤشرًا لها في كتاب (نحو ثورة في الفكر الديني) الذي أصدرته مكتبة الأسرة حديثًا رغم صدوره أول مرة في العهد الناصري، رغم الخوف الذي سيطر على كاتبه، ومحاولته إظهار شجاعة لا يوازيها عمقًا في الطرح.

 

وهذه الهجمة الثالثة تستطيع- بصعوبة- أن تحدد محاور الخطاب العلماني فيها وهي:

1- إعادة تفسير القرآن بما يضع ظروف العصر في الاعتبار، وعدم الاعتماد على (أسباب النزول) كمفسر لمقاصد الشارع سبحانه وتعالى.

 

2- إعادة وضع فقه جديد يقدِّم "المصالح" على غيرها من مصادر التشريع: كالقرآن والسنة والاجتهاد والقياس وعمل أهل المدينة وخلافه.

 

3- إخضاع كلِّ (النصوص) للقياس العقلي والنظري حتى لو كانت قرآنًا أو حديثًا صحيحًا.

 

وهناك فروع كثيرة على هذه الأصول لا مجال للتعرض لها الآن.

 

ونحن- الآن- نعيش هذه المرحلة، ويستفيد فيه العلمانيون من إشكالية تراجع الأمة ودعوة المصلحين إلى "تجديد نهضتها" و"تحديث بلدانها" فأدخلوا مصطلحًا جديدًا وهو (تجديد الخطاب الديني).

 

أما البسطاء وبعض الإسلاميين فلم يصدمهم الطرح؛ لأن الجميع يرى تخلفًا في الدعوة إلى الإسلام، وعدم قيام أئمة الدين، أو حكام المسلمين بدورهم، وعدم استخدام آليات التكنولوجيا والحداثة لتقديم دعوة الإسلام.. وتيسير الإسلام وترجمته.. إلخ.. وظن الطيبون من أبناء أمتنا أن هذا ما يريده العلمانيون، لذلك نرى أن المصطلح شاع على ألسنة جميع الفرقاء، شيوعي ويميني وإسلامي ولا ديني.. أما حقيقة المصطلح فتكمن في المحاور الثلاثة التي أسلفنا ذكرها.

 

ويستخدم العلمانيون إحداث حالة التباس متعمَّد حين يزجون بأسماء ثقيلة في وزن شيخ الإسلام محمد عبده، متصيدين له فتوى من هنا أو تصريحًا هنالك، ليضعوه في إطار التنويريين!، ليثبتوا أن دعوتهم ليست حربًا على الإسلام وإنما هي استنهاض للأمة يشاركهم فيه الكبار من علماء الدين.. والمعلوم- قطعيًّا- أن مولانا محمد عبده كانت دعوته هي إحياء الاجتهاد والاستفادة من ميراث العلم، بشرط ألا يكون حائلاً في التعامل مع النصوص المقدسة قرآنًا وسنة؛ لئلا يتحير المؤمن من كثرة الآراء، ولكي يجد الحاكم والقاضي المسلم فقهًا سهل المأخذ.. وهذه الدعوة هي التي طورها الشيخ الغزالي بعد ذلك بفكرة توجيه الاجتهاد إلى المشكلات المعاصرة والاكتفاء في مسائل العبادة بما ورثناه وعدم إشغال العلماء به إلا في وجه التبسيط والتيسير.

 

وفي إطار إلباس الباطل ثوب الحق.. كانت الهجمة على كتابات أ/ سيد قطب، إذ من المفيد أن نذكر أهم ما تركه أ/ سيد هو قضية (التميز المنهجي الإسلامي)، وهو الذي صاغ النصوص المقدسة في إطار نظرية ورؤية وفلسفة يمكن أن يتناولها جميع الناس في كلِّ الأرض، ولذلك فإن المؤتمر المنعقد في تركيا منذ عامين ولمدة 3 أيام متواصلة حول (فكر سيد قطب)، والذي شارك فيه عشرات العلماء من كلِّ أنحاء العالم.. قد نبه إلى ريادة أ/ سيد في قضية تقديم الإسلام (كمنهج إنساني عالمي تغييري واقعي).. ومن هنا كانت محاولات العلمانية لحصار ميراث أ/ سيد في بعض أفكاره التي نشأت في السجن حول (جاهلية المجتمعات)، واستتبع ذلك أن بعض الإسلاميين سارع بإظهار خلافه مع أ/ سيد، ولو تريثوا وقرأوه كاملاً لعلموا أنه من المجحف للأمة، أن تحصد ميراث (التميز المنهجي) في بعض المواقف التي اختلف عليها من حضرها وسمعنا شهادات الجميع عليها ثم انتهت.

 

كانت هذه الاستطرادة لازمة.. حتى يعلم الإسلاميون أن المطلوب الحقيقي هو (تجويد) الخطاب الديني.. ذلك لأن الإسلام يفصح عن نفسه بسهولة ويسر.. وكل منصف يعلم أنه دين حياة وتشريع، كما أنه دين آخرة وحساب..

 

ولذلك فإن الإسلاميين- في معركتهم الفكرية- مطالبون بتجديد المصطلحات وعدم الانجرار وراء كلمات غامضة، ثم ترديدها وفق تفاسير طيبة ساذجة، في حين أن خصوم المنهج يريدون- واقعيًّا- تفجير المنهج من داخله.

 

هكذا أردت هنا أن أوضح المناهج العلمانية، أما الرد عليها فهو معركتنا الطويلة.

 

إن اجتهاد العلماء وبلاغة الخطباء وإبداعات المؤمنين هي أسلحتنا في معركتنا.

 

إن استعادة الأزهر لمكانته، واستفاقة العلماء، وتجديد آليات توصيل الرسالة هي سندنا في معركتنا.. أما الدين فجديد وحيّ وغضُّ.. يسير وواضح.