- د. عزة كريم: النظام يرفض الأبحاث العلمية؛ خوفًا من فضح انتهاكات السجون
- العميد محمود القطري: نقل التبعية حلٌّ مؤقت والأفضل إنشاء هيئة مستقلة
- طارق خاطر: الداخلية تحقق مكاسب كبيرةً من قبضتها على السجون!!
- أبو بركة: السجون إحدى أدوات النظام الاستبدادية لإرهاب الشعب وتركيعه
تحقيق: إيمان إسماعيل
المطالب تتزايد بنقل الإشراف على السجون من وزارة الداخلية إلى السلطة القضائية، متمثلة في وزارة العدل أو غيرها، في الوقت نفسه تشدد الداخلية على الرفض القاطع للفكرة؛ ما فسره مراقبون بأنه دفاع الداخلية عن "حقها" في انتهاك كرامة المسجونين!.
وفي دراسة أجراها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية حول حقوق المسجونين في السجون المصرية في ظلِّ الاتفاقيات المصرية والنظام العقابي في مصر، انتقدت القانون رقم 396 لسنة 1956م، المنظم العمل داخل السجون المصرية، والذي لا يحفظ للمسجون كرامته بتعرضه للإيذاء والتعذيب البدني والمعنوي، وعدم توفير الرعاية الصحية الكاملة له، وهو ما يُعدُّ مخالفًا لنصِّ الدستور الذي حرص على معاملة المسجون بما يحفظ كرامته، ولا يجوز إيذائه ماديًّا أو معنويًّا.
(إخوان أون لاين) عرض القضية على الخبراء والمتخصصين، في سطور التحقيق التالي:
بطش النظام
توضح الدكتورة عزة كريم أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن المركز قام بأكثر من دراسة في ذلك الجانب، واكتشف مشاكل جسيمة تحدث بحق المسجونين، وهي في كثير من الأحيان تفقدهم حقَّهم القانوني في الشكوى، وإمكانية الحياة بأمان داخل السجون.
وتضيف: أن السجن يعني تقييد الحرية، ولكن بشرط أن يحصل المسجون على باقي حقوقه الإنسانية دون أية قسوة، أو ضغوط، أو انتهاك لأي حقوق أخرى، مشيرة إلى أنها أعدت في التسعينيات، دراسة لتقييم المعاملة داخل السجون، بعد السماح لكلِّ الباحثين بدخول السجون، وإجراء الحوارات مع المسجونين، وتم إجراء بحث جيد جدًّا، إلا أن المشرف على البحث رفض طباعته؛ نظرًا لكمِّ الانتهاكات التي قاموا برصدها؛ خوفًا من بطش النظام.
وتتابع قائلة: حتى الآن ونحن على مشارف عام 2011م لا يُسمَح للباحثين بدخول مناطق كثيرة في السجون؛ لعدم فضح انتهاكات الداخلية، معربة عن أسفها لعدم إعطاء الدولة أي اهتمام للأبحاث العلمية التي تجرى، خاصةً لو كانت بها فضح لانتهاكاتها.
وترى د. عزة كريم أنه على الرغم من تطور السجون بدرجة نسبية، لكن وجودها تحت قبضة الشرطة، وجهاز أمن الدولة، يجعل الانتهاكات قائمة بل وتتفاقم، مشيرةً إلى أن انتهاكات جهاز الداخلية يراها العالم أجمع في كلِّ مكان في مصر، وفي الشوارع على مرأى ومسمع من الجميع، فما بالنا إذا ما أطلق العنان لجهاز الداخلية خلف الجدران؛ حيث لا يراه أحد؟!.
وتقول: إن الدراسات العديدة التي أجروها بعد الانتهاكات الكثيرة التي رصدت، خلصت إلى اقتراحين، إما نقل تبعية السجون لوزارة العدل بشكل كامل، وإما أن تكون نظامًا مشتركًا بين وزارتي الداخلية والعدل، بشرط أن تكون اليد العليا فيها للعدل وليست للداخلية؛ كي لا تعود المشاكل من جديد.
وتشير إلى أن من أبرز الكوارث التي رصدوها خلال الدراسة، هي دخول المسجون متهمًا في قضية صغيرة، ويخرج منها بعد قضاء فترة العقوبة مجرمًا كبيرًا؛ نظرًا لاختلاطه بالمجرمين، ولسوء المعاملة؛ مؤكدة أنهم من خلال تلك الدراسة أثبتوا أن عدد المسجلين خطر في مصر يتزايد من عام لآخر؛ نتيجة للانتهاكات التي تحدث داخل السجون، والتي حوَّلت المسجونين إلى مجرمين.
وتعتقد د. عزة أن النظام يستهدف تخريج أجيال من متعاطي المخدرات، والمسجلين خطر من السجون، ويسعى في تدريبهم على ذلك؛ حتى يقوم باستخدامهم في البلطجة، كما حدث أيام الانتخابات!!.
وتلفت النظر إلى أن هناك عنبرًا يسمى (عنبر الأموال العامة) وهو خاص برجال الأعمال، الذين تتم معاملتهم بشكل مختلف تمامًا عن الآخرين؛ حيث يقوم العسكري بخدمتهم على أكمل وجه، كما تقدم الصواني مليئة بأنواع مختلفة من اللحوم، وأصناف الخضروات المختلفة، بالإضافة إلى تركيب تكييفات وسخانات و"سيراميك" لهم باختلاف بقية المسجونين الذين يتم جلدهم، وحرمانهم من الكثير، وإجبارهم على النوم على الأرض، على مساحة لا تتعدى الـ90سم!!.
وتوضح أن الدراسة التي أجراها المركز خرجت بتوصيات أخرى عديدة، منها ضرورة الالتفات إلى تحويل السجن من مجرد تقييد لحرية أشخاص يقومون بقضاء عقوبة، إلى مكان لتأهيل الأفراد بداخله بالكامل، على جميع المستويات؛ نفسيًّا واجتماعيًّا؛ بحيث يواجهون المجتمع بعد قضاء فترة العقوبة بشكل جديد، وبسلوكيات جديدة، بعد أن يخلعوا ثوب الإجرام.
وترى أن تخوف النظام من نقل تبعية السجون من الداخلية للعدل؛ راجع إلى أن الدولة ترى سيطرة وزارة الداخلية أسهل، لأنها تتعامل بمنطق القمع بالسلاح، وهو أسهل من وجهة نظرهم من القانون والتفاهم وإعطاء كل ذي حقٍّ حقَّه، موضحة أن ذلك هو ما يفسر سيطرة جهاز أمن الدولة على البلد بشكل كامل، وعلى كل قطاعات الجمهورية.
السلطة العليا
ويتفق في الرأي معها الدكتور إمام حسين، أستاذ القانون الجنائي بالمركز القومي للبحوث، قائلاً: إن حفظ الأمن والنظام العام في البلد، لا بدَّ أن ينطبق أيضًا داخل السجون، والذي لن يأتي إلا من خلال إعطاء السلطة العليا لوزارة العدل، على أن تدخل تحت عباءتها وزارة الداخلية، مع وضع آليات للتعاون.
ويرى أن هناك الكثير من القوانين التي تحفظ للمساجين حقهم، ولكن المهم هو وجود السلطة أو الهيئة التي تسعى إلى تنفيذه وتطبيقه، مطالبًا بضرورة استرداد حقوق المسجونين؛ بحيث يقضي فترة عقوبته وفقًا للقانون، من خلال مراقبة السلطة القضائية للسلطة التنفيذية متمثلة في وزارة الداخلية.
هيئة مستقلة
محمود القطري
ومن ناحيته يوضح العميد محمود القطري (عميد الشرطة السابق)، أن نقل تبعية السجون من وزارة الداخلية إلى الجهات القضائية أمرٌ جيدٌ جدًّا لا بدَّ من تطبيقه؛ لأنه سيكون أكثر شرعيةً، وسيرد للمسجونين حقوقهم المهضومة.

ويستدرك موضحًا أن ذلك الحل هو حل مؤقت، أما الحلُّ الجذري فهو إصلاح وزارة الداخلية نفسها، وسحب السلطات المطلقة التي تمتلكها، بالإضافة إلى ضرورة تعديل لوائح السجون تعديلاً شاملاً، مع تطبيق بنود القانون المحفوظة في الأرشيف فقط.
ويضيف قائلاً: لا بدَّ من إنشاء هيئة للرقابة على السجون، منتدب بها جزء من القضاة بوزارة العدل، وجزء آخر من وزارة الداخلية، ولكن بشرط أن يكونوا تحت سلطة وزارة العدل؛ حتى تتم مراقبة السجون بشكل كامل.
ويؤكد أن ارتفاع معدلات الانتهاكات والجرائم داخل السجون، ارتفعت بشكل كبير جدًّا؛ نتيجة لانعدام الرقابة، ووضع السلطة بالكامل تحت قبضة وزارة الداخلية، مستنكرًا أن تكون المساحة المخصصة لكلِّ مسجون تقدر بـ(شبر+ قبضة يد)، وهى مساحة غير آدمية.
ويرى أن وضع مصر الحالي، يوجد به صعوبة تشريعية، وصعوبة عملية؛ حتى يتم نقل تبعية السجون من وزارة الداخلية لوزارة العدل، بالإضافة إلى أنها ستتكلف أموالاً طائلة، لتصرف على الهيئة الجديدة، في ظلِّ الفقر الذي تحياه مصر الآن في جميع القطاعات.
مكاسب الداخلية!
طارق خاطر
ويرى طارق خاطر (رئيس جمعية المساعدة القانونية لحقوق الإنسان)، أن اقتراح نقل تبعية السجون من وزارة الداخلية إلى وزارة العدل مطروح منذ الثمانينيات، إلا أن الحكومة لم تستجب لذلك؛ لأن نظامها بوليسي، ويتحكم فيها قانون الطوارئ.

ويشدد على ضرورة تفعيل تلك المطالب والدراسات؛ حيث إن النيابة العامة هي المختصة بالإشراف على إصدار القرارات، بالإضافة إلى أن وكلاء النيابة العامة هم المختصون بالتفتيش على السجون، فضلاً عن حظر القانون احتكاك رجال الشرطة بالمسجونين إلا بإذن النيابة العامة؛ لذا فإن وزارة العدل هي الأولى في الإشراف على السجون.
ويؤكد أن الطبيعي أن كلَّ الأفكار المحترمة، والنافعة للبلد، تقوم الدولة بإجهاضها وتأجيلها؛ لأنها لا ترغب الخير ولا الإصلاح لذلك البلد، إنما تود فقط إحكام قبضتها على كلِّ مؤسساته.
ويوضح أن نقل التبعية سيكون في حاجة إلى إعداد لكوادر جيدة بوزارة العدل، تكون أهلاً لتلك المهمة، بالإضافة إلى ضرورة تزويدهم بميزانية أكثر، إلا أنه يرى أن تطبيق نقل التبعية بسلبياته أفضل من الوضع الحالي وترك السجون في قبضة الداخلية.
ويرى أنه من الطبيعي لنظام أولى سلطات الأمن الأولوية في كلِّ شيء، وأعطى له مطلق الحرية، أن يرفض مثل ذلك الاقتراح ويتجاهله، ذلك فضلاً عن تحقيق وزارة الداخلية مكاسب عديدة من وراء سلطتها المطلقة على السجون، من خلال احتفاظها بالرهائن في أي مكان، واختطاف أي فرد في أي وقت.
تركيع شعب!
![]() |
|
أحمد أبو بركة |
ويستطرد قائلاً: إلا أن النظام المصري خرج عن كلِّ أحكام القانون، ليتحكم بكلِّ حرية في الدولة، ويسيرها كيف يشاء، ويداري على انتهاكاته وجرائمه المتعاقبة، مؤكدًا أن السجون في مصر لا ينظِّمها أي قانون، فلا يتم بها أي رعاية ولا تأهيل.
ويرى أن النظام المصري استبدادي، لذا فلديه تخوف من نقل تبعية السجون من تحت قبضة الداخلية، حتى لا يفقد جملة السياسات والقرارات المستبدة التي يستطيع استصدارها في أي وقت ضدَّ مَن يشاء، مشيرًا إلى أن أحكام قبضة الداخلية على كلِّ مؤسسات المجتمع هي إحدى الأدوات الفعَّالة التي يستخدمها لإحكام قبضته على المجتمع، ولتركيع الشعب، فهي إحدى مصادر قوته.
