تسارُع سقوط شبكات التجسس في مصر لصالح الكيان الصهيوني يحرك في النفس حالتين من المشاعر.. حالة اطمئنان وافتخار بجهاز أمني قومي على درجة كبيرة من المهنية والوطنية، وحالة شعور بالمرارة على بقاء العلاقات قائمة مع ذلك العدو، واستمرار رفرفة علمه على شاطئ النيل في قلب القاهرة.. عدو لا يرعى اتفاقًا ولا عهدًا ولا سلامًا، ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاً وَلا ذِمَّةً﴾ (التوبة: 8)، ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاً وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُعْتَدُونَ (10)﴾ (التوبة: 10)، ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)﴾ (المائدة).
وإن سِجِل ثلاثين سنة من العلاقات الخاطئة مع ذلك العدو متخمٌ بعمليات التجسس، ومحاولات إغراق مصر بالمخدرات والعملات المزيفة، والبذور المسرطنة، وتدمير الزراعة المصرية، وإنتاجها من العسل، وكل تلك المحاولات معروفة ومتداولة؛ فقد تم ضبط الكثير، وعلم به الرأي العام، وهي تصبّ في هدف هو محاولة إضعاف مصر وتركيع شعبها. والسؤال: ألا يحرك ذلك الملف الأسود النظامَ المصري، وكل الأنظمة التي ترتبط بأي شكل من العلاقات لمراجعة شاملة لتلك العلاقات مع ذلك العدو، بل ومراجعة شاملة لإستراتيجية الأمن القومي، وتحديد مَن العدو ومَن الصديق بالضبط؟ إن مصر ليست بأي حال أضعف من موريتانيا التي نزعت علَمَ الصهاينة من سماء عاصمتها وأحرقته، وطردت السفير الصهيوني إلى غير رجعة. ومن جهة أخرى، فإن الكتابات والبرامج الإعلامية والخطب السياسية التي تم الترويج لها على مدى ثلاثين عامًا لثقافة ما يسمى بـ"السلام"؛ صنعت أجواءً مسممةً ساهمت في تبلّد الحسّ وضبابية النظرة تجاه ذلك العدو.
كما أن الهرولة- عبر العقدين الأخيرين- نحو مفاوضات السلام الذي ثبت اليوم أنه سلام زائف لا شك وضعت طبقة كبيرة من الشعوب العربية- خاصة الشباب- في حالة اهتزاز وتمزق وانعدام القدرة على تحديد العدو بالضبط، بل إن مجموعة المواقف العدائية من أطراف عربية لحركة "حماس"- وهذا مهم جدًّا- والتي صاحبتها حملة إعلامية شرسة ومكثفة خلال الحرب الصهيونية المجرمة على غزة؛ حوّلت تلك الحركة المقاوِمة لدى بعض الناس إلى خطر كبير على الأمن القومي المصري، وبررت بطريق غير مباشر لحرب الإبادة الصهيونية على أهلنا في غزة، وقد فضحت وزارة الخارجية الصهيونية تلك الكتابات المخزية؛ بإصدار قائمة شرف تضم عددًا لا بأس به من الكتّاب العرب الذين خدموا الكيان الصهيوني بكتاباتهم خلال الحرب على غزة. أقول: إن تلك الأحداث والمواقف صنعت جوًّا مسممًا، ومهدت الطريق لضعاف النفوس لكي يخونوا وطنهم.. وكانت بمثابة الشَّرَك الذي أودى بهم لخيانة أوطانهم.. ولكن لا عذر لأي خائن يبيع وطنه ودينه وشرفه في سوق الخيانة بثمن بخس مهما كانت الدوافع. ولا ينبغي أن نترك اليأس، والخور يفترس عقولنا وقلوبنا ونحن نتابع سقوط تلك الشبكات الجاسوسية لسببين: الأول: إن ظاهرة الجاسوسية منتشرة في العالم كله، فنحن نتابع بين الحين والآخر سقوط مثل تلك الشبكات في أعتى الدول.. وبالمناسبة، فإن الصهاينة لم يتركوا أحدًا دون أن يتجسسوا عليه حتى الولايات المتحدة الراعي الأكبر لذلك الكيان.
الثاني: أنه عندما ترزح الأمم تحت قبضة الاستعمار، أو تمر بفترات هوان أو ضعف يتجسد على أرضها مشهدان: مشهد الوطنية والتضحية والمقاومة، ومشهد الخيانة والانبطاح وبيع النفس والوطن والأهل بثمن بخس. والسائرون في طريق الوطنية، الثابتون على خط مقاومة الاستعمار؛ كثيرًا ما يلاقون العنت والاضطهاد ومخططات الإبادة المادية والمعنوية والإعلامية.. بينما تتكالب قوى الاستعمار وسماسرته في تعضيد السائرين على خط "البيع"؛ حتى يطفوا على السطح ويقودوا سفينة الوطن، لكن الأمر كان دائمًا ينتهي إلى حقيقته وحجمه الطبيعي؛ فيصيرون أشبه بسواقط الأعشاب التائهة بين فقاعات الماء ليس لها وظيفة سوى إعاقة مجاري المياه الصافية، وحالة "حماس" في مقابل "السلطة" شاهد حق على ذلك. وانهزام القلة وخوارها لدرجة الارتماء تحت أقدام العدو المحتل متوسلة إليه قبول خدماتها الخيانية، ليس حالة تختص بها قضية بعينها، ولا فصيل من شعب معين، وإنما هي آفة اجتماعية تاريخية ابتليت بها معظم البلاد- تقريبًا- التي عانت الاستعمار، كما ابتليت بها الشعوب التي وقعت تحت براثنه.
فعندما سقطت فرنسا في أيدي ألمانيا النازية بقيادة "هتلر"؛ وقَّع الماريشال الفرنسي "بيتان" صك الاستسلام لـ"هتلر"، وتطوع فصيل من الفرنسيين للتعاون مع الألمان، بل إن هناك من قدَّم لهم الأسطول الفرنسي ومخازن السلاح.. لكن هذه الخيانة الكبرى من قِبل هذا الفصيل قوبلت بحركة مقاومة شعبية، قدمت كل ما تملك في سبيل الوطن، وتحررت فرنسا وبقيت مشاهد الكفاح محفورة في سجلات التاريخ، بينما ذهب العملاء إلى "المزبلة"، وما حدث لفرنسا مع "هتلر"، حدث لبريطانيا، وحدث مع معظم الشعوب التي عانت الاستعمار.. لكن النتيجة الحتمية كانت دائمًا أن الأوطان المحتلة تتحرر، والدول الضعيفة تتعافى، ويبقى الشعب المكافح شامخًا بتضحياته، بينما يذهب الخونة إلى مخلفات التاريخ.
------------------
(*) كاتب مصري- مدير تحرير مجلة "المجتمع" الكويتية