الصورة غير متاحة

 د. حسن يوسف الشريف

النجاح الحقيقي لأية دولة على المستوى الداخلي والإقليمي والدولي يبدأ من وجود مجلس نيابي قوي، يمارس وظيفته الرقابية على الحكومة ووظيفته التشريعية، لصالح وإصلاح شأن الأمة بشجاعة واقتدار، ودون خوف من أية جهة كانت في الداخل أو في الخارج.

 

ووجود مجلس نيابي قوي يعني أنه ليس فوق الرقابة والمساءلة أحد، أيًّا كان موقعه في هرم السلطة، مما يجعل هؤلاء وغيرهم ممن يطمعون في الوصول إلى السلطة، يعلمون بأن الحكومة ليست "مؤسسة سلطة"، وإنما "مؤسسة هدف"، فمن لا يستطيع تحقيق هدف "سيادة وقوة الدولة" فسوف يرحل، بل سيُحاكم قبل رحيله إلى خارج السلطة عند أية انتخابات نيابية قادمة.

 

إن من أسباب قوة العدو الصهيوني إنما يرجع إلى وجود مجلس نيابي قوي لم يتدخل التزوير والمال والفساد الإداري والسياسي في ميلاده وخروجه من داخل الشعب اليهودي، فولدت مجالس نيابية قوية تستطيع أن تحاسب أي مسئول، وتفتح أي ملف، طالما كان فتحه لصالح مصلحة الأمة، وتحاسب على أي خطأ، وإن صدر من مسئول أو ابن مسئول، كما حدث مع رئيس وزراء الكيان السابق "شارون"؛ بسبب استغلال الابن لمنصب أبيه في موضوع تربح مالي، وكذلك "أولمرت" وقف مرات أمام النيابة بسبب شبهات مالية.

 

وفي الحرب الأخيرة على لبنان تمت المطالبة هناك بالتحقيق في أسباب هزيمة الجيش أمام حزب الله، وتمَّ التحقيق وأُقيل وزير الدفاع، ثم تمَّ خروج رئيس الوزراء أولمرت وحزبه من رئاسة الحكومة عند أقرب انتخابات برلمانية.

 

ولو حدث هكذا عندنا وتكلم أحد من أعضاء البرلمان في مثل هذه الأمور أو أقل منها، لتم تحويله إلى محكمة عسكرية؛ لأنه يتدخل في الشئون العسكرية، ويتسبب في إلحاق الضرر بالأمن القومي العربي!!.

 

إن من أهم جوانب الإصلاح والإنقاذ للعالم العربي، إصلاح "مؤسسة الرقابة والتشريع"، وهي المجالس النيابية؛ لأن من أهم أسباب شيوع الفساد الإداري والسياسي والاقتصادي في الدولة هو وجود مجلس نيابي ضعيف، فحسب نسبة ضعف المجلس السياسي يكون ضعف الأداء الحكومي، وبحسب قوته تكون قوة الحكومة وقوة أدائها.

 

لذلك يتساءل البعض في عالمنا العربي: هل مجالسنا النيابية هي مجالس لشعوبنا أم لحكوماتنا؟، فكم وزيرًا تمت إقالته، وكم حكومة تمت إقالتها أو إخراجها من السلطة لضعفها أو فسادها بالانتخابات؟! أم أن حكوماتنا ووزراءنا من الرسل والملائكة؟ أم أن شعوبنا لا صلة لها بهذا الشأن المهم؟.. ومثل هذه الأسئلة تعني أن حكوماتنا العربية متهمة بتجهيل وتضليل شعوبها عن أهم المقومات العملية لوجودها.. وهنا تكمن الكارثة!!.

 

وهذا يفتح باب التساؤل الإيجابي: إذا تجاهلت الحكومات القيام بأهم مقومات وجود شعوبها (معرفة الحقوق والواجبات)؛ فعلى مَن يقع العبء والمسئولية؟، ومَن يعنيه التغيير والإصلاح؟.

 

أرى أن المسئولية تقع على المفكرين، ويجب أن يعينهم على ذلك النخبة والمثقفون، ومن هنا يبدأ طرح الأفكار ويتعمق الحوار؛ لنعرف كيف يتم تصحيح المسار؟، والذي يبدأ من تصحيح العملية الانتخابية، بداية من تسجيل الأسماء، مرورًا بحرية الترشح، ووصولاً إلى انتخابات نزيهة وشفافة، تشرف عليها وزارة العدل من أولها لآخرها، بعيدًا عن تدخلات وزارة الداخلية.