أخي الحبيب الأستاذ بدر محمد بدر..
أحمد إليك الله سبحانه وتعالى، فبه تُستدفع المحنة، وبه تُستجلب المِنة، وهو القريب من حامديه، الداني من سائليه، الواعد بالجنة من يتقيه، والمُوعِد بالنار من يعصيه.
أكتب إليك.. وأنا أعلم أنك من أنبل الجنود في كتيبة خاتم الأنبياء.. محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
أكتب إليك وأنا أعلم أنك تتمع بسمتين هما: "الجندية والقيادة".
نعم عشت جنديًّا وفيًّا لعقيدتك السمحاء، عملاً وسلوكًا وقولاً وكلماتٍ.. وكنت الآخذ بعنان فرسه في سبيل الله.. إن كنت في الحراسة كنت في الحراسة، وإن كنت في الساقة كنت في الساقة.. فطوبى لك.. وطوبى لك.
أما أعداؤك وأعداء الكتيبة الخرساء، فقد قال عنهم وعن أمثالهم سيد الأنبياء: "تعس عبد الدينار والدرهم، والقطيفة، والخميصة، إن أُعطِيَ رضي، وإن لم يُعط لم يرض، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش".
يا أخي الحبيب..
يا من أنت اسم على مُسمى، لا ينسى قراؤك كلماتِك الوضيئة، في كتبك ومقالاتك، فقلمك لم يتوقف، وبه وله عشت رفيعًا في هذه الأيام السوداء العمياء: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)﴾ (الحج).
وتحت وطأة الديكتاتورية تعيش مصر مضيعةً مسحوقةً؛ حيث الاختلال في كل شيء؛ في الفكر، والقيم، والمشاعر، والمعايير:
ذلك عصر البشرِ الوثنِ
عصر الإنسان الساجد للإنسانْ
وإذا ما عبد الإنسانُ الإنسانْ
كان المعبود هو الشيطانْ
والعابد في الدرك الأسفل كالحيوانْ
لا تعجب من حكمي هذا:
فالعقل مهين.. والرأي سجين.. والحكم لعينْ.. واللص الفاجر يدعى خير أمينْ.
**********
أخي الحبيب..
أما دورك القيادي، فكان نابعًا من تلك المدرسة النورانية التي كنت أنت مديرها، وروحها ونبضها.. مدرسة صحيفة (آفاق عربية)، التي شرفتني بنشر مقالي الأسبوعي فيها، كانت مدرسة بكل معنى الكلمة، جمعتْ بين الوعي الناضج، والفكر المنير، والشعور الصادق، والأداء السديد، ووراء كل ذلك إيمان راسخ رسوخ الشُّم الرواسِي.
وأقسم- والله يشهد- أن كثيرًا من البلاد التي كنت أزورها لأداء واجب الدعوة كان بعض الإخوة يشير إليَّ ويقول: هذا هو فلان الذي كان يكتب في (آفاق عربية)، وتذكرُ أنني كنت أضاحكك وأقول: هكذا شهرْتني يا أبا أيمن.
وأذكر وأقسم- والله يشهد- أن اليوم الذي لم أكن أتصل بك هاتفيًّا فيه أشعر أن هناك شيئًا ما ينقص هذا اليوم.
وقد شاء الله أن يزيد من حسناتك إذ اقتحم أبطال النظام الغاشم مسكنك فجعلوه مغنمًا، وصادروا ما صادروه من مال، وجهاز، دون مراعاة للحد الأدنى من الرجولة والشعور، ثم قادوك إلى المعتقل مع عشرات من الإخوة الأبرياء، الصالحين الأنقياء، وكل ذنبهم أنهم قالوا: الحق حق، والباطل باطل، وقالوا ربنا الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13)﴾ (الأحقاف).
وعيبكم- يا أبا أيمن- أنكم أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ:
لو كنتمو من شلة الحاناتِ
ما بين ساقي الخمر و"الصاجاتِ"
والكأس تلو الكأس "خذ وهاتِ"
والطبل والمزمار واللذاتِ
ما صرتمو في السجنً كالجناةِ
******
لكنكم "إخوانُ مسلمونَ"
بالعزة الشمَّاء تُعرفونَ
"محمدَ الرسولَ" تتٍبعونَ
والمصحفَ الشريفَ ترفعونَ
وشرعةَ الجهاد تسلكون
لا الظالمَ الجبار ترهبونَ
ولا لمالِ الشعب سارقونَ
بل في متاع العيش زاهدونَ
لكل ذا أنتمٍ تحاكمونَ
******
وقد نسي الظالمون أن الله سبحانه وتعالى قد حرَّم الظلم وشبه به الشرك".. ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان: من الآية 13).
وقال تعالى في حديث قدسي: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا".
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فنصحه فقتله".
يا أيها الإخوان لا قنوطُ
لا يلتقي الإيمان والقنوط
إنقاذ شعبكم بكم مَنوطُ
أما "هُمُو" فحظهم هبوط
وفي غد يطويهمُ السقوطُ
لا بحرُ يحميهم ولا شطوطُ
واللهُ من ورائهم محيطُ
يا أبا أيمن.. طوبى لك، وطوبى لأهلك وإخوانك جميعًا، وإن كنت أودعك الآن بكلماتي، فإننا نعيشك، ونعيش إخوانك الأبرار في معتقلكم بقلوبنا، ومشاعرنا وحبنا، وفكرنا، ودعائنا.. نعم نعيشكم، فلكم ولنا الله، إنه نعم المولى ونعم النصير.
-------------