عن أنسٍ رضي الله عنه قال: مَرُّوا بجنازةٍ، فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وجبت"، ثم مروا بأخرى، فأثنوا عليها شرًّا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وجبت"، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما وجبت؟ قال: "هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض" (متفقٌ عليه).
وعن أبي الأسود قال: قدمت المدينة، فجلستُ إلى عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- فمرت بهم جنازةٌ، فأُثْنِيَ على صاحبها خيرًا فقال عمر: وجبت، ثم مرَّ بأخرى، فأثني على صاحبها خيرًا، فقال عمر: وجبت، ثم مر بالثالثة، فأثني على صاحبها شرًّا، فقال عمر: وجبت: قال أبو الأسود: فقلت: وما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: أيما مسلم شهد له أربعةٌ بخير، أدخله الله الجنة فقلنا: وثلاثةٌ؟ قال: وثلاثةٌ فقلنا: واثنان؟ قال: واثنان، ثم لم نسأله عن الواحد. (رواه البخاري).
نتحدث في هذه المقالة السريعة تحت عنوان باب ثناء الناس على الميت كما في كتاب "رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين"، وكأني وأحبائي وإخواني أتخيل نفسي وأنا أُشَيَّعُ إلى مثواي الأخير ويقف المصلون ليكبروا أربع تكبيرات على مَن حضر من أموات المسلمين، ثم يدخل الإنسان القبر وينصرف الناس إلى شئونهم الدنيوية، وينسى الجميع الميت إلا القليل من أهله وأحبائه، مصداقًا للحديث الشريف الذي يرويه أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى وَاحِدٌ؛ يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ" (متفق عليه)، ويُغْلَقُ القبر بظلامه وضيقه ويبقى العمل الصالح هو الأنيس والنور، ورحمة الله قريب من المحسنين.
ومن باب البشريات فنحن نحسن الظن بالله تعالى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي ملأ ذَكَرْتُهُ فِي ملأ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً" (رواه البخاري)، وبُشْرَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ" فَقُلْنَا: وَثَلاثَةٌ؟ قَالَ: "وَثَلاثَةٌ"، فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: "وَاثْنَانِ"، ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنْ الْوَاحِدِ.
ومن نعم الله- عزَّ وجلَّ- على جماعةٍ من المسلمين التي تعمل لإعلاء الدين والتمكين له وعودة الخلافة الإسلامية الراشدة أن جعل أفرادها كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، وأن يشهد الأخ لأخيه أنه كان من العاملين لرفعة الدين طوال حياته، ولم يدخر جهدًا إلا وأنفقه لنصرة الإسلام من وقته وماله وعمله وأهله، وكان كل ما يملك يقدمه للدعوة بأفضل ما يكون، فكان بحقٍّ وقفًا لله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)﴾ (الأنعام).
يشهد الأخ لأخيه أنه كان معنا في لقاءاتنا الإيمانية، ومحاضننا التربوية، يعيش مع الآيات ويتعلم من الأحاديث النبوية النورانية، ويقيم الليل بعد صيام، ويقطف معنا أطايب الكلام، ونتواصى بالحق والصبر، ونسعى جاهدين إلى إرشاد العالمين؛ للعودة للدين بأوامر رب العالمين وهدي سيد المرسلين.
نُشهد إخواننا أنهم أحبُّ إلينا من أنفسنا في الله ولله، ونستبشر بظلِّ الله يوم القيامة "وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ".
نشهد لإخواننا أنهم كانوا معنا في كلِّ مناشط الدعوة ولم نفتقدهم، فإن غابوا لعذرٍ من سفر أو مرض فإنهم معنا بأرواحهم ودعائهم وإنفاقهم، ورجاؤنا في الله أن يكونوا من أهل الآية الكريمة ﴿وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (121)﴾ (التوبة).
نشهد لإخواننا أنهم وقفوا صفًّا واحدًا يدعون للحقِّ ويأتمرون به في مواجهة الباطل وطغيانه، فلم يبدلوا ولم يغيروا، وقابلوا المحن بصبر ورضا وطمعًا في فوز الآخرة، مستمسكين بحبل الله المتين، راجين عفوه وتثبيته، فلم يضرهم كيد الكائدين ولا تربص المتربصين ولا أذى المنافقين، وإنما خرجوا من المحن يقطفون ثمار المنح.
نشهد لإخواننا أنهم حين يقصرون يعتذرون، وحين يُخطئون يصححون، وحين تدخل الدنيا إلى قلوبهم يتذكرون، وحين يختلفون يتناصحون ويجتمعون، وحين يفترون ينشطون، وحين يذنبون يستغفرون، كل ذلك بفضل الله وبركته عليهم أجمعين وبتوجيه مَنْ فيهم مِن الصالحين.
نشهد لإخواننا أنهم على العهد باقون، وبدعوتهم مستمسكون، وللغير محبون، وللخير فاعلون، فيا رب هب المسيئين منَّا للمحسنين، وارض عنَّا إلى يوم الدين، فهل أنتم لنا شاهدون...... اللهم آمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.