- الاتفاق الجديد يعد الأضخم حتى الآن بين الحكومة المصرية والكيان الصهيوني

- الشركة الصهيونية لها حق زيادة كمية الغاز المصدرة حتى مارس 2011م المقبل

- الخبراء: الصفقة باطلة قانونًا وجريمة فساد جديدة لحكومة للحزب الوطني الحاكم

 

تحقيق: الزهراء عامر

في مفاجأة صادمة زادت الحسرة في نفوس المصريين.. أبرمت الحكومة المصرية صفقة جديدة لتصدير الغاز للكيان الصهيوني، والتي تعد الصفقة الرابعة والأكبر من نوعها بين الجانبين المصري والصهيوني.

 

وكشفت صحيفة (الاقتصادي) الصهيونية أنه تم توقيع اتفاق الغاز الجديد في القاهرة في 13 ديسمبر مع شركة "غاز شرق المتوسط المصرية".. على أن يبدأ سريانه في الربع الأول من عام 2011م، ويمتد أجل العقد إلى 20 عامًا؛ حيث ينتهي في مارس عام 2030م، في صفقة تُقدَّر قيمتها بين 370 و460 مليون دولار.

 

وتقوم شركة كيماويات صهيونية لإنتاج الأسمدة والكيماويات- بحسب الصحيفة- باستيراد 1.8 مليار متر مكعب سنويًّا من الغاز الطبيعي الذي تنتجه شركة شرق المتوسط المصرية لمدة 20 عامًا مقبلاً بقيمة 4.3 مليارات دولار؛ ليتم استخدامه لتشغيل محطة كهرباء كبيرة ستبنى في مغتصبة "سدوم" في صحراء النقب، مؤكدةً أن الاتفاق المبرم يتضمن بند امتلاك الشركة الصهيونية الخيار في زيادة كمية الغاز إلى 2.9 مليار متر مكعب حتى مارس 2011م المقبل.

 

الغريب أن صفقة تصدير الغاز المصري للكيان الصهيوني الجديدة تأتي في الوقت الذي تشهد فيه مصر أزمتي أنابيب البوتاجاز وانقطاع التيار الكهربائي، بالإضافة إلى انخفاض نسبة احتياطي الغاز الطبيعي في مصر، وما أعلنه رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة أن الحكومة تدرس استيراد الغاز من قطر والعراق لسد العجز.

 

وعلى الرغم من أن وسائل الإعلام الصهيونية كشفت تفاصيل تلك الصفقة الجديدة، إلا أن مصدرًا بالشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية سارع لنفي صحة ما سبق، مشيرًا إلى أن كميات الغاز التي سبق التعاقد عليها عام 2005 مع شركة شرق المتوسط للغاز، والتي يتم تصديرها للحكومة الصهيونية؛ لم يطرأ عليها أية زيادة.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه: ما سر إصرار الحكومة المصرية على تصدير الغاز للكيان الصهيوني رغم الرفض الشعبي الكبير لذلك، وتزايد أزمات الطاقة في البلاد؟!

 

يقول إبراهيم زهران عضو معهد بحوث البترول والمستشار الفني لحركة "لا لنكسة الغاز": إن الحكومة المصرية لم تقم برفع أسعار بيع الغاز للكيان الصهيوني حسبما أعلنت في الفترة الماضية، وأنها ما زالت تقوم بتصدير الغاز للكيان بدولار وربع دولار، موضحًا أن ما يقول عليه البينة، ويقدم العقد الذي يثبت صحة كلامه.

 

ويكشف أن الصفقة الجديدة تعد الرابعة من نوعها بين الطرفين، وليست الثانية كما هو معلن، ولن تكون الأخيرة في هذا الصدد، محذرًا من أن الاستمرار في تلك الصفقات سيجعل مصر عاجزةً عن توفير احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وقد تضطر إلى إعادة استيراده من الصهاينة بالأسعار العالمية المرتفعة بعد أن باعته لهم "برخص التراب"، مشيرًا إلى أن الحكومة منحت إحدى الشخصيات "شيكًا على بياض" للتصرف في ثروة مصر من الغاز لأسباب غامضة.

 

وفيما يخص ترك وزارة البترول شركة شرق المتوسط تصدِّر ما تشاء من الغاز المصري دون الوقوف لها، يوضِّح زهران أن هذه الشركة توزع حصصها كالتالي: 25% لحسين سالم رجل الأعمال، و25% لأحد رجال الموساد الصهيوني، و50% الباقية حصة يهود أمريكان يعملون في شركة في الفلبين، ويبدو أن هناك حركة بيع للشركة والحكومة تريد توزيع دم القضية على أطراف جدد.

 

ويضيف أن الدخل الذي تحصل عليه مصر من تصدير الغاز للكيان لا يزيد عن 164 مليون دولار سنويًّا، في حين تقوم باستيراد بوتاجاز بنحو ثلاثة مليارات دولار سنويًّا، والفارق يتم إهداره من دون مبرر.

 

ويرى أن العدو الصهيوني يملك احتياطيًّا من الغاز يبلغ 9 تريليونات قدم مكعب، إلا أنه لا ينوي استخدامه قبل أن يستنفد الغاز المصري.

 

ويوضح أن حصة الشعب المصري من الغاز كان لها نصيب أثناء حكم محكمة القضاء الإداري ببطلان اتفاقيات تصدير الغاز طويلة الأجل مع جميع الدول، حيث استند الحكم إلى 3 شروط لصحة الاتفاقية، وهي:

 

الشرط الأول: لا بد أن يتناسب سعر الغاز مع الأسعار العالمية، وروسيا تبيع لأوكرانيا (10 دولارات لمليون وحدة حرارية)، وهذا دليل على أن السعر المصري للبيع ضئيل للغاية، ولا يتناسب مع الأسعار العالمية.

 

الشرط الثاني: لا تبيع الحكومة المصرية الغاز لأي دولة إلا بعد النظر إلى احتياجات السوق المحلي، وأزمة الكهرباء خير دليل على حاجة السوق للغاز، متسائلاً: كيف يمكن أن أصدر الرخيص وأستورد الغالي؛ لأن سعر السولار يصل إلى 15 دولار لمليون وحدة حرارية.

 

أما الشرط الثالث: فهو عدم وجود عقود تصل مدتها إلى 15 عامًا، وأقصى مدة للعقد سنة واحدة، ويتم مراجعة العقد، موضحًا أن بعد هذه البنود أي تعاقد أو تصدير الغاز قانونيًّا باطل.

 

ويشير إلى أن حركة "لا للنكسة الغاز" حاولت القيام بعمل جنحة لتنفيذ هذا الحكم، ولكن أجهضت هذه الجنحة؛ لأنها كانت ترفع ضد رئيس الحكومة ووزير البترول، وهم الآن بصدد رفع دعوى أخرى على مسئولين تنفيذيين، كمحاولة أخرى لتنفيذ الحكم.

 

مظلة سياسية

ويرى الدكتور محمد رضا محرم أستاذ هندسة واقتصاديات التعدين وعميد كليه الهندسة بجامعة الأزهر سابقًا، أن الصفقة الجديدة التي أبرمتها الشركة المصرية تعتبر نموذجًا للغباء، وتعكس المدى الخطير الذي وصل إليه تحالف السلطة الفاسدة مع رأس المال الفاسد، والشائع أن حسين سالم وشركاءه الصهاينة أصحاب شركة شرق المتوسط للغاز على علاقة وثيقة بنظام الحكم، وهذا ما جعل رئيس الشركة المصرية القابضة للغازات محمود لطيف يخرج ليعلن أن الشركة القابضة ووزارة البترول والحكومة المصرية، ليس لها أي اتصال بهذا التعاقد.

 

ويضيف أن هذا الكلام يعني أن الحكومة المكلفة من شعب مصر لحماية موارده الطبيعية وثروته لم يعد لها سيادة على هذه الموارد، وأن السيادة قد آلت إلى رئيس الشركة المصرية وشركائه.

 

ويندهش من أن يتم التعاقد بعد الأحكام القضائية التي صدرت من القضاء الإداري والمحكمة الإدارية العليا ببطلان التعاقدات السابقة، موضحًا أن الأكثر دهشةً أن حصة مصر من الغاز المصري لا تكفي الاستهلاك الداخلي، وتشتري مصر الكميات التي يحتاجها هذا الاستهلاك المحلي من الشريك الأجنبي، وهذا يعني أن الحكومة المصرية ليس لديها فائض للتصدير ما لم تكن في اتجاه تكرار المهزلة القديمة.

 

ويرى أنه من المؤكد أن مثل هذه التعاقدات، وإن بدت أنها تُعقد بين شركتين خاصتين إحداهما مصرية والأخرى يهودية؛ فإن هذه الاتفاقيات ومع هذا الكيان الصهيوني تتم تغطيتها بـ"مظلة سياسية"، بمعنى أن يكون هناك ضمان لتوريدها من جانب الحكومة المصرية، ومن وزارة البترول والشركة القابضة للغازات.

 

ويضيف أن مصر ستتورط في شراء المزيد من الغاز بالسعر المرتفع من الشريك الأجنبي من أجل تسديده إلى الكيان الصهيوني بسعر منخفض، ومما يؤدي إلى الزيادة التي تتحملها ميزانية الدولة لصالح الأجانب.

 

ويوضح أن الإنتاج المصري من الغاز الطبيعي في مجمله، أي ما يشمل حصة مصر والشريك الأجنبي؛ ليس منه فائض لا الآن ولا في المستقبل المنظور، ما يبرر إجراء مثل هذه التعاقدات المشبوهة من الناحية الفنية البحتة، رغم أنها مشبوهة من الناحية الوطنية.

 

ويبين أننا نتعامل مع حكومة فاشلة تتورط أحيانًا وربما كثيرًا في الخيانة، وهي بالتالي تبدد الموارد الطبيعية التي هي حق ليست للأجيال القادمة فحسب، بل حق للأجيال القائمة أيضًا، فهي تضر بالجميع حاضرًا ومستقبلاً، مؤكدًا أن هذا النظام وهذه الحكومة ينتقلان من فشل إلى فشل ومن خيبة إلى خيبة والانحدار ما زال ممتدًا؛ لأن الخيانة بعيدة الأغوار.

 

الخسائر الاقتصادية

 الصورة غير متاحة

 عبد الخالق فاروق

وحول حجم الخسائر التي يتكبدها الاقتصاد المصري والخزانة المصرية يوضح عبد الخالق فاروق الخبير الاقتصادي أن شركة شرق المتوسط للغاز ما هي إلا آلية فساد منظمة وواجهة عالمية لشخصيات نافذة لوجه النظام المصري، ويتم تمرير العديد من الصفقات من أجل عمولات معروفة ورشاوى معينة؛ سواء مع الكيان الصهيوني، أو إيطاليا أو فرنسا، ويتم توريدها في حسابات سرية.

 

ويشير إلى أن حساب سعر البيع يتم على أساس القاعدة الاقتصادية 28.3 متر مربع من الغاز= مليون وحدة حرارية، وبقسمة الرقم على أي صفقة يحسب السعر، وفقًا لما نشر أن سعر البيع دولار و20 سنتًا، مستبعدًا أن يزيد سعر البيع عن 2 دولار بعد عملية التفاوض التي تُجرى.

 

ويقدر حجم الخسارة المصرية سنويًّا من تصدير الغاز للكيان بنحو 1 إلى 2 دولار سنويًّا؛ بسبب التسعير المتدني، أي نحو 12 إلى 15 مليار جنيه، مؤكدًا أن هذا يعكس نمطَ أولويات منحرفًا للحكم والإدارة ونمط أولويات غير وطني، وهذا ما يؤكد أن مصر لن تخرج من النفق المليء بالأزمات الاقتصادية بفضل هذه السياسية، وإذا قيس حجم التخريب منذ عام 1991 حتى الآن، فإنه يقدر بنحو 300 مليار دولار.

 

ويتهكم على تصريحات وزارة البترول التي تقول إن الحكومة المصرية ليس لها شأن بهذه التعاقدات؛ لأن هذه الشركة خاصة، متسائلاً: مَن يمتلك قرار التصدير غير الهيئة العامة للبترول، وكونه يحيل بهذه الكمية لشركة خاصة جرائم فساد فاضحة.

 

ثمن السلام

 الصورة غير متاحة

إبراهيم العيسوي

ويقول إبراهيم العيسوي وكيل وزارة البترول لشئون الغاز سابقًا: إن مصر ليس لديها غاز طبيعي لكي تبرم صفقة جديدة مع الكيان الصهيوني؛ لإعطائه كميات إضافية من الغاز الطبيعي، ولا يمكن أن يوافق البرلمان على هذا الكلام.

 

ويشير إلى أن شركة شرق المتوسط تم إنشاؤها في مصر، ولم يكن لمصر نصيب سوى 20% من أجل تصدير الغار لشرق البحر المتوسط، وعلى رأسه الحكومة الصهيونية.

 

ويوضح أن قرار إعطاء الحكومة الصهيونية الغاز مساءلة سياسية ترجع لقرارات للقيادة السياسية، ولا بد أن يُدفع ثمن للاتفاقية السلام المبرمة بين مصر والكيان الصهيوني.

 

تبديد الثروة المصرية

 الصورة غير متاحة

إبراهيم يسري

ويوضح السفير السابق والمحامي إبراهيم يسري منسق حملة "لا لبيع الغاز" للكيان الصهيوني، أنه ليس هناك اعتراض على تصدير الغاز المصري إلى أية دولة، ولكن الاعتراض يدور حول سوء إدارة الثروة المصرية، وبدون إذن من الشعب، موضحًا أن القاهرة تخسر من جراء الصفقة مع تل أبيب حوالي 13.5 مليون دولار في اليوم الواحد، ولهذا لا يمكن تبرير هذه الخسارة لا بوجود معاهدة سلام مع الحكومة الصهيونية، ولا بحقوق السيادة، ولا بأي شيء آخر.

 

ويضيف: لا علاقة بين اتفاقية السلام وصفقة تصدير الغاز المصري للكيان، ولهذا نحن طالبنا بإلغاء الصفقة لكونها مجحفةً بحق مصر وتمثل إهدارًا للثروة المصرية؛ خاصة أننا دولة نامية تحتاج الكثير من الأموال للإصلاح الاقتصادي، ولذا لا يجوز أن ندعم الكيان الصهيوني بهذا الشكل؛ خاصةً ونحن لسنا دولة غنية لكي نبذر أموالنا يمينًا وشمالاً.

 

وتابع: "نريد كما فعل رئيس الوزراء الروسي بوتين أن يكون تسعير الغاز حسب سعر السوق العالمية، في حين أن اتفاقية الغاز المصرية- الصهيونية التي يمتد مفعولها لعشرين عامًا يمنع فيها تغيير السعر طيلة تلك المدة، وهذا السعر يبدو الآن مضحكًا؛ لأنه مثبت بدولار وربع الدولار، في حين أن السعر العالمي الآن يتراوح بين 12:16 دولارًا لوحدة القياس".