الصورة غير متاحة

 د. حلمي محمد القاعود

تفرض الولايات المتحدة نفسها مسئولاً عن حركة العالم، وترى أن السلوك العام للحكومات والشعوب مرهون بتقديرها وحدها وتفسيرها هي، وليس ما تضعه المواثيق العالمية والمعاهدات الدولية والخصوصية الحضارية للأمم والشعوب، ومن ثَمَّ تعطي لنفسها الحق (؟) في التدخل في شئون الأمم والشعوب تحت مسميات شتى، مثل: إقرار الديمقراطية، خدمة السلام العالمي، الحرب على الإرهاب، ترسيخ الحرية الدينية.. إلخ.

 

وهذا التدخل يتم في الدول الإسلامية والعربية بالدرجة الأولى، ويستثني الكيان النازي اليهودي في فلسطين المحتلة، ودول التعصب الاستعماري الصليبي، فلا يشير إليها بكلمة، وإن أشار فهو العتاب الرقيق الذي يتناول الهوامش دون الأساسيات.

 

وتبدو مصر العربية المسلمة في مواجهة المدفع العدواني الأمريكي دائمًا ومباشرةً، وحين أقول مصر فإني أعني الإسلام والمسلمين، وليس الحكومة والمسئولين، فالهدف الذي تستهدفه السياسة الأمريكية الصليبية المتعصبة هو الإسلام بوصفه عنصرَ المقاومة الذي لا يلين، ومنهج الرفض الذي يواجه الوحشية الاستعمارية الصليبية، سواء كانت تقودها الولايات المتحدة، أو دول أخرى في الغرب الاستعماري الصليبي.

 

وقد وصلت الولايات المتحدة بتدخلها الإجرامي حد التدخل المسلح الذي دمر أفغانستان، والعراق والصومال، وأعادها إلى عصور التخلف والبدائية، تحت ذرائع واهية وكاذبة لم تثبت صحتها، وكانت في تدخلها العسكري المشين تستقدم فوق دباباتها آلاف المنصِّرين، وملايين النسخ من الأناجيل، لتخرج المسلمين من إسلامهم، مع قتل مَن يقاومون وجودها العدواني، بل قتل الأبرياء الذين لا يعرفون أين تقع الولايات المتحدة.

 

وحين تصدر واشنطن ما يسمى بتقرير الحريات الدينية، وتخصُّ مصر بعددٍ كبيرٍ من الملاحظات، أو الاتهامات بمعنى أدق؛ حول اضطهاد غير المسلمين، فهي تتجاهل حقائق ساطعة، وواضحة، وتعلم قبل غيرها أنها اتهامات باطلة وزائفة، صنعها مجموعة من عملائها يعيشون على أرض مصر، ويتلقون منها التمويل المادي والمعنوي تحت لافتات جمعيات حقوق الإنسان، أو مراكز الدراسات الإنسانية أو الاجتماعية، ونحو ذلك، وهؤلاء العملاء- ومعظمهم طائفيون متعصبون أو متنصِّرون- يسخِّرون جهدهم ووقتهم للحرب على الإسلام والمسلمين؛ وفقًا للخطة الاستعمارية القديمة المتجددة التي تسعى لتنصير المسلمين، أو زحزحتهم عن مفاهيم الإسلام الصحيحة على الأقل، أو تحريرها من الإسلام كما يحلم بعض الخونة؛ في ظلِّ حكومات مستبدة، وفاشية تحكم المسلمين بالحديد والنار، وتشارك الغرب الاستعماري الصليبي نظرته إلى الإسلام، حيث تراه رجعيةً وإظلامًا وتخلفًا.

 

وقد أحسن الأزهر الشريف من خلال مجمع البحوث الإسلامية برده الهادئ على ملاحظات، أو اتهامات الولايات المتحدة مصر العربية المسلمة باضطهاد غير المسلمين، وفند الأكاذيب والأباطيل التي ردّدها العملاء المتعصبون بصور أخرى في أكثر من مكان، وأعلنوا الموافقة عليها ضمنًا في أكثر من مناسبة!.

 

لقد تضمن البيان ردًّا علميًّا وفقهيًّا على 16 ملاحظة صادرة في تقرير الخارجية الأمريكية، تتضمن الاتهامات التي يكيلها للمسلمين صباحًا ومساءً نفر من الرافضين للإسلام في بلادنا؛ منهم اليساري المتأمرك والعلماني والليبرالي، فضلاً عن الطائفي المتعصب، ومرتزقة الفكر والكتابة وخُدَّام الاستبداد في كل زمان ومكان.

 

 لقد انتقد المجمع ما جاء في تقرير الخارجية الأمريكية من حيث اعتراف التقرير بالتدخل الأمريكي في الشئون الداخلية لمصر، الذي وصفه المجمع بالمخطط الأمريكي الذي يصب في صالح العدو الصهيوني.

 

ورد البيان على ما أثاره التقرير من زواج المسلم من المسيحية، وزواج الشواذ، وإنفاق وزارة الأوقاف على المساجد دون الكنائس، وغيرها مما ورد في التقرير، وأكد وجود العديد من المغالطات الصارخة في تقرير وزارة الخارجية الأمريكية الخاص بالحريات الدينية في مصر عام 2010م، مشيرًا إلى أن بعضها مرجعه الجهل بحقائق الإسلام، وبحقائق أوضاع الأقليات في مصر، وبعضها الآخر مصدره سوء النية والرغبة في التدخل في شئون مصر الداخلية، وانتهاك سيادتنا الوطنية.

 

وفي مواجهة هذه المغالطات، يقدم المجمع إلى الرأي العام المحلي والعالمي وإلى الدوائر الأمريكية التي أعدَّت هذا التقرير وأصدرته.. وأيضًا إلى الأفراد والجماعات التي أمدت الإدارة الأمريكية بهذه المغالطات؛ يقدم المجمع إلى كل هؤلاء الحقائق التي تصحح الأكاذيب.

 

ونفى مجمع البحوث في بيانه وجود اتجاه مصري لتقييد حرية الاعتقاد، أو الممارسات الدينية، مشيرًا إلى أن بناء دور العبادة- في مصر- ينظمه القانون، ولبناء المساجد شروط تسعة، تفوق- في الضوابط- نظيرتها في بناء الكنائس، وأن نسبة عدد الكنائس في مصر- إلى عدد المواطنين المسيحيين- الذين يعيش كثير منهم في المهجر مقاربة لنظيرتها في المساجد المخصصة للمسلمين، وكنائس مصر، وأديرتها مفتوحة الأبواب على مدار الليل والنهار.. ومنابرها حرة لا رقيب عليها، ولا دخل للحكومة في تعيين القيادات الدينية المسيحية، على اختلاف درجاتها، بينما يتم شغل كلِّ الوظائف الدينية الإسلامية بالتعيين من قِبَل الحكومة، ومنذ عام 1952م، ضمت الحكومة الأوقاف الإسلامية، بينما ظلَّت الأوقاف المسيحية قائمةً، تديرها الكنيسة، وتحقق الحرية والاستقلال المالي للكنائس والأديرة والأنشطة الدينية المسيحية، مشيرًا إلى أن الدولة شاركت في نفقات إقامة كاتدرائية الأقباط الأرثوذكس بالقاهرة التي تعد أكبر كاتدرائيات الشرق على الإطلاق.

 

وتقوم وزارة الثقافة- في مصر- وعلى نفقة الدولة، برعاية الآثار الدينية المسيحية واليهودية- مثلها مثل الآثار الإسلامية سواء بسواء.

 

وحول النص الدستوري على أن دين الدولة في مصر هو الإسلام، وأن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وأن اللغة العربية هي اللغة القومية لمصر، قال المجمع في بيانه إن الإسلام جزء أصيل من تاريخ مصر الإسلامية، منذ أربعة عشر قرنًا، وهو تعبير عن هوية الدولة والمجتمع والأمة، مثلما تعبر العلمانية عن هوية بعض المجتمعات، وتعبر الليبرالية عن هوية مجتمعات أخرى، وفي هذه المجتمعات العلمانية والليبرالية تعيش أقليات إسلامية، لا تعترض على هويات المجتمعات التي تعيش فيها.

 

وأضاف البيان: أن هذه الهوية العربية والإسلامية لمصر، قد اختارتها وأقرتها اللجنة التي وضعت الدستور المصري عام 1923م، بإجماع أعضائها، بمن فيهم القيادات الدينية المسيحية واليهودية.. ولقد صدَّقت الأمة على هذا الاختيار في كلِّ التعديلات التي أجريت على هذا الدستور، على امتداد عقود القرن العشرين.. في تعبير حرٍّ عن إرادة الأمة، على اختلاف أديانها، وليست أمرًا مفروضًا على غير المسلمين.

 

وأضاف البيان أيضًا أن التشريعات الإسلامية لا تجور على الخصوصيات الدينية للمواطنين غير المسلمين، الذين أمرت الشريعة الإسلامية "أن يتركوا وما يدينون".. وعلاوة على ذلك، فإن القانون الإسلامي ليس بديلاً لقانون مسيحي، إذ المسيحية تدع ما لقيصر لقيصـر، وإنما هو بديل للغزو القانوني الاستعماري، الذي أراد الاستعمار فرضه على بلادنا في ظل الاحتلال.. فهو قانون وطني يعبِّر عن هوية المصريين والخصوصية الحضارية للشرقيين.

 

ووصف البيان دعوى منع الحكومة المصرية حرية التبشير بالمسيحية بأنها دعوى مجانبة للحق والصواب، مشيرًا إلى أن لكل صاحب دين سماوي- في مصر- حرية عرض دينه، والدفاع عنه، والدعوة إليه، أما الممنوع فهو التنصير، الذي تمارسه دوائر أجنبية غربية.. وجاء إلى بلادنا مع الغزو الاستعماري منذ القرن التاسع عشر.

 

وأضاف البيان؛ أن هذا التنصير الأجنبي الممنوع، يمثل خطرًا دائمًا على الكنائس المسيحية القومية، التي عانت منه كثيرًا، فهو لا يعترف بالإسلام، ولا بالمذاهب المسيحية الشرقية.

 

وقد فند البيان بقية الاتهامات التي وجهها تقرير الخارجية الأمريكية بالمنطق والعلم والدليل الحي، بيد أن المشكلة الحقيقية تكمن في تنصيب أمريكا نفسها قاضيًا يحكم على عقائد الشعوب وسلوكها الديني، والسياسي والاجتماعي، وفقًا لرؤيتها العنصرية المتعصبة، وتناست أنها سمعت الرئيس الفرنسي ساركوزي يجيِّش الشعب الفرنسي الكاثوليكي، ومن ورائه الشعوب الأوروبية؛ ليمنع الحجاب والنقاب بالقانون في فرنسا التي كانت ذات يوم تسمى بلد الحريات.