"جهّز الخليفة الصديق رضي الله عنه أربعة جيوش عسكرية لفتح بلاد الشام، واختار لها أكفأ قواده، وأكثرهم مرانًا بالحرب وتمرسًا بالقتال، وحدد لكل جيش مهمته التي سيقوم بها.

 

الأول: بقيادة يزيد بن أبي سفيان، ووجهته "البلقاء"، الأردن.

الثاني: بقيادة شرحبيل بن حسنة، ووجهته منطقة "بُصرى".

الثالث: بقيادة أبي عبيدة بن الجراح، ووجهته منطقة "الجابية"، وقد لحق خالد بن سعيد بجيش أبي عبيدة.

الرابع: بقيادة عمرو بن العاص، ووجهته "فلسطين".

 

وأمرهم أبو بكر الصديق بأن يعاون بعضهم بعضًا، وإذا اجتمعوا معًا فالقيادة العامة لأبي عبيدة بن الجراح.

 

وكان الصديق يودع قواده بهذه الكلمات: "لا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا صبيًّا صغيرًا ولا امرأة، ولا تهدموا بيتًا ولا بيعة، ولا تقطعوا شجرًا مثمرًا، ولا تعقروا بهيمة إلا لأكل، ولا تحرقوا نخلاً ولا تُغرقوه، ولا تَعص، ولا تَجبُن..".

 

وخصَّ عمرو بن العاص بهذه الوصية الربانية: ".. اسلك طريق إيلياء حتى تنتهي إلى أرض فلسطين، وإياك أن تكون وانيًا عما ندبتك إليه، وإياك والوهن، وإياك أن تقول: جعلني ابن أبي قحافة في نحر العدو ولا قوةَ لي به، واعلم يا عمرو أن معك المهاجرين والأنصار من أهل بدر، فأكرمهم واعرف حقَّهم، ولا تتطاول عليهم بسلطانك.. وكن كأحدهم وشاورهم فيما تريد من أمرك، والصلاة ثم الصلاة، أذَِّن بها إذا دخل وقتها، واحذر عدوك، وأمُرْ أصحابك بالحرس، ولتكن أنت بعد ذلك مطلعًا عليهم..".

 

وكان مجموع تلك القوات نحو 24 ألف مقاتل، فأمدهم دعمًا لهم لمواجهة جيوش الروم الغفيرة بعكرمة بن أبي جهل ومن معه من الرجال، ودارت المعارك شرسة مع الروم دون حسم فهدى الله الخليفة أبو بكر رضي الله عنه إلى بثِّ روح جديدة، فأطلق كلمته السائرة التي رددتها كتب التاريخ: "والله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد".

 

وبعث الصديق إلى خالد- رضي الله عنه- بأن يقدم إلى الشام ومعه نصف قواته التي كانت معه في العراق، حتى يلتقي بأبي عبيدة بن الجراح ومَن معه، ويتسلَّم القيادة العامة للجيوش كلها، وفي الوقت نفسه كتب الصديق إلى أبي عبيدة يخبره بما أقدم عليه، وجاء في كتابه:".. فإني قد وليتُ خالدًا قتال الروم بالشام، فلا تخالفه، واسمع له وأطع أمره، فإني قد وليته عليك، وأنا أعلم أنك خيرٌ منه، ولكن ظننتُ أن له فطنةً في الحرب ليست لك، أراد الله بنا وبك سبل الرشاد".

 

امتثل خالد بن الوليد- رضي الله عنه- لأوامر الخليفة، وخرج من الحيرة بالعراق في صفر 13 هـ في تسعة آلاف جندي، فسار شمالاً ثم عرج حتى اجتاز صحراء السماوة في واحدةٍ من أجرأ المغامرات العسكرية في التاريخ، وأعظمها خطرًا؛ حيث قطع أكثر من ألف كيلو متر في ثمانية عشر يومًا في صحراء مهلكة حتى نزل بجيشه أمام الباب الشرقي لدمشق، ثم سار حتى أتى أبا عبيدة بالجابية؛ فالتقيا ومضيا بجيشهما إلى "بصرى".

 

تجمَّعت الجيوش كلها تحت قيادة خالد بن الوليد، وحاصر بصرى حصارًا شديدًا واضطرت إلى طلب الصلح ودفع الجزية، فأجابها خالد إلى الصلح وفتحها الله على المسلمين في ربيع الأول 13 هـ، فكانت أول مدينة فُتحت من الشام صلحًا على أن يُؤمَّنوا على دمائهم وأموالهم وأولادهم، نظير الجزية التي سيدفعونها.

 

بعد سقوط بُصرى استنفر هرقل قواته فجهّز جيشًا ضخمًا، ووجَّهه إلى أجنادين من جنوب فلسطين، وانضم إليه نصارى العرب والشام.

 

نظَّم خالد بن الوليد جيشه البالغ نحو 40 ألف جندي، وأحسن صنعه وترتيبه على نحو جديد، فهذه أول مرة تجتمع جيوش المسلمين في الشام في معركة كبرى مع الروم الذين استعدوا للقاء بجيش كبير بلغ 90 ألف جندي.

 

شكّل خالد جيشه ونظّمه ميمنةً وميسرةً، وقلبًا، ومؤخرةً؛ فجعل على الميمنة معاذ بن جبل، وعلى الميسرة سعيد بن عامر، وعلى المشاة في القلب أبا عبيدة بن الجراح، وعلى الخيل سعيد بن زيد، وأقبل خالد يمر بين الصفوف لا يستقر في مكان، يُحرِّض الجند على القتال، ويحثهم على الصبر والثبات، ويشد من أزرهم، وأقام النساء خلف الجيش يبتهلن إلى الله ويدعونه ويستصرخنه ويستنزلن نصره ومعونته، ويحمسن الرجال.

 

وبعد صلاة الفجر من يوم 27 من جمادى الأولى 13 هـ أمر خالد جنوده بالتقدم حتى يقتربوا من جيش الروم، وأقبل على كل جمعٍ من جيشه يقول لهم: "اتقوا الله عباد الله، قاتلوا في الله مَن كفر بالله ولا تنكصوا على أعقابكم، ولا تهنوا من عدوكم، ولكن أقدموا كإقدام الأسد وأنتم أحرار كرام، فقد أبيتم الدنيا واستوجبتم على الله ثواب الآخرة، ولا يهولنَّكم ما ترون من كثرتهم فإن الله منزلٌ عليهم رجزه وعقابه، ثم قال: أيها الناس إذا أنا حملت فاحملوا".

 

وكان خالد بن الوليد يرى تأخير القتال حتى يصلوا الظهر وتهب الرياح، وهي الساعة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب القتال فيها، ولو أدَّى ذلك أن يقف مدافعًا حتى تحين تلك الساعة.

 

أعجب الروم بكثرتهم وغرتهم قوتهم وعتادهم فبادروا بالهجوم، فأقبل خالد على خيل المسلمين، وقال: "احملوا رحمكم الله على اسم الله" فحملوا حملةً صادقةً زلزلت الأرض من تحت أقدام عدوهم، وانطلق الفرسان والمشاة يمزقون صفوف العدو فاضطربت جموعهم واختلت قواهم.

 

فلما رأى قائد الروم أن الهزيمة واقعة لا محالة بجنوده قال لمَن حوله: لفوا رأسي بثوب، فلما تعجبوا من طلبه قال: يوم البئيس لا أحب أن أراه! ما رأيت في الدنيا يومًا أشد من هذا، وما لبث أن حزَّ المسلمون رأسه وهو ملفوفٌ بثوبه، فانهارت قوى الروم، واستسلمت للهزيمة، ولما بلغ هرقل أخبار الهزيمة أسقط في يده وامتلأ قلبه رعبًا.

 

وبلغ قتلى الروم في هذه المعركة أعدادًا هائلة تجاوزت الآلاف، واستشهد من المسلمين 450 شهيدًا.

 

وبعد أن انقشع غبار المعركة وتحقق النصر، بعث خالد بن الوليد برسالةٍ إلى الخليفة أبي بكر الصديق يبشره بالنصر وما أفاء الله عليهم من الظفر والغنيمة، وجاء فيها: ".. أما بعد فإني أخبرك أيها الصديق إنا التقينا نحن والمشركين، وقد جمعوا لنا جموعًا جمَّة كثيرة بأجنادين، وقد رفعوا صُلبهم، ونشروا كتبهم، وتقاسموا بالله لا يفرون، فخرجنا إليهم واثقين بالله متوكلين على الله، فطاعناهم بالرماح، ثم صرنا إلى السيوف، فقارعناهم في كل فجٍّ.. فأحمد الله على إعزاز دينه وإذلال عدوه وحسن الصنيع لأوليائه"؛ فلما قرأ أبو بكر الرسالة فرح بها، وقال: "الحمد لله الذي نصر المسلمين، وأقرَّ عيني بذلك"(5). هذه الرواية الموثقة من تاريخ الطبري وابن الأثير والأزدي وحسن إبراهيم.

 

هذه صفحة مضيئة من هجرة وجهاد الدعاة أنسى الله بهم الروم وساوس الشيطان، فما إن انكسرت شوكة الفرس عبدة النيران، حتى سارعوا دون احتفالات واسترخاء إلى إمبراطورية الرومان عبدة الصلبان، ونازلوا هرقل وجيشه بكل رجولة وإيمان، ولقوا منهم ما لم يكن في الحسبان، وغربت شمسهم في بلاد الشام، ورفعت المآذن كلمة التوحيد تدوِّي في كل مكان، حتى إذا تغيَّرت النفوس، من هجرةٍ وجهاد، إلى سكون ورقاد، واهتمام بالزرع والحصاد، التصقت أيدينا بالرماد، وغدًا أمرنا بيد الأوغاد من أعداء الإسلام في كلِّ وادٍ.