لم تكن دعوة الإسلام الحبيسة في مكة قبلة الشرك وحاميته، تستطيع أن تتحرك وتنتشر، وتبلغ تعاليمها، فضلا عن أن تكوِّن أمة ودولة، ترفع لواء التوحيد، وتجاهد في سبيل تغيير الواقع العالمي الفاسد، وأباطرة الشرك، وسدنة الأوثان بيدهم مقاليد الأمور، وتتنازعهم العصبيات والعنصريات التي أعمت أبصارهم، وغلَّفت قلوبهم، وتدفعهم إلى وأد الفكرة، وتعذيب معتنقيها حتى الموت بغير شفقة أو رحمة، ثم حصار قائدها اقتصاديًّا واجتماعيًّا ونفسيًّا، وتآمرهم عليه وتدبيرهم لقتله والتخلص منه.

 

كل ذلك وأضعافه، جعل التفكير في الهجرة من مكة أمرًّا حتميًّا، وجعل الصبر على هذا العنت والعذاب في ذلك البلد، وتحمل المشاق والمصاعب فيه، حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً، شيئًا مطلوبًا حتى تأتي ساعة الخلاص، إما مرحليًّا كما كانت هجرة الحبشة أو نهائيًَّا في الهجرة إلى المدينة، وكان هذا مطلوبًا أيضًا لصهر اللبنات، وتعود التضحية في سبيل المبادئ، والصبر على لأواء الطريق الطويل طريق الدعوات، والجهاد الشاق الذي سيصاحب أصحاب الدعوات أثناء المسيرة في وعورة العقبات، ودروب الفساد في جميع مسالك الحياة، وكان لزامًا أيضًا أن يضرب القائد والصحب الأول، المثل الحي في ذلك، حتى يقتدي بهم الركب الطويل من السائرين على آثارهم.

 

وكان لزامًا على الدعوة المهاجرة أن تحقق الكثير من المواصفات للصف المسلم حتى يستطيع الانطلاق إلى الآفاق المطلوبة في تغيير الواقع العالمي السيئ بكل المقاييس، أفرادًا وشعوبًا ودولاً، ولقد حققت الدعوة المهاجرة الكثير من هذه المواصفات، منها:

1- تفضيل العقيدة على الأموال والأهل والولد، وكل شيء، وقد ظهر ذلك بكل أنواعه وأشكاله في الهجرة، فكان الرجل يخرج ويترك ماله ودياره وضياعه وأولاده، ويشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، وصدق الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)﴾ (البقرة)، ويتجرد من كل شيء إذا عارض عقيدته، بل يخرجه حتى من قلبه وينزع عنه حبه من فؤاده حسب أمر ربه سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾ (التوبة).

 

2- الأخوة ووحدة الصف: تلك التي كانت مضرب الأمثال، وحداء الركبان في الهجرة؛ حيث يآخى المؤمنون أخوة الحب والعقيدة والجهاد والمصير، أخوة أشاد بها القرآن المجيد في آياته سجلاً في الأرض وفي السماء، فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)﴾ (الحشر).

 

فكان رباط الأخوة الإيمانية الذي أعلن البراء من كل ما كان من جاهلية الشرك والأوثان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23)﴾ (التوبة).

 

3- مرحلة الدعوة الجماعية التي تساندها دولة وقوة وكوكبة من الدعاة وأصحاب الفكر والحجة، لا يكبتهم فاجر قاهر، ولا يمنعهم مستكبر آثم، من الوصول إلى العقول والأفهام، ولا يحول بينهم وبين إظهار الحق وإبطال الباطل قوى مسيطرة تريد الفساد وتحميه، وصدق الله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)﴾ (آل عمران).

 

4- الانتقال من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة الندية والقوة، مرحلة كف الأيدي والتحمل والصبر على الظلم والعذاب والعنت، إلى مرحلة الدفاع عن الدعوة والدعاة ورد الظلم بالردع: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)﴾ (الحج)، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126)﴾ (النحل).

 

5- قيام الدولة التي تحمل الفكرة، وتعلِّم الناس الخير، وتطبق الإسلام تطبيقًا عمليًّا، ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)﴾ (المائدة).

 

6- قيام خير أمة أُخرجت للناس بتنفيذ الهدي الإلهي والنبوي، وتحقيق العبودية لله الواحد القهار، وقيامهم على الحق وعلى تبليغه، ونهيهم عن المنكر، ومنعهم إياه، وحجز الناس عنه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110)﴾ (آل عمران).

 

7- تنظيم الصلة بين المسلمين وغيرهم؛ حيث قام صلى الله عليه وسلم بإقامة الوحدة السياسية والنظامية بين المسلمين واليهود، وعقد بينهم وبين المسلمين معاهدةً، ترك لهم فيها مطلق الحرية في الدين والمال، ولم يتجه إلى سياسة الإقصاء، بل جعلهم أمة مع المؤمنين، بينهم النصرة على من حارب أهل المدينة، وبينهم النصح والنصرة للمظلوم، وأن ما يحدث من شجار يُخاف فساده، يُعامل بالقانون، ويرد إلى الله ورسوله، ولا يحول دون عقاب ظالم أحد من المسلمين أو اليهود، وصارت دولة الإسلام بهذا دولة وفاقية متعددة الديانات، يعيش الناس فيها بسلام واطمئنان، ولهذا كانت الهجرة النبوية مثالاً يُحتذى، ويستطيع أن يبشر بدعوته كل البشر الذين يريدون الأمن والسلام، في ظل مجتمع كريم عظيم، في الدنيا: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)﴾ (آل عمران)، فهل تسمع الدنيا هذا النداء اليوم؟!، نسأل الله ذلك.