- د. أحمد عبد الوهاب: التقرير الأمريكي مريب لافتقاده الدليل العلمي

- صفوت الزيات: أمريكا لها تجارب سابقة باستخدام الحيوان عسكريًّا

- اللواء عادل سليمان: نحتاج لتجارب عديدة للوصول للحقيقة كاملة

 

تحقيق: يارا نجاتي

اتهامات رسمية، وغير رسمية، وجَّهتها جهات مصرية متعددة للكيان الصهيوني بعد حوادث هجوم أسماك قرش على سُيَّاح بمدينة شرم الشيخ، وكان أبرزها تصريحات محافظ جنوب سيناء محمد عبد الفضيل شوشة "إن ما يتردد بشأن إلقاء الموساد سمكة القرش القاتلة أمر غير مستبعد، بهدف النيل من القطاع السياحي في مصر".

 

فيما صرَّح مدرب الغوص المصري بمدينة شرم الشيخ مصطفى إسماعيل، لقناة (الجزيرة) بأنه حصل على معلومات من غواص صهيوني تفيد بقيام تل أبيب بزرع أجهزة تتبع لاسلكية في أجزاء من جسم أسماك القرش وإدخالها المياه المصرية، وأضاف أن تلك الأسماك غريبة عن المياه البحرية، ويتم جلب صغارها من المحيطات عبر صناديق صغيرة من دول مثل البرازيل، وتربيتها في أحواض بمدينة إيلات، ووضع أجهزة التتبع في أجزاء من أجسامها ليسهل تحريكها إلى أماكن تجمع السائحين على شواطئ شرم الشيخ.

 

وأكد أنه بعد مغادرة آخر سائح صهيوني بدأت عملية مهاجمة أسماك القرش للأجانب؛ ما يعني أنه أمر معد سلفًا، خاصة أن موسم السياحة يزدهر في مصر مع اقتراب رأس السنة.

 

ونشرت صحيفة (الإندبندنت) البريطانية في عددها الصادر بتاريخ (2 مارس عام 2006م) نقلاً عن مجلة (نيو ساينتست) العلمية أن علماء وزارة الدفاع الأمريكية يعكفون على تطوير زرع دماغ لأسماك القرش؛ لاستخدامها في أغراض التجسس والعمليات العسكرية.

 

وأشارت الصحيفة إلى أن تجربة زرع الأدمغة نجحت عندما تمت تجربتها على كلب البحر، إلا أن عملية زرع دماغ لأسماك القرش ما زالت طور التطوير، والدراسة تؤكد أن هذه العملية سيكون لها دور مهم جدًّا استخباريًّا نظرًا لما تتمتع به أسماك القرش من قدرة على التسلل خفية إلى فريستها؛ ما يتيح لها تتبع السفن وتنفيذ عمليات استخبارية مطورة باستخدام أجهزة التحكم عن بعد.

 

كما أثارت ممثلة وزارة السياحة الصهيونية في موسكو مزيدًا من الريبة حين صرَّحت لموقع (روسيا اليوم) بأن السلطات الصهيونية تستبعد اقتراب أسماك القرش من شواطئ إيلات؛ لأنها تستعمل أجهزة فريدة من نوعها من أجل مراقبة أسماك القرش؛ ما يجعل احتمال اقترابها من الشواطئ ضئيلاً جدًّا.

 

وتسجل مصر بتلك الهجمات 15% من نسبة الهجوم العالمي السنوي لسمك القرش في بحار ومحيطات العالم، خلال أقل من 10 أيام، والتي كانت تقدر بنحو 20 هجومًا تقريبًا في العام الواحد، ولم تشهد الشواطئ المصرية سوى هجوم واحد من أسماك القرش طوال الـ٥ سنوات الماضية، راح ضحيتها طفل تصادف وجوده على الشاطئ.

 

ولجأت السلطات المصرية إلى فريق أمريكي متخصص في دراسة هجمات أسماك القرش المفترسة، وأوضح قائد فريق البحث في تصريحات صحفية أن الهجمات التي تعرضت لها شرم الشيخ "غير طبيعية بالمرة"، وأنها واحدة من أغرب القضايا التي تعرَّض لها خلال سنوات حياته العملية التي استمرت لـ30 عامًا، وشبهها بهجمات حدثت بالشواطئ البرازيلية لم يتعرف على أسبابها إلا بعد عشر سنوات من وقوعها.

 

وفي تقريره النهائي الذي قدَّمه السبت الماضي، قال: إن احتمالية تكرار هجوم جديد أمر وارد بنسبة طبيعية مثل أي مكان، فأي إنسان يخرج للطبيعة، هو معرض لعوامل الطبيعة.

 

وجاء التقرير النهائي الذي أعلنه محافظ جنوب سيناء واسعًا فضفاضًا، واتفق فيه مع الفريق الأمريكي الذي لم يمكث لدراسة المشكلة سوى أربعة أيام فقط، أن خمسة أسباب كانت وراء هجمات أسماك القرش على شواطئ شرم الشيخ، وهي نفس الأسباب، والاحتمالات التي ساقها العلماء المصريون مع أول حادثة هجوم.

 

وتمثلت الأسباب في إلقاء الحيوانات النافقة مقابل سواحل شرم الشيخ، والممارسات الخاطئة من السياح مثل إطعام أسماك القرش، والصيد الجائر الممنوع في البحر الأحمر، والطبيعة الطبوغرافية التي تسمح للأسماك بالاقتراب من الشواطئ!!، واستمرار دفء مياه البحر الأحمر أمام سواحل شرم الشيخ بسبب التغيرات المناخية.

 

وكان علماء آخرون قد أرجعوا الهجوم إلى بعض التجارب النووية التي جرت في خليج العقبة؛ ما أثر بارتفاع درجة الحرارة إلى تغير معدل التمثيل الغذائي في أسماك القرش، وبالتالي تزيد سرعة الهضم، ومن ثم احتياجها للغذاء فتهاجم بحثًا عن الغذاء، وتعرَّف الخبراء الدوليون على فصيلتين مختلفتين من سمكة القرش في الصور التي عرضتها عليهم السلطات المصرية؛ حيث قام قرش واحد بشن هجومين، فيما تتحمل فصيلة أخرى مسئولية الهجومين الأخرين.

 

التقارير الفضفاضة التي صدرت عن الجانبين المصري والأمريكي دعتنا إلى طرح استفهامات الحدث على العلماء بالبيئة، والخبراء العسكريين لمعرفة رأيهم في تلك الهجمات.

 

حرب بيئية

 الصورة غير متاحة

 د. أحمد عبد الوهاب

بدايةً، لا يستبعد الدكتور أحمد عبد الوهاب، أستاذ علوم البيئة بجامعة بنها، أن يكون سبب تغير سلوك أسماك القرش قُبالة شرم الشيخ، راجع إلى استخدام قطع إلكترونية يتم زرعها داخل أسماك القرش للقيام بدراسات علمية على سلوكها، كتتبع حركتها ومتابعة أعدادها من حيث الزيادة أو النقصان، والبيئة التي تعيش فيها.

 

ويتوقع استغلال تلك الرقائق الإلكترونية بشكل خاطئ، وتوجيه القروش لشواطئ محددة؛ لتهديد أمن السياح، وضرب السياحة على تلك الشواطئ، قائلاً: إن استخدام تلك التكنولوجيا أصبح واسعَ الانتشار بين العلماء على كلِّ أنواع الحيوانات.

 

ويشبه د. عبد الوهاب عملية توجيه أسماك القرش، بتكنولوجيا تسيير طائرات بدون طيار، وأكد أنه لم يعد هناك ما يمكن رفض تصديقه في العلم، موضحًا أن ذلك النوع من الحرب ينتمي إلى الحروب البيئية التي تتم بين الدول؛ حيث إن جذب سمك القرش بشكل كبير إلى جهة معينة يهدد الأسماك كبداية، وبالتدريج ينتقل التهديد إلى الإنسان.

 

ويضيف إلى أسباب الهجوم احتمالين آخرين هما: حادثة إلقاء الخراف النافقة في البحر الأحمر، بما يجذب أسماك القرش إلى الشواطئ، مؤكدًا أن تلك الخراف ستتحلل ببطء شديد نظرًا لارتفاع نسبة ملوحة مياه البحر الأحمر، على عكس مِن نفي البعض بقاء أجساد تلك الخراف وتحللها بعد هذه المدة التي تصل إلى شهر كامل.

 

ويضيف "السبب الثاني الذي يجذب أسماك القرش للاقتراب من الشاطئ هو إسراف السياح في إطعام الأسماك بإلقاء كميات كبيرة من اللحوم والدواجن؛ ما جعل نسبة الطعام تزيد في البحر الأحمر بما لا يتناسب مع الثروة السمكية هناك فاقتربت القروش من الشاطئ للحصول على طعامها"، على الرغم من أن أسماك القرش بطبيعتها لا تميل للتواجد في الأماكن المزدحمة.

 

ويستنكر قيام الحكومة المصرية باستدعاء علماء أمريكان في الوقت الذي تتميز فيه مصر بعلماء في ذلك المجال على أعلى مستوى علمي في علوم البحار وتخصصات أسماك القرش، كما يشير إلى أن التقرير العلمي للفريق الأمريكي الذي لا يقدم أدلةً وإثباتاتٍ على نتائجه فهو حديث قابل للرد، وليس أسلوبًا علميًّا دقيقًا.

 

ويرى أنه من العبث أن نقف مكتوفي الأيدي أمام تلك النتائج غير المثبتة علميًّا، فننتظر مرة أخرى لنرى إذا كانت ستُكَرِّر أسماك القرش هجومها أم لا حتى نتأكد من نتائج التقرير، ويتابع قائلاً: ما خرج به التقرير الأمريكي لا يعتبر كلامًا علميًّا؛ لأنه لم يتم وفقًا لأبحاث دقيقة، نظرًا لأن الأبحاث على الأسماك والوصول لأسباب تلك الظاهرة المتكررة تحتاج إلى اصطياد عشرات بل مئات القروش ودراستها، والتمكن من إعادتها مرة أخرى حية للماء لاستكمال الدراسة عليها، واصفًا ما خلص إليه التقرير الأمريكي بأنه مجرد رأي وحديث لطمأنة المواطنين، وتجميل صورة مصر أمام السياح، ورفع الخطأ عن المسئولين المصريين.

 

ويلفت إلى أن النتائج الفضفاضة لذلك التقرير تدعو للشك فيها؛ لأن ما حدث ظاهرة علمية تحتاج متابعة للوصول إلى أسبابها، خاصة أن سمك القرش طالما كان مسالمًا في البحر الأحمر، وهياجه الآن أمر غير طبيعي.

 

تجارب سابقة

 الصورة غير متاحة

العميد أركان حرب صفوت الزيات

ويرى العميد أركان حرب صفوت الزيات، الخبير العسكري والإستراتيجي، أن الولايات المتحدة الأمريكية لها شطط في ارتياد عوالم جديدة في المجال الدفاعي والاستخباراتي، ومن المحتمل جدًّا أن تكون قد تمكنت من تطوير أدمغة أسماك القروش، وأطلقتها في المياه الإقليمية والاقتصادية طالما أنها تحاول القيام بذلك منذ فترة، موضحًا أن أهم أهدافها يكون رصد تحركات الغواصات النووية والغواصات الصغيرة جدًّا واكتشافها، كالذي تقوم به الولايات المتحدة على طول الساحل الأمريكي من وضع أنظمة استشعار عن بعد، وأجهزة إنذار لخلق خط دفاعي بحري طبيعي أمامي (ماجينو) لرصد أي اختراق لتغلل غواصات عسكرية لسواحلها.

 

ويشير إلى أن أمريكا صاحبة تجارب سابقة في استخدام أنواع مختلفة من الحيوانات في الأمور العسكرية، كاستخدام الكلاب، وعدد آخر من الحيوانات في الحرب على أفغانستان حتى الآن، من خلال أجهزة الاستشعار والإنذار، وتدريب الحيوانات على أعلى المستويات، موضحًا أن الولايات المتحدة ترصد ميزانيات ضخمة لتطوير ذلك النوع الطبيعي من الأسلحة، ومن المعروف أن ميزانية أبحاث الولايات المتحدة الأمريكية تعادل ميزانيات دول العالم أجمع، فهي تبذل أقصى طاقتها العلمية والمادية للوصول إلى تكنولوجيا جديدة، ومتقدمة، ومختلفة دائمة في المجال الحربي، والاستخباراتي.

 

ويوضح أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى دائمًا لتوفير المزيد من الأنظمة التي تقدِّم لها قدرًا مقبولاً من الإنذار المبكر، بعد نجاحها، وسيطرتها على الاستطلاع من خلال الجو، والفضاء، وتحت الماء، وبعد امتلاكها لأكثر من 14 قاعدةً جويةً وبحريةً على طول الساحل العربي في مواجهة إيران، وعقدها الاتفاقيات والتسهيلات الدفاعية الثنائية مع دول الخليج العربي.

 

ويؤكد أن تلك المعلومات لا ينبغي أن ترفع المسئولية عن الإدارة المصرية، بعدما تعدى الإهمال في شواطئ البحر الأحمر قدرتها على السيطرة عليها، من التسيب في الصيد الجائر، وعدم متابعة المسطحات المائية والشُّعَب المرجانية، وإطلاق حرية غير محدودة بالمناطق المائية الملاصقة للغرف الفندقية.

 

التدقيق العلمي

ويتفق اللواء عادل سليمان المدير التنفيذي للمركز الدولي للدراسات المستقبلية والإستراتيجية في عدم استبعاد احتمالية الاستخدام العسكري للوسائل الطبيعية في مواجهة مصر، موضحًا أن التطبيق العملي للتحكم التكنولوجي في تحرك الحيوانات لم يتضح بشكل واسع على أرض الواقع.

 

ويقول: "لذلك نحتاج إلى مزيد من الأبحاث العلمية، والتدقيق في الحوادث ودراستها وتحليلها تحليلاً جيدًا ومتأنيًا؛ للوصول إلى الأسباب الحقيقية وإثباتها، حتى نتمكن من مواجهتها، في حال تأكدنا من كونها هجومًا حربيًّا أم لا"، مؤكدًا أن الطريق العلمي سيمكننا من معالجة المشكلة، ورؤية التغيرات الحقيقية؛ لكي نتوقف عن حالة العجز التي نعيشها بإلقاء التهم على أنظمة، وكيانات أخرى بدون أدلة ملموسة تمكننا من الدفاع عن أنفسنا ومواجهتهم.