![]() |
|
عبد المعطي زكي |
أشد ما يثير شجوني في أحداث الأحد الأسود الثامن والعشرين من نوفمبر 2010م أن القائمين عليه لم يفكروا للحظة في مصلحة هذا البلد، ولم يدركوا للحظة حقائق المشهد السياسي والمجتمعي وتداعيات التزوير وتزييف إرادة الجماهير على اليتيمة مصر داخليًّا وخارجيًّا.
ألف باء سياسة تقول: إنّ استقرار الداخل برسوخ العدالة وتكافؤ الفرص، ورسوخ مبدأ المواطنة هو المدخل الحقيقي نحو سياسة خارجية نشطة، ودور إقليمي متصاعد، وهو الأمر الذي فهمه الأتراك جيدًا، وكانت النتيجة هي الصعود التركي المتنامي المتمثل في الداخل المستقر، ومعدلات النمو المتصاعدة، وتحجيم دور الجيش في السياسة، والنجاح في إجراء إصلاحات دستورية نجحت في ترسيخ مفهوم الدولة المدنية، وهو ما نفتقده بشدة في مصر لافتقاد مرتكزات الديمقراطية من سيادة القانون، ومجالس منتخبة تعبِّر عن إرادة الجماهير؛ جاءت من خلال انتخابات نزيهة، فهم لا يعرفون التزوير، وأهم من كلِّ ذلك نخبة سياسية صالحة تمثل القدوة فلا يملك أحد أن يتطاول على القانون والدستور، كما يحدث في مصر، وسوف أعرض باختصار لحقائق المشهد السياسي مركزًا على الملفات الرئيسية.
1- ملف حوض النيل:
أخطر الملفات، فخمسةٌ على الأقل من دول الحوض ترفض التوقيع على الاتفاقية الإطارية لدول الحوض، وتطالب بإلغاء الاتفاقيات السابقة الموقَّعة، وإعادة توزيع حصص المياه، والخطورة أن مصر الآن تعاني نقص المياه، وهي الآن من دول الندرة المائية التي يقل فيها نصيب الفرد السنوي عن 1000 متر مربع، والأمر يزداد خطورةً مع انفصال الجنوب المتوقع عقب استفتاء التاسع من يناير 2011م، ومعروف لنا كمصريين أن أحلام الوحدة بين الشمال والجنوب دُفنت مع حادث مقتل جون جارنج المشبوه في حادث طائرة مدبّر، وكانت مصر تحتفظ بعلاقات وثيقة مع جارنج؛ وبموته تصبح كلُّ الاحتمالات مفتوحة، وأولها انفصال جنوب السودان، وظهور دولة جديدة في حوض نهر النيل يمرُّ عبرها النيل الأزرق، وتملك إن أرادت إقامة سدود على أرضها دون مخاطر تُذكَر؛ لأنّ انحدار مجرى النهر في الجنوب قليل، وهناك أرض سهلية صالحة للزراعة، وبالتالي فإن إقامة السدود سوف تؤثر بالسلب على حصة مصر من مياه النيل.
وباختصار فإنّ المفاوضات مع دول الحوض ستزداد صعوبةً مع نشأة دولة جديدة، وقد يسأل سائل: لماذا هذا التشاؤم؟ والإجابة باختصار أن التغلغل الإسرائيلي في الجنوب قديم وشديد، وعلاقة إسرائيل بالنخبة السياسية في الجنوب قوية ومعلنة، فإسرائيل ساندت الجبهة الشعبية بالمال والسلاح والتدريب، والموساد له وجود راسخ في الجنوب، ومعروف أن إسرائيل تسعى من قديم حتى قبل قيام الدولة إلى الحصول على نصيب من مياه النيل.
ولما فشلت بدأت في ممارسة سياسة شد أطراف مصر في حوض النيل، وتمثل ذلك في تأليب دول الحوض على مصر، ودعوتها إلى توقيع اتفاقيات جديدة لإعادة توزيع الحصص، وإلغاء الاتفاقيات الموقّعة والتي تتمسك بها مصر، والأمر جِدُّ لا هزل فيه، فهي مسألة تتعلق بالأمن القومي لمصر، فإهمال مصر الملف الإفريقي لفترة طويلة وغياب البعد الإفريقي في سياستها مكّن إسرائيل من ترسيخ وجودها في حوض النيل، وتطبيق سياسة شد الأطراف بنجاح، بل إن هذه السياسة تطورت إلى ما يسمى بسياسة بتر الأطراف، وهو ما سيحدث بالتأكيد مع قيام دولة الجنوب، وما هو محتمل بالنسبة لدارفور التي يتم الترتيب لها مع ظهور اليورانيوم فيها، ونشوء حركات تمرد مسلَّحة تدعو إلى الانفصال، وأوقن أن الانفصال في الجنوب سيدفع الحركات الانفصالية في دارفور بل إنهم من الآن يطالبون بتعيين نائب للرئيس من دارفور، وإعادة توزيع الثروة.
2- تقسيم السودان وتهديد الأمن القومي المصري:
انفصال الجنوب المتوقع واحتمالات تدهور الأوضاع في دارفور ووجود قلائل في شرق السودان واحتمال ظهور حركات تمرُّد هناك كل ذلك يضعف السودان كدولة، ويخلق لها بؤر صراع جديدة، والسودان المقسّم سوف يكون بيئة خصبة للتغلغل الإسرائيلي، وكل ذلك بالتأكيد سينعكس بالسلب على الأمن القومي المصري، خاصة مع وقوع السودان على الحدود الجنوبية لمصر، وهو أمر سيجعل تأمين الجنوب مهمةً عاجلةً ويرتب استحقاقات مادية وإستراتيجية على الجيش المصري، ويوثر بالسلب في المعركة الرئيسية مع العدو الرئيسي في الشمال، وهو "إسرائيل"- وهو أمر قادم لا محالة- للفشل الذريع لما يُسمى بعملية السلام.
3- تدهور الموقف في القضية الفلسطينية:
المحللون يشهدون بتصاعد ملف التهويد في الأرض المحتلة، والتركيز على تهويد القدس الذي قارب على الانتهاء، والخطورة في الخطوات الممنهجة التي تنتهجها إسرائيل في التهويد، وتغيير معالمها الإسلامية، والحفريات التي تتم تحت المسجد الأقصى المبارك حتى كاد البناء أن يصبح معلقًا، والخطير أن الحفر يتم باستخدام مواد كيماوية تذيب الصخور بحيث تتم الجريمة في هدوء وهناك مدينة يهودية بكنسها وقاعاتها تحت المسجد الأقصى، ويمكن لزلزال متوسط القوة أنْ يدمر المسجد الأقصى؛ لأن البناء أصبح تقريبًا بلا قواعد، وتدمير المسجد بلا شك سوف يكون له آثار مدمرة على العالم العربي والإسلامي.
وبالتأكيد سيوثر على كلِّ النظم الاستبدادية، ويضرب الاستقرار المجتمعي الضعيف أصلاً في مقتل، وقد يؤدي إلى حالة من الفوضى المدمرة التي ندعو المولى- عزَّ وجلَّ- أن يقينا شرورها، وقد وجدنا كيف وقفت كلُّ القوى الصهيونية بقوة ضد تعيين مدير عربي مسلم لليونسكو؟، والسبب هو الخوف من تصعيد الجهود الدولية لحماية التراث العالمي التاريخي والديني في فلسطين مما تقوم به إسرائيل، وتخشى أن يتوقف في حالة تعيين مدير عربي مسلم لليونسكو المسئول مع كامل الأسف عن حماية التراث العالمي، والذي لم نسمع له صوتًا على ما يجري في القدس مع أن صوته كان صاخبًا عندما دمرّت طالبان تماثيل بوذا.
ونحن هنا ندق ناقوس الخطر على ما يجري في القدس والخوف هنا في التعتيم الإعلامي المفروض على القضية، الذي قد يجعل الناس تستيقظ يومًا وقد دمر المسجد الأقصى.
4- الدولة الرخوة وضياع هيبة القانون:
وهذا أكبر خطر يهدد مصر، فالدولة هي أول مَن يخالف القانون، ويمتنع عن تنفيذ أحكام القضاء، وتستعين بالبلطجية لنصرة مرشحي الحزب الحاكم وتخويف المنافسين وتقفيل الدوائر وتسويد الصناديق، بل وصل الأمر في يوم الأحد الأسود إلى جرأة وقحة أن امتد التسويد إلى اللجان العامة وفي حضور القضاة، ووصل الترهيب إلى حد منع مندوبي المرشحين من دخول اللجان وإعطاء مرشحي الحزب الوطني آلاف الأصوات في دوائر لم يحضر فيها إلا بضع عشرات.
وخطورة الأمر أن مجاهرة الدولة بمخالفة القانون وقيام وزارة الداخلية برعاية هذه الممارسات غير القانونية بل والمشاركة في بعض الأحيان فيها إلى الحدِّ الذي يتم فيه الاعتداء على أحد القضاة، وحبسه لمجرد محاولته التحقيق في حالة تزوير فجٍّ كما حدث مع القاضي وليد الشافعي، كل هذا يزيد من الجرأة على مخالفة القانون وممارسة العنف، وهو أمر ستكون له بالتأكيد تداعيات اجتماعية خطيرة، ندعو الله أن يحمي أرض الكنانة منها.
5- الجرأة المباشرة على سلطة الدولة:
وهذا ظهر بوضوح فيما حدث في العمرانية، وما قام به بعض الأقباط، وبطريقة منظمة وصلت إلى حدِّ حضور آلاف منهم من الصعيد، والهجوم على محافظة الجيزة، وبجرأة عجيبة لم تحدث من قبل رغم تحلّي رجال الأمن بقدر كبير من ضبط النفس، ولم يتوقف التظاهر، وأعمال العنف إلا بعد قيام قوات الأمن بواجبها والقبض على مثيري الشغب.
ومرة أخرى أقول إن وجود هذه التجاوزات على هيبة الدولة سببه الرئيسي هو عدم إعمال مبدأ سيادة القانون وتجرؤ الدولة على عدم تنفيذ الأحكام؛ بحيث أصبح كلُّ صاحب حاجة يسعى إلى تنفيذها بنفسه، وهو أمر خطر ونذير شؤم، وكلنا يعلم عواقب ضياع سلطة الدولة، وهو أمر خطير أرجو أن يتنبه إليه أولو الأمر.
6- وجود حالة شديدة من الاحتقان وعدم التوافق المجتمعي:
وهذا قد لا يلتفت إليه كثيرون مع أهميته القصوى؛ لأن التراضي بين الحاكم والمحكوم من أهم أسباب حصانة الجبهة الداخلية، وهو أمر شديد الأهمية في حفظ اللُّحْمة المجتمعية وتحصين المجتمع من أي فوضى محتملة، والسبب الرئيسي لذلك هو فقدان الثقة بين الحاكم والمحكوم وفقدان هيبة القانون؛ وليدرك القارئ الكريم أهمية ذلك أقول إن المؤتمر السنوي الذي يعقده مركز هرتزليا للدراسات الإستراتيجية في إسرائيل يقيس ما يسمى بالمناعة القومية لإسرائيل، وأهم مؤشراتها: وجود نوع من التوافق المجتمعي على النظام الحاكم، وتوافر الديمقراطية التي تظهر في تساوي الجميع أمام القانون وشفافية القرارات التي تصدر عن الحكومة وأين هذا مما يحدث في أرض الكنانة؟
بل إن المهمة الرئيسية لمركز ديان هو تصميم مشروعات التفتيت، وهو ما تم بامتياز في شمال العراق، وجنوب السودان، وما حدث في يوم الأحد الأسود ضرب حصانة الجبهة الداخلية في مقتل، وأصبح هناك فجوة كبيرة بين الحاكم والمحكوم.
وفي النهاية أقول إنه لا بدَّ من تدارُك ما خلّفه يوم الأحد الأسود من تداعيات، وتنفيذ أحكام القضاء، وإن لزم الأمر إعادة الانتخابات وعدم الالتفاف على أحكام القضاء حتى ينعقد المجلس الجديد ويكون "سيد قراره"؛ لأن المجلس بهذه الصورة سيكون فاقدًا للمشروعية؛ ولأنني لا أملك إلا قلمي أدعو الرئيس مبارك بحكم منصبه الرفيع أن يحاول إنقاذ سفينة الوطن التي أوشكت على الغرق، فهذه مسئوليته أمام الله، وأمام الشعب، وأدعو الجميع حكومةً ومعارضةً أن ينحُّوا جانبًا مصالحهم الضيقة، ويتم الدعوة إلى عقد مجتمعي جديد بين الحاكم والمحكوم لم يعد ثمَّة وقت كبير، فإما الإصلاح، وإما الطوفان، وأقول لكل المصريين، سفينة الوطن على وشك الغرق أليس فيكم رجل رشيد.. اللهم هل بلَّغت؟! اللهم فاشهد.
--------------
* دبلوم في الدراسات "الإسرائيلية".
