ظهرت في الفترة الأخيرة مجموعةٌ من الإخوة الكرام، أطلقت على نفسها أو أطلقت عليها الصحف وصف جبهة المعارضة في الإخوان أو للإخوان، وراحت تدلي بأحاديث وتصريحات تنتقد فيها قرارات ومواقف الإخوان، وكل هؤلاء الإخوة عاشوا فترات طويلة في كنف الجماعة؛ ولذلك أعتقد أن دعوتي هذه ستقع منهم موقع القبول؛ لاتحاد الخلفيات الفكرية والقيمية، واشتراك الأهداف والغايات، كما أنها لن تضيف جديدًا إلى معلوماتهم، ولكنها تذكرة من قبيل ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)﴾ (الذاريات).
لا يخالجني شك في أننا جميعًا نشعر بالواقع المرير الذي نعيشه ويعيشه معنا الشعب والأمة؛ من فساد، واستبداد، وضعف، وتخلف، وهوان، وتبعية، ونتألم لذلك، ونسعى إلى إصلاحه بكل ما نملك من قوة وجهد وفكر، ونعتقد أن الإسلام بعقيدته، وشريعته، وشموله، وكماله هو السبيل لهذا الإصلاح؛ ولذلك نحاول ترجمته إلى منهج (برنامج) نظري وعملي يتناسب وظروف العصر، ونحاول تطبيقه على أنفسنا، ونسعى لتطبيقه في المجتمع، وما نفعله في ذلك إنما هو اجتهادنا البشري الذي نعتمده من مؤسساتنا الشورية.
إننا نعتقد أنكم في آرائكم ومواقفكم إنما تبتغون وجه الله- ولا نزكيكم على الله– وتريدون الصالح العام، ونرجو أن نكون نحن كذلك، لا نبتغي من الناس جزاءً ولا شكورًا ولا شهرةً ولا مَحْمَدةً ولا علوًّا في الأرض.
ولما كانت الأمور قائمةً على الاجتهاد البشري فهي عرضة للخطأ والصواب، والخلاف في شأنها وارد ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (هود: من الآية 118)، ولا تكاد قضية اجتهادية عندنا تحظى بالإجماع إلا قليلاً، ولكن هذا الخلاف تحسمه الشورى أو الديمقراطية، وتنزل الأقلية على رأي الأغلبية، وتتبنى الجماعة كلها الرأي النهائي في القضية.
ومن حقكم أن تكون لكم آراؤكم، وأن تختلفوا معنا في بعضها أو فيها كلها، والسؤال هو هل يجب علينا أن ننزل على رأي أحدكم أو حتى رأيكم جميعًا فيما ترونه من آراء، ولو خالفت رأي أغلبية مجلس شورى الجماعة؟ وقد وضعتم أنفسكم خارجها؟ وهل هذا من الشورى أو الديمقراطية في شيء؟.
إن العمل لله يفرض على صاحبه التواضع وإنكار الذات واحترام المؤسسية، إذا كان في المؤسسة أما إذا كان خارجها، فيفرض عليه تقديم النصيحة، ثم يترك الأمر لأصحاب الشأن، وخصوصًا أننا نرحِّب بنصائح الناصحين ولا سيما المخلصين منهم– أمثالكم– بيد أن هناك آليات ووسائل لاتخاذ القرار الذي قد يتوافق أو يتخالف مع رأيكم، والأمر كما ذكرت لا يعدو الخلاف بين الخطأ والصواب، وليس بين الحق والباطل، ومن ثم لا ينبغي أن ينحى أحد علينا باللائمة إذا لم نستجب لرأيه، فالقرار عندنا ملك للمؤسسة، وليس ملكًا لشخص أو مجموعة أشخاص، مهما علا قدرهم ومكانهم في الجماعة، فما بالك بمن هم خارجها.
ولا أحسب أن أحدًا من حضراتكم يقبل أن يخرج أحد من أولاده إلى الشرفة ليذيع على الجيران والمارة تفاصيل خلافات عائلية دارت بينه وبين أحد ذويه- بغض النظر عن المخطئ والمصيب- وهنا أود أن ألفت نظركم إلى أن الصحف التي تفتح لكم صفحاتها لنقد الإخوان وهجائهم إنما تفعل ذلك لإثارة الشقاق بيننا، وهي على استعداد بل كثيرًا ما تحرِّضنا على الرد– الذي نرفضه– لإشعال نيران الفتنة؛ لأنها تقتات على ذلك وتروج على المهاترات، ولو قلتم فينا خيرًا لأغلقوا في وجوهكم أبواب النشر، ولقد سبق أن كتبت مقالةً وأرسلتها إلى إحدى هذه الصحف فرفضت نشرها؛ لأنها كانت في موضوع يشرح موقفًا للإخوان، فلما استفسرنا، قالوا لنا: لن ننشر شيئًا للإخوان، قلنا لماذا؟ قالوا: سياسة الجريدة.
كما أن من آداب النصيحة أن تكون جادةً، تتجنب أساليب التهكم والسخرية، والتعميم والمبالغة، ونعدكم أن نوليها ما تستحقه من اهتمام، فإن وافقت على ما فيها مؤسساتنا فسوف نتبناها ونعمل بها، ونشكر لكم، وإن كانت الأخرى فأجركم واقع على الله- بإذنه- وهو يجزي المخلصين.
وهناك أمر أود توضيحه وهو أن فكرة المعارضة الثابتة فكرة غربية، تستهدف معارضة الحكومة في كل ما تأتيه من خطأ أو صواب حتى تصرف الرأي العام عنها، وتسقطها في أول انتخابات لتحل محلها، والإسلام لا يقر هذا الأسلوب، وإنما يقر أسلوب النصيحة (الدين النصيحة)، فإذا خالَفْتَ في موقف واعترضت عليه بأدب الخلاف لاعتقادك بخطئه فذلك حقك، فإن وجدت موقفًا آخر تعتقد صوابه، فعليك أن تؤيده وتزكيه؛ لأن المسلم يدور مع الحق والصواب أنى دارا؛ إخلاصًا لله وابتغاءً للإصلاح وتجردًا من حظوظ النفس ومصلحة الشخص.
كما أننا ننتظر منكم أن تناضلوا معنا للتصدي للفساد العام والظلم الذي نتعرَّض له ويتعرَّض له الشعب والأخطار التي تتهدد سفينة الوطن التي تقلنا جميعًا.
وفقكم الله لما فيه الخير، وسدَّد خطاكم، وجزاكم الله خيرًا بحسن نيتكم..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
-------------
* عضو مكتب الإرشاد.