هي سفينة عتيدة قوية، مهما تكاثرت عليها الأمواج، وادلهمت بها الخطوب، فهي سائرة لا تبالي بأي شيء، يتعالى عليها الموج، يموت الكثير ممن عليها، يتغير قبطانها الواحد تلو الآخر، ولكنها تضرب مثالاً في التحمل والصبر على كل هذه المواقف، لا تتأفف، ولا تبكي ولا تصرخ؛ لأنها أيقنت أنها واصلة إلى بر النجاة.
هكذا سفينة الدعوة إلى الله.. فهي من حدث إلى حدث، ومن محنة إلى محنة، ومن زمن إلى زمن، تُرْفع حينًا ويُمكر بها حينًا آخر، ولكنها مصممة على الوصول إلى نهاية الطريق، إلى جنة رب العالمين.
هذه هي الحقيقة التي يجب أن يتيقنها كل مسلم على أرض الحياة؛ أن سفينة الدعوة واصلة إلى بر الأمان مهما تعاونت عليها ألوان المكر والخداع، ومهما تصادمت معها هذه الأفكار وهذه الأمواج، ولكنها بفضل الله عزَّ وجلَّ تحطِّم هذه الأفكار ولا تتحطَّم، تهزم هذه الأمواج ولا تنهزم؛ لأنها سائرة في طريق الله وفي طريق الرسل والأنبياء، الذين قدَّموا أروع الأمثلة في التضحية والفداء بكل شيء: بالأموال، والأنفس، والأولاد، والزوجات؛ حتى الأماكن التي عاشوا وتربوا وترعرعوا فيها، كل ذلك من أجل وصول السفينة إلى بر الأمان.
فهي رسالة إلى الدعاة إلى الله.. إلى كل من أيقن بالإسلام فكرةً ومنهاجًا، عقيدةً وشريعةً.. أننا منتصرون، أننا فائزون، قد لا يبلغ أحدنا هدفه في هذه الحياة؛ ولكنه واصل لا محالة إلى غايته التي يرجوها ويعمل من أجلها؛ رضا الله والفردوس الأعلى من الجنة.
فهذه سمية وهذا ياسر رضي الله عنهما لم يروا نصرًا ولا فتحًا، لم يروا تمكينًا لهذا الدين، لم يروا الفتوحات لهذا الدين العظيم؛ ولكنهم وصلوا إلى جنة الخلد ورضا الله عزَّ وجلَّ.
فيا أيها الدعاة.. لا تحزنوا فالفرج قريب، ولا تيأسوا فإن اليأس ليس من أخلاق المؤمنين؛ ولكن تيقنوا أنكم على الحق، وأن الله معكم ولن يتركم أعمالكم، لا يغرنا أن الباطل قد كسب جولةً، ولكن ما يهمنا أننا قدَّمنا وعملنا وكنا على الوجه الذي يرضي ربنا تبارك وتعالى، فهنيئًا لكم أيها الدعاة الذين تحمَّلوا المشاق والصعوبات وبذلوا الغالي والنفيس من أجل رضا الله عزَّ وجلَّ، فهذا هو النجاح، وهذه هي الجنة تنادي عليكم تنتظركم تتباهى بكم وهؤلاء الملائكة ينظرون إليكم نظرة التقدير والإعجاب؛ كيف وصلتم إلى هذه الحالة التي لا يصل إليها إلا المقربون الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون!.
ورسالة إلى قوَّاد السفينة؛ لعلكم أيقنتم أنكم تقودون سفينةًَ قويةً عتيدةً قواها الحقيقية، هؤلاء الرجال الذين لم يألوا جهدًا في الوصول بالسفينة إلى بر الأمان.
ورسالة إلى هؤلاء الذين ظنوا أنهم يفعلون ما يشاءون أننا عرفنا قواكم الحقيقية، عرفنا أنكم كالسراب، عرفنا أنكم ورق تذروه الريح كيف تشاء.
فالحمد لله أن جعلنا من راكبي سفينة نوح التي تحمل الخير، والتي هي واصلة حتمًا إلى بر النجاة.