فقه الإمام البنا في التربية والتكوين

يستاءل البعض: لماذا كل هذا الاهتمام بتربية الأخ المسلم عند الإمام البنا وفقهه في التكوين، حتى إنه بلغ من اهتمامه أن وضع لها القيود والضوابط من تربية في الأسرة وتربية في الكتيبة وتربية في الرحلة وتربية في المخيّم.. إلى آخر ما هو مبسوط في الكتب؟.

 

ونحن نقول لهؤلاء: إن هذا الأمر بسعته وعمقه الذي تتساءلون عنه ليس من اختراع الإمام البنا، ولا من ابتكاره، بل هو من صميم عمل النبي صلى الله عليه وسلم من أول يوم إلى آخر لحظة من حياته.. واستطاع الرجل رحمه الله أن يلتقطه وأن يطبِّقه بما يناسب العصر.

 

وإذا كان الحِمل ثقيلاً والعِبء كبيرًا والبناء شاقًّا، فقد وجب أن تقوى الظهور على حمل الأمانة وتبليغ الرسالة والصبر على المشاق والتواصي بالحق والتواصي بالصبر الجميل الذي لا حدود له، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)﴾ (المعارج).. وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)﴾ (المزمل).

 

ولما كانت المجتمعات الإسلامية قد مرت بها فترة من الركود والقعود، وغابت عنها يقظة القرآن وحساسية المؤمن؛ حتى استطاع العدو المتربص بها في الشرق والغرب أن ينال منها؛ فكان ولا بد لمن يريد أن يعود بها إلى منابعها أن يربيها لا بالخطب والكتب وحدها، لكن لا بد من البناء والتأسيس من جديد والعودة المبصرة إلى الجماعة الأولى التي ربَّاها الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى أخلاقها وإلى طباعها وإلى شخصيتها التي صنعها عليها المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولا بد أيضًا من العودة إلى النبع الصافي والبلسم الشافي، وهو القرآن الكريم ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)﴾ (الإسراء).

 

لقد استطاع المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يربِّي الجماعة الأولى على أن تكون مرآة صافية صادقة في الإيمان والعمل، وفي القول والالتزام، وفي الصدق والإخلاص والجهاد والفداء والصبر والتجرد، كل ذلك لله رب العالمين.

 

رباهم على أداء الأمانة، وتبليغ الرسالة ومحاسبة أنفسهم، قبل أن يحاسبوا فكانوا بحق هم الذين قال الله فيهم: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية 110)، وكانوا بحق كما وصفهم المولى تبارك وتعالى الأمة الوسط الشهيدة على غيرها، وأُعطوا أستاذية العالم، قال تعالى لهم: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (البقرة: من الآية 143).

 

هؤلاء الكرام هم الذين استظل الإمام البنا بظلهم، وشرب هو إخوانه من منابعهم، وأخذوا منهم الدين الخالص والعمل السامي لله رب العالمين، وعلمونا الفهم الصحيح للإسلام والوعي الصحيح بالإسلام ومعرفة المسلم الجاد الذي يبتغي الله والدار الآخرة ومعرفة الآخرين وهم كثير.

 

أخذ منهم منهج التلقي، والعمل الدائم، والإيثار، ومحاسبة النفس، والمحافظة على الصلوات، والورد القرآني، والذكر والاستغفار، والتوبة والندم، وقيام الليل، وصيام النهار، والكف عن كل صغيرة وكبيرة، وإحسان التعامل مع الآخرين، والصدق مع الله ومع الناس والحب والأخوة.

 

أيها الأحباب.. هذه مقوماتنا، وهذا هو سر وجودنا، وهذا هو دليل أننا على الخير وعلى الاتباع لسيد الخلق الذي أنزل الله عليه: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ (الأعراف).

 

نعم- ورب الكعبة- لقد ربَّاهم الرسول صلى الله عليه وسلم على حمل الأمانة والخروج من حظ نفوسهم، ورباهم على أن يكونوا رسلاً؛ لتغيير وجه الأرض من الشر إلى الخير بالعدل، وإعطاء الناس كامل حرياتهم، ومراقبة الله عز وجل في السر والعلن.

 

لذا رباهم وحرّم عليهم التعصب بكل ألوانه وأشكاله بل العملة الرائجة في المجتمعات الإسلامية هي السماحة والخلق الحسن والأدب العالي، يقول صلى الله عليه وسلم: "أدبني ربي فأحسن تأديبي".. وربَّاهم على تحمل عبء الكفاح والجهاد والصبر على مشاق الطريق، ووعثاء السفر، والجهاد في ميدان الضمير البشري، والحق الذي يجب أن يُقال وأن يعرفه الناس جميعًا، إن دعوة الإسلام التي يتحمل عبئها الإخوان المسلمون مع غيرهم، وهم كثير على وجه الأرض، هي التي أوجدت بحق اليقظة الإسلامية والصحوة الإسلامية والوعي الإسلامي، وردت الأمة إلى مصادرها إلى قرآن ربها، وسنة رسولها صلى الله عليه وسلم، وردتها قبل ذلك إلى ربها الذي غفلت عنه، وإلى دينها الذي قصَّرت في حقه، قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٥١)﴾ (الذاريات).

 

لذلك كان ولا بد من زاد وفير للسير على هذا الطريق الطويل، والزاد هنا لا يكون إلا في التربية العميقة، وفي التعهد الدقيق لكل من نربيه ونسهر على إعداده؛ ليكون بحق رجل دعوة وصاحب رسالة وحامل فكرة، ينشرها أينما حلّ، ويدافع عنها في كل زمان ومكان.

 

نعم، نحن في حاجة إلى زاد وفير للوقوف بأخلاق المسلم وأدبه وعلمه أمام العلماني الذي يتخفى تحت اسم الإسلام، ثم هو يشكك في شريعة الإسلام أو يدعو إلى غيرها، ويحاول تشويه الفكر الإسلامي أو الشخصية الإسلامية، من خلال المقال الذي يكتبه أو الحديث الذي يذيعه أو التصريح الذي يدلي به.

 

نقف أمامه، ونحن ندعو الله أن يشرح صدره، وأن يعود إلى ربه، وأن يكون قلمه ولسانه لصالح الإسلام ولصالح دينه ولمصلحة الحق.

 

لمّا صدر كتاب د. طه حسين، عن الشعر الجاهلي، وفيه ما فيه عن الإسلام والقرآن؛ هبّ الناس يشتمون ويهاجمون الدكتور طه حسين، وأراد الإمام لبنا أن يعرض رأيه في هذا الكتاب، فتحدد الموعد في (الشبان المسلمين)، وعلم طه حسين بذلك، فطلب من القائمين على الشبان المسلمين أن يجعلوا له مكانًا في القاعة يجلس فيه ويستمع إلى حسن البنا، وحسن البنا لا يعرف أنه موجود، هذا ما طلبه الدكتور طه حسين، وفي الموعد حضر الإمام البنا إلى قاعة المحاضرات، وقد امتلأت بالمستمعين، وجلس حسن البنا ومعه الكتاب في يده، وبدأ بقوله: الأستاذ الدكتور طه حسين قال في باب كذا.. كذا، وأشار إلى الكلام الذي يجب أن يُقال.. الأستاذ الدكتور طه حسين قدَّم في هذا الباب، وكان المفروض أن يؤخر.. الأستاذ الدكتور طه حسين لم يُوفق في هذا الرأي الذي ذهب إليه.. وهكذا في مدة ساعة كاملة، وقد صحَّح للناس ما في الكتاب، وأعطى درسًا بليغًا في النقد، لم يتعرض فيه لشخص، ولم يسئ فيه لأحد.

 

كل ذلك والدكتور طه حسين في مكانه الذي هو فيه، يستمع إليه كلمة كلمة وينصت ويبتسم، وفي نهاية المحاضرة، قال: أريد أن أسلم على حسن البنا، فأخبروا الإمام وذهب إليه وسلم على حسن البنا، وقال له: يا أستاذ لو أن كل النقاد التزموا بالطريقة التي التزمت بها؛ لبقيت المودة، ولاستطاع الجميع أن يصلوا إلى حلول للرأي وللرأي المخالف.

 

وهنا انتهز الإمام الفرصة كداعية لمّاح، وقال له: لكني يا دكتور طه، أرجو أن تكون أنت من دعاة الإسلام الذين يدعون إليه ويعرّفونه للناس، خاصةً أن لك طريقة في الدعوة، ولك الأسلوب الجيد الذي يقرّب هذا الحق إلى الناس، وودّع كل منهما الآخر وانصرفا.

 

أردت من سرد هذه الحادثة أن أعرّف نفسي وإخواني أن احترام الناس مهما كنا نختلف في الرأي من الواجب علينا أن نبدأ نحن بهذا، واقرءوا هذا الأثر الذي نقلته لكم من تاريخنا مرة ومرة؛ لتقتدوا إن شاء الله بأسلوب الداعية الموفق والمسدد مع القريب والبعيد.

 

فنحن بحق لا نحمل كيدًا لأحد، ولا نعرف هذا الأسلوب، ولا تربينا عليه، ولا نُكّن عداوة لأي إنسان؛ لأن هذا من طباع غيرنا، حتى وإن علمنا وتحققنا أن فلانًا يبغضنا، فنحن ندعو له أن ينير الله بصيرته، وأن يبعد عنه الشيطان حتى يرى الحقيقة.

 

أرى أحيانًا بعض التصريحات من البعض سامحهم الله يصفوننا بالكذّابين، وبعضهم يقول: أكذب الناس، وحين أقرأ هذه الصفات أستغرب على الإنسان الذي نطق بها، وعلى جرأته على الله، وأكظم غيظي، وأقول: سامحه الله.

 

وهكذا كان سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وهكذا يجب أن نكون.. يذهب إلى الطائف يدعوهم إلى الله فيلقونه أشنع لقاء، وأسفه لقاء، فيقول لهم: إذا لم تستجيبوا لي فاكتموا عني حتى لا تشمت قريش، فلا هم سكتوا ولا كفوا عبيدهم وسفهاءهم وأطفالهم الذين يصيحون ويطاردون سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، فيرفع بصره إلى السماء، ويقول: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس".. إلى آخر الدعاء.. وينزل عليه جبريل ومعه مَلَك الجبال، فيقول الأخير: يا رسول الله لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين.

 

فيقول صلى الله عليه وسلم: "لا يا أخي يا جبريل.. إني لم أُبعث نقمة؛ ولكني بُعثت رحمة، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون.. وهنا يقول جبريل: صدق مَنْ سمَّاك الرؤوف الرحيم".

 

إن هذا الذي نراه ونسمعه ونقرأه في سيرة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم هو عدة القوي في سبيل الله الذي ينظر إلى بعيد، ويرنو إلى الأفق، ويستحضر عظمة الله عز وجل.

 

أيها الإخوة.. لا بد أن يكون لنا النصيب الأوفر إن أردنا أن نرفع هذا اللواء بصدق.. من هذا الميراث النبوي في التحمل والصبر، ومقابلة السيئة بالحسنة، قال تعالى يعلمنا ويربينا: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ (فصلت).

 

ونحن أيضًا في حاجة إلى زاد وفير من التربية والأخلاق؛ لنستطيع مواجهة الفتن المتعددة في هذا العصر، والتي أصبحت تضرب في كل مجال، وزاد بعض الشباب المؤمن يحتاج إلى دعم باستمرار، وتعهد دائم، وأخذ بيده، وصبر على توجيهه، ورفق وعلاج لأخطائه؛ حتى يستطيع أن يؤدي بعض ما عليه.

 

إن الفتن التي تنطلق من هنا وهناك، تزلزل أحيانًا وجدان البعض، وقد تجعل حياته مضطربة فلا يقوى على مواجهتها؛ لأن الواقع الذي يعيش فيه أعمق أثرًا وأبعد غورًا من أي شيء آخر؛ فلا بد من زورق للنجاة يحمله ويحميه من هذه الفتن، وهذا لا يكون إلا في جماعة مبصرة تقوم على أساس الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح، ويرى من حوله من يبصرونه ويوجهونه ويأخذون بيده إلى خير ما يحب ربنا ويرضى.

 

ويجب أن نعلم وأن نوقن أن أعداء الإسلام قديمًا وحديثًا لم يقاتلونا بالحديد والنار إلا ساعة من نهار، ثم تطورت وسائل حربهم، فقاتلونا بعد ذلك في الزمن كله بأساليب أخرى ووسائل أخرى.

 

فالمرأة المسلمة العابدة تُشكّك في حجابها، وهو زي إسلامي خالص، ومعناه مجموعة الأخلاق والآداب التي جاء بها الإسلام قد التزمت بها المحجبة، فهو عنوان على غض بصرها، وهو عنوان على صدقها، وهو عنوان على عفافها، وهو عنوان على أنها ارتفعت فوق الأباطيل، وهو عنوان على أنها استجابت لربها فصلَّت خمسها، وقرأت قرآنها، وأطاعت زوجها، وربّت أولادها، وأكرمت أهلها، وتصدَّقت على الفقراء والمساكين.

 

أي أن الحجاب عنوان على وجود الشخصية المسلمة المؤمنة، والمنتقبة كذلك، فإذا جاء أي إنسان مهما كان يتهم الحجاب ويسيء إلى النقاب؛ فهو إنما يريد أن يبعدها عن سر قوتها، وعن ربها، وعن رسولها صلى الله عليه وسلم، وعن قرآنها وهو- أيًّا كان الذي يريد ذلك- مرفوض مرفوض، مطرود مطرود، هو ورأيه، ومردود عليه، وداعية من دعاة الشيطان.. حفظ الله المنتقبة والمحجبة، وأدام عليهن نعمة الإيمان والإسلام.

 

وعلى الزوج أن يكون زوجًا صالحًا، ورجلاً مؤمنًا، فيقف بجوار زوجته ويشجعها ويكرّمها، ولا يلتفت إلى غيرها وكفانا ما كان، ويجب علينا أن نعود إلى الله بتوبة صادقة، فنفرِّق بين الحلال والحرام، وبين طريق الجنة وطريق النار.

 

إن الزوجة المؤمنة بهذه المواصفات التي ذكرت، وبحجابها، وهو مجموعة الآداب والأخلاق التي أمرها بها الإسلام؛ يجب عليها أن تثق في أنها على الحق المبين الذي قامت عليه السماوات والأرض، وأن تتمسك به، وأن تدعو إليه، أن تكون صورة عملية طيبة للمسلمة، تفرح بها يوم القيامة حين تلقاها أمها السيدة خديجة رضي الله عنها، وأمها السيدة عائشة رضي الله عنها، وأمهات المؤمنين جميعًا، يفرحن بها، ويقدرنها؛ لأنها قوي إيمانها وزاد يقينها، بل يفرح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبشر بها أصحابه، يبشر بالذين اتبعوه وصدقوا برسالته ولم يروه، أجر الواحد منهم بخمسين من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الأمر حين قاله صلى الله عليه وسلم: "وددت لو أنّا رأينا إخواننا"، قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟. قال: "لا أنتم أصحابي.. إخواني الذين يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني، أجر الواحد منهم بخمسين منكم". قالوا: منا أو منهم يا رسول الله؟ قال: "بل منكم.. إنكم تجدون على الخير أعوانًا وهم لا يجدون".

 

اللهم اجعلنا منهم.. واحشرنا في زمرتهم.. وارزقنا أخلاقهم.. وحسبهم لدينك.. ودفاعهم عنك.. وصدقهم مع نبيك.. اللهم لا تفتنا بعدهم.. ولا تحرمنا أجرهم.. واغفر اللهم لنا ولهم.

-----------

* من علماء الأزهر الشريف