في المأثور العام أن بطل الشر يندفع قبل سقوطه في أعمق هاوية منه حتى إذا جاءت لحظة النهاية تشفى الجميع بزوال الكابوس.

 

توقعت وتوقع الجميع قبل ما سمي انتخابات مجلس الشعب أن يقع ما صار مألوفًا معتادًا من البلطجة والتزوير؛ ولكني كنت أعتقد في شبه يقين أن للعبة قواعد لا يمكن تجاوز خطوطها الحمراء، وهي قواعد لا تمليها مبادئ الديمقراطية، ولا تداول السلطة، وإنما يمليها الحد الأدنى من العقل، باعتبار أن القواعد الحاكمة في السياسة لا تختلف كثيرًا عن منطق القوانين الطبيعية، ومن ذلك أنك إن كتمت قدرًا به سائل يغلي، ولم تتح له بابًا للتنفيس وقع الانفجار لا محالة.

 

ولقد آمنت ولا أزال مؤمنًا أن ما يجري في مصر لا يمت للديمقراطية بصلة نسب من بعيد، ولا من قريب سواء وجود نواب معارضين في البرلمان، أو صحف معارضة، أو مستقلة، وإنما هي لعبة مصرية صرفة واختراع مصري فريد؛ لأن الديمقراطية تفترض بديهيات هي عمدها التي لا تقوم بدونها، ومنها الشفافية وتداول السلطة وأخذ الرأي الآخر بعين الاعتبار وحرية تداول المعلومات، وهي وغيرها أمور لا تخطر ببال حكامنا من الأساس، وإنما الهدف هو مخاطبة الخارج بما يحب أن يرى من سطح الأمور لا من باطنها، وأيضًا التنفيس الذي ذكرت؛ منعًا للانفجار وضمانًا لبقاء الحال إلى الأبد إن أمكن، أما التباهي الأجوف الفارغ عن أزهى عصور الديمقراطية فهو قول باطل من نخاعه، وربما التبس الأمر على بعض حَسني النية، والمعادلة في السياسة هي ذاتها في عالم الكيمياء فإن حذف عنصر أساسي يقلب الناتج تمامًا، وفي العلاقات الإنسانية لا تستطيع وصف إنسان بالفضيلة لمجرد أنه لا يسرق بينما هو- مثلاً- كذاب أشر، وما يغيب عن الساحة ليس عنصرًا هامشيًّا بل هو روح الديمقراطية.

 

إن الفارق بين ما كان يجري سابقًا وما جرى هذه المرة هو الفارق بين منطق الثعالب، ومنطق الذئاب، وكلاهما لا يرتكن إلى مبدأ شرعي وإن اختلفت الوسائل.

 

في تراثنا حكاية تقول إن الثعلب دعا الذئب إلى وليمة على أغنام بمزرعة، ودخلا من فتحة صغيرة، وبينما كان الثعلب يأكل ثم يذهب لاختبار إمكانية المرور من الفتحة، ثم يعود إلى الوليمة بحساب؛ فإن الذئب راح يلتهم اللحم بشره، وأن صاحب المزرعة استيقظ حاملاً سلاحه الناري ففر الثعلب من الفتحة وانحشر بها الذئب لامتلاء بطنه لكثرة ما التهم بغير حساب ولقي المصير المحتوم!.

 

توقعت أن يأكل الحزب الوطني- كالعادة- بمنطق الثعلب، ففاجأ الجميع وأكل أكل الذئب، وبقيت نهاية فصول القصة لتسطرها الأيام!.

 

وبرغم ما يصيبني من ألم فوق الطاقة عندما أشاهد بعض وجوه الذئاب، فإنني احتسبت ألمي لوجه الله الكريم، ورحت أتفرس في وجوه بعضهم بعد التهام الوليمة، خليط هم من البشر، بعضهم تقلب على كل الموائد من أقصى اليمين لأقصى اليسار، وكانت بوصلته دائمًا القرب من نعيم السلطة، وبعضهم محدث سلطة ومحدث نعمة أصلاً، وبعضهم قافز للساحة بالمنطاد، وهناك أصحاب عقول (سابقًا) قبل أن تحل عليهم لعنة الانسخاط السلطوي، فينقلبون على كل ما نظروا له وبعد أن كنت ترى أحدهم في ثوب أسد فإذا به يمسخ فأرًا سلطويًّا مسبحًا بحمد أولياء نعمته، وبعضهم يمارس السياسة بمنطق السوق فأقصى غايته تحقيق أقصى درجة من الكسب مع سحق المنافسين ولا تهم الوسيلة ولا مبلغ حظها من الدناءة!.

 

كان اليوم يوم الذئاب بلا جدال، وقد أخلت الثعالب مكانها لها راغبة أو راغمة، وكانت الراية راية الشره، وتلاشت حكمة الثعالب اللئيمة وأبت الذئاب إلا منطق الالتهام الغشوم، وليكن بعد ذلك ما يكون، ولم يلتفت الذئاب إلى صوت شاحب لثعالب طاعنة في السن والخبرة تدرك بالممارسة أن ما جرى له فاتورة حتمية عاجلها وآجلها مستحق الدفع، وأن ما جرى يعجل بلحظة الحساب بعد غلق كل أفق لولادة أمل في حياة أفضل لملايين المنكوبين؛ لأن الأمر ليس واقفًا عند إهدار إرادة وهي وحدها كارثة، ولكنه مع ذلك يبقى مجرد رمز لإهدار ثرواتهم منقولاً وعقارًا، بل ووأد حلمهم في غدٍ مشرق، وليس لهم غير أوهام كتب عليهم أن يقتاتوا عليها، فأكذب الكذب على الإطلاق أن يُقال إن الناس راضون عن حال هبط إلى ما دون مستوى الحياة الآدمية للملايين والأرقام الحكومية عن أعداد المنتحرين والشارعين في الانتحار مفزعة، وبعض المنتحرين أنهى حياته لعجزه عن إطعام نفسه أو إطعام بنيه!، والبعض ينتحر لعجزه عن الوفاء بدين يعادل ثمن كيلو لحم!.

 

كان أحد الذئاب يطل عبر الشاشة متظاهرًا بالزهو باذلاً طاقته؛ ليخفي رعبه الآتي من أعماقه لتحسبه من أن يعجز عن المرور بما التهم، كان وجهه بشعًا مكفهرًا كوجه شيطان رجيم، وكنت أكاد ألمح على الوجه الكالح أثر دماء الوليمة الحرام، وراح يهذي بكلمات فارغة تافهة هو أول من يعلم أنها تخرصات عن نجاح مدوٍ، وعن خطط وإستراتيجيات ناجحة!! وسبحان الله في التناغم الحاصل على الساحة من وجوه بعض المطربين إلى وجوه بعض من يكتبون للسلطة إلى وجه هذا الذئب وأمثاله! وسبحان الله فأنت تنظر لوجوه بعض الناس، فترى نضرة طيبة مباركة، وتلمح وجوهًا أخرى، فتخرج من أعماقك كل ألوان السخط والنقمة والتقزز إلى حد الغثيان!.

 

رحت أتابع الذئاب عالية الصوت عمياء القلب والبصيرة، وأتساءل أي نجاح هذا، بينما أربعة أرجاء المعمورة تشهد الفضيحة!، وماذا كان يضير الحزب الوطني لو ترك مائة أو مائة وخمسين مقعدًا للمعارضة، وهو المتحكم في النهاية في القرار كما حدث بالمجلس السابق، وكل المجالس السابقة! أكان الأمر يتجاوز- كالعادة- أن يبدي المعارضون حججهم فتسمع على مضض من باب إبراء الذمة، ثم يجري التصويت والنتيجة مؤكدة مسبقًا، وهي الانتقال إلى جدول الأعمال، أو توجيه الشكر، أو تمرير ما يراد له أن يمرر؟ هل أقيل وزير؟ وهل رفض مشروع قانون؟ ألم يحدث أن قانونًا صدر ثم أعيد النظر فيه خلال أيام وعدل كما أريد له أن يعدل؟ ألم تكن بعض الأيادي ترتفع وتنخفض بإشارة من إصبع؟ أليست الأغلبية مضمونة ومنظمة تنظيمًا باهرًا بديعًا، فالبعض عنده علم وحجج حاضرة للتنظير في كل الاتجاهات والبعض يغلو في تأييده للحكومة حتى إنه وهو نائب عن الشعب- حسب المفترض- يطالب بقتل المحتجين على سوء حالهم، ويتهم الحكومة بتدليل الجياع والمشردين لصبرها على احتجاجاتهم، والبعض تهدهدهم المناقشات، فما أن تبدأ حتى يستسلموا لنوم عميق بالمجلس مع الاستيقاظ فجأة، رافعين الأيدي بالموافقة مع بدء التصويت وما يصاحبه من هياج يطير النوم من جفونهم المسهدة!، ولله في خلقه شئون فقد عرفت عن رجل أنه لا ينام إلا على صوت وابور غاز يشعله، فليس غريبًا أن ينام البعض على صوت المناقشات، وهناك وقعة متواترة مؤداها أن إحدى العضوات دخلت إلى القاعة فوجدت الأيدي مرفوعة فرفعت يدها بالموافقة، ثم سألت عن الموضوع المطروح، وكان يتعلق بإسقاط عضوية زميل لها، فلما قيل لها كيف توافقين؟ قالت لم أكن أعلم، ولكني لو كنت أعلم لوافقت!.

 

ألم تشاهد الدنيا بعض الأعضاء يدافعون بحرارة وغلو- وعلى الهواء مباشرة- عن موقف فلما رن هاتف أحد الكبار وتلقى الحكمة البالغة غير موقفه إلى النقيض، وعندها راح الكثيرون- دون أن يرف لهم جفن حياء- ينقلبون لاعنين ما أيدوه من لحظات، ومؤيدين بنفس الحرارة ما كانوا يرفضون، ومشيدين بالأيادي الكريمة التي غيرت الموقف كله! كانت المناقشة تتعلق بحريات التعبير، وكان البعض متشددًا مغاليًا في قمعها، فلما نزل الإلهام بالاعتدال في الكبت راحوا يبدون تأثرهم، وأوشك بعضهم أن يبكي، وتهدجت أصواتهم شاكرين النعمة، ومطالبين غيرهم بأداء واجب الشكر!.

 

كان منطق الثعالب إذن كافيًا زائدًا عن الحاجة ولم يكن هناك داعٍ موضوعي لمنطق الذئاب بكل غباوته ولكن الأمر- فيما يبدو لي- ليس فحسب منطق الذئاب بل منطق (النهايات) فالبطش الزائد لإظهار القوة يشي بالعجز ومعاداة العقل والمنطق والعدل، منبئات بالأثر الحتمي اللاحق؛ وذلك منطق حاكم بدءًا من تاريخ الإمبراطوريات التي تتوحش دائمًا عند أفول شمسها، ومرورًا بأبطال الأفلام، وانتهاءً بالأحزاب السياسية، وإن غدًا لناظره قريب!.

---------------

* رئيس محكمة الاستئناف