الهجرة النبوية تمثِّل أهم حدث حضاري تاريخي على الإطلاق، ولذلك لم يكن التقويم الإسلامي بمولد الرسول ولا بنزول القرآن، بل كان بالهجرة المباركة، وبالهجرة كان تأسيس أول دولة مدنية تاريخيًّا؛ لتطبيق قيم ومبادئ حضارية، من أهمها: الحرية، والعدل، والمساواة، ثم المواطنة التي تعني المساواة المطلقة، وليست الانتقائية، بين جميع البشر من ذوي العقائد والمذاهب والملل والثقافات المختلفة أمام الدستور المدني الذي تقره الأمة، فلقد اخترع الإسلام حرية العقيدة والمواطنة، والأمثلة الفعلية على التطبيق المطلق لذلك في تاريخنا الإسلامي لا تُعَد ولا تحصى؛ في حين أن العالم كان يعيش ضد بداهة الاعتراف بالآخر، ويعاني الصراعات الجاهلية، ومع ذلك فإنني لا أعجب من أن الغرب الآن يفتخر بإقرار المواطنة، وكأنه اخترعها، ويهاجم الإسلام بدعوى أنه ضد المواطنة، بل أعجب من قصورنا في فهم وتطبيق المواطنة؛ ما أتاح الفرصة لغلاة العلمانيين في بلادنا لدعم هجوم الغرب على الإسلام، هؤلاء العلمانيون يترجمون النقد الغربي للفكر الديني الكنسي بالعصور الوسطى في أوروبا، ثم يسقطونه على القرآن دون محاولة فهم الإسلام.

 

لذلك ليس أمامنا إلا أن نهجر الردَّ على هؤلاء، ونهجر العقل المحتل والنقل المختل، العقل المحتل والمنبهر بفكرة العلمانية الغربية، والنقل المختل لقيم ومبادئ حضارتنا الإسلامية، لا بد أن ندعو إلى الإسلام وليس إلى الاقتداء بالمسلمين وصولاً إلى تأكيد الآتي.

 

- أن الرسالات السماوية السابقة كانت مرحليةً وموجهةً إلى قوم محددين لفترة زمنية محدودة حتى نزل القرآن، المنهج الكامل الخاتم لجميع البشر، فبدون المواطنة كيف يحكم الإسلام جميع البشر من ذوي العقائد والمذاهب والثقافات المختلفة كما ندَّعى دائمًا؟! إن الإسلام بدون حرية العقيدة والمواطنة لا يمثل منهجًا جديدًا ولا مفيدًا بالنسبة للرسالات السماوية السابقة وبدونهما أيضًا لا يُعقل أن يكون هو المنهج الإلهي الخاتم لجميع البشر.

 

- فالمواطنة هي الغاية الفعلية والثمرة الدنيوية لحرية العقيدة التي اختص المولى سبحانه نفسه بالفصل فيها بين جميع البشر في الآخرة، والإسلام وحده هو الذي امتلك هذه المنظومة الفكرية الإستراتيجية، وصولاً إلى الضمانة الأساسية للسلام العالمي ونهضة جميع البشر التي انفردت بها حضارتنا، فلقد أسس الغرب المواطنة الانتقائية من خلال العلمانية باستبعاد الدين حتى وصل العالم الآن إلى أقصى درجات ازدواجية المعايير والظلم الاجتماعي، مثل أزمات مآذن المساجد بسويسرا، والحجاب بفرنسا، وحرق القرآن بأمريكا، فضلاً عن الفقر والمجاعات اللذين اجتاحا العالم، في حين أن الغرب يعاني الحد الأقصى للاستهلاك والرفاهية والشهوات المدمرة، لكن المواطنة عندنا لا بد أن تكون مبدأً وممارسةً واجبةً شرعًا على الحاكم والمحكوم، نتعبَّد بها إلى المولى سبحانه، فبذلك أساسًا وصل المسلمون الأوائل في أربعة عقود إلى هداية وقيادة العالم لتسعة قرون، وبذلك أساسًا نستطيع أن نستعيد حضارتنا ونهضتنا وقيادتنا للعالم.

----------

رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار- hassanelhaiwan@hotmail.com