قرأتُ منذ أيام مقالاً يحمل عنوان "لك الله يا غزة"، وعندما قرأت العنوان تأكدت أن الكاتب سيسرد المحنة العظيمة لإخواننا وشعبنا في غزة من حصارٍ وتجويعٍ ومصادرة كل الحقوق الإنسانية، وبالفعل ذكر الكاتب الحالة المتردية التي يعيشها الشعب الغزاوي، ومدى المعاناة التي تسبب فيها التصرفات العشوائية للحكومة المصرية، وأنهم كانوا سببًا رئيسيًّا في تشديد الحصار على إخواننا.

 

وبعد فترةٍ قصيرةٍ قرأتُ خبرًا يحمل عجبًا من وجهة نظري ولو في بادئ الأمر خبرًا بعنوان "غزة تصدر إلى مصر الفواكه والخضروات والبيض"، وليس ذلك فحسب بل يقول الخبر إنها بجودة عالية وبأسعار مخفضة، وبالفعل تبسمت من هذه المفارقة العجيبة شعب محاصر تمارس عليه كل أنواع الضغوط حتى يرضخ، وهو شعب أبي وحكومة مسلمة أبية تأبى أن ترضخ لعدو صهيوني خسيس أراد أن يكسر فينا الرجولة وعز هذا الدين ألا وهو الجهاد في سبيل الله وأن ننال الشهادة.

 

فكيف لهذا الشعب المحاصر أن يُصدِّر لدولة مثل مصر لها سيادة واقتصادها الذي تتغنى به الحكومة ليل نهار، وأننا لم نتأثر بالأزمة العالمية وغير ذلك من الأكاذيب، والتي لم نعد حتى نتحمل سماعها.

 

ولكن سمعت هذا الخبر تذكرت قول المرشد الثاني لجماعة الإخوان المستشار الهضيبي حينما قال "كونوا مع الناس كالشجر يرمونه بالحجر ويرميهم بالثمر"، ثم توقفت عند سؤال مهم جدًّا أرجو أن يشاركني القارئ من هو الشعب المحاصر غزة أم مصر؟؟!! لم أفكر كثيرًا حتى وجدت عجبًا كيف لغزة أن تكون محاصرةً، وهي تملك شعبًا أبيًّا وقف بأقل الإمكانات أمام العدو الصهيوني، وضحَّى وما زال يُضحي بشبابه في مقابل العيش الكريم، وعزة هذا الدين الحنيف، وكيف غزة، وهي تملك حكومة مسلمة مناضلة حملت الشعب على احترام الفكرة الإسلامية ووضعت دعائم تنفيذ الشريعة الإسلامية بما فيها من عدالةٍ بكل أطرافها وأشكالها، وقوة في الحق وأخلاق حميدة، ومعاملات سديدة تحمي الناس والمجتمع من الفساد وها هي السنون ما زالت تسير والشعب يتصدى ويقف بالمرصاد بكل مَن يريد الفتك به، واسأل الله أن يديم عليهم هذه النعمة وهذه العزة، وبقي لنا الآن أن نقول مَن هو الشعب المحاصر والمظلوم، والمفاجأة أنها أم الدنيا أرض الكنانة مصر.

 

الشعب المصري المحاصر في كافة مقدراته، وإمكانياته سواء بالفساد المتفشي، أو السرقة، أو الرشاوى، أو المحسوبية وزاد الطين بلةً التهديد المستمر في الاحتياجات الأساسية والفسيولوجية لأفراد الشعب، وسأسرد لا على سبيل الحصر، ولكن على سبيل المثال، وما خفي كان أعظم:

1- كنا نسمع أن مياه الشرب غير صالحة للاستخدام الآدمي بما فيها من التلوث والأمراض والبكتيريا، وكنا نصبر ونحتسب ونسأل الله العافية منها ومَن كان السبب، والآن وبعد التخطيط الفاشل وصل بنا الحال أن حصة مصر تقل بسبب عقد اتفاقيات بين دول حوض النيل، ونعلم جميعًا أن وراءها أيدي خفية صهيونية أرادت المساس بأمن الشعب وسلب حقوقه، وبالطبع اتجهت الحكومة للحل الأمثل كرة القدم والمشاركة في دورة ودية لمنتخبات حوض النيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

 

2- تطالعنا الأخبار والصحف ومواقع الإنترنت كل فترة تعلن عن تفشي أمراض وأوبئة لم نكن نسمع عنها في العالم كله، ويخرج علينا مسئول من وزارة الصحة سريعًا معلنًا أن مصر آمنة من الوباء، وأنها نجحت في السيطرة على الوباء، وما هي إلا أيام ونسمع منه أيضًا أن مصر وبجدارة تحتل المركز الأول سقوطًا في المرض، وبدأت تستورد اللقاحات، والمصل المناسب للمرض ونصبح في يوم وليلة الأول عالميًّا في تفشي المرض والمفاجأة العجيبة يظهر في الآخر أن المرض وَهْم وأنها (أكذوبة منظمة الصحة العالمية)، والتي وراءها نفس الأيدي الخفية التي تعبث بأمن بلادنا الحبيبة والحكومة تقف مكتوفة الأيدي تنتظر الوباء الذي يليه حقًّا "لك الله يا مصر".

 

3- كانت مصر تُصرِّح دائمًا أنها لا تتأثر تمامًا بالأزمة العالمية، وعندما نتحدث عن أسباب أزمة الفواكه والخضروات والغلاء في أسعار كل السلع تجد عجبًا أن السبب الأزمة العالمية، وأصبحنا الآن ننتظر الخلل في احتياطي القمح، وأصبحنا مهددين في أية لحظةٍ في أقواتنا، وأقوات أولادنا والأعجب أن نجد أن عددًا من الشخصيات تستحوذ على أكثر من 24% من الاقتصاد المصري، وتم القضاء على الطبقة المتوسطة التي تعتبر رمانة ميزان أي مجتمع حتى أصبحنا في عصر الإقطاع والاحتكار، خاصةً في ظلِّ تزاوج السلطة والثروة والشهرة.

 

4- أما وسائل الإعلام فحدث ولا حرج ضاعت القيم والمبادئ، ونزع الحياء والأخلاق الحميدة من المجتمع مما أدَّى إلى موجة العنف والحوادث من جرَّاء تربية الناس على العُري والمبادئ الغربية الخبيثة وأصبح أتفه الناس يتحدث في أمور العامة، كما ذكر النبي- صلى الله عليه وسلم- عن الرويبضة وأصبح اللاعبون والممثلون والمطربون وغيرهم هم الشخصيات العامة للدولة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

5- أما عن الديمقراطية، فالحزب الحاكم كل يوم يبتكر وسائل جديدة لإقناعنا أنه يمتلك الحرية والديمقراطية حتى فقدت هذه الكلمة معناها ومقتضياتها والحقيقي أن أسماء المرشحين تأتي من الأمانة العامة بالحسابات الشخصية والعلاقات العامة حتى صار الأمر كما قال الحبيب "إذا وُسِّد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة"، ونحن ننتظر الساعة.

 

6- ترى تعامل الحرس الجامعي مع الطلاب والطالبات وتوجيه الإساءة بسبب ممارستهم لحقوقهم، وترى الصد عن سبيل الله في المساجد ومحاربة التدين بشتى صوره والوقوف أمام نشر الدين ومحاربة القنوات الدينية التي تحمل الناس على فهم دينهم وتعلم ما جهلوا منه في ظلِّ غياب التعليم وسط بيئة فاسدة نرى المخدرات تُباع في شوارعنا رأي العين والموبقات تُرتكب أمام أعيننا، وزيادة نسب الحوادث المخيفة الهادمة لأي مجتمعٍ كالاختطاف والقتل والاغتصاب، وكل ذلك بسبب عدم تحكيم الشرع فهل هي مفاهيم مقلوبة أم هي مخططات تُحاك لهدم هذا البلد واغتصاب مقدراته وهدم ثرواته المادية والبشرية.

 

7- أخيرًا وليس آخرًا التعليم الذي غابت عنه القيم والمبادئ فهو منشأ أي تقدم ونهضة الشعوب، وأصبحنا نرى المُعلم ينشغل بالمادة والبحث عن لقمة العيش دون النظر لقيمٍ يغرسها في طلابه أو معنى تربوي، بل وصل الأمر أنه أصبح قدوةً سيئةً؛ حيث يعمل في بيئةٍ فاسدة، وقد ابتلي بالأمراض والأوجاع مما يأكل ويشرب ويعيش على هامش الدنيا براتبه الهزيل وذُل واختبر فيما يُسمَّى كادر المعلم حتى يحصد بضعة جنيهات، ولكن واأسفاه ضاع أجيال وأجيال وحتى الجامعات فأصبحنا في ذيل الأمم، وخاصةً في البحث العلمي مصر إلى أين؟؟!

 

أخي القارئ العزيز الحصار صوره كثيرة وأساليبه متنوعة ولكن عليك أن تثق بأنك المحاصر وليست غزة، عليك أن تنتفض لنبذ الذل والخنوع، وأسال الله "اللهم إنك ترى مكاننا وتعلم حالنا ولا يخفى عليك شيء من أمرنا، اللهم لا تأخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم ارفع عنا الهم والبلاء والزلازل والمحن ما ظهر منها وما بطن، اللهم أذن لشريعتك أن تحكم وأن تسود".

 

عزيزي القارئ لم أُقدِّم لك هذه المساوئ إلا لتنهض، ولن يكون نهوضنا إلا بإصلاح النفوس وإصلاح ذات البين وبناء جيل مسلم يحمل الهم والراية لإسعاد بلدنا، وسنظل نحلم بغدٍ أفضل ومستقبلٍ باهر لأولادنا، وعليك أن تبدأ بنفسك أولاً والخير قادم بإذن الله.

 

أخي أقدم لك في مقالاتٍ قادمة- إن كتب لنا اللقاء والبقاء- بعنوان "مصر التي في خاطري"، وإن كان هذا هو الكابوس فدعنا نحلم وشاركني الحلم، وليكن شعارنا في الدنيا ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ (هود: من الآية 88).

والله وأكبر ولله الحمد.