الله عز وجل يعلم أين يضع أمانته (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَّحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً) (الأحزاب: )، بمعنى أنه ظلومٌ لنفسه جهولٌ لطاقته، أمانة أبتها السموات والأرض ولجبال وقبلها الإنسان؛ لأنه صاحب إرادة قوية، طاقة الإنسان في التبليغ مائة ألف نفس؛ لقوله تعالى: (فَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيْدونَ) (الصافات).. الإنسان لديه القدرة على أن يستقبل ستين ألف فكرة يوميًّا (عقل الإنسان قادر على الاحتفاظ بنحو مائة مليار معلومة بما يعادل خمسمائة دائرة معارف), ثمانية وتسعون من هذا الكمبيوتر العظيم، (العقل) معطل، الإنسان لا يستفيد إلا من 9% فقط من طاقته!.. عطاءات الله لا تتنزَّل على الكسالى والبطَّالين وضعفاء العزم.
الله عز وجل في عهد نوح كان يمكن أن يهلك الكفار بمعجزة خارقة للعادة، ولكنه أمر نوحًا بجهد بشري مبذول (وَاصْنَعِ الفُلْكَ) (هود: من الآية) مائة عام، بدايةً من زرع الأشجار ذات الخشب السميك الذي يواجه الطوفان، تخيل سفينةً تُصنع في صحراء ليس فيها مياه، هذه السفينة كانت قصة نجاح في الحياة, تأمل قول الله (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيْلٌ) (هود: من الآية ) ثمانين فردًا عدد من آمن بنوح بمعدل فرد كل خمسة عشر عامًا، إذًا نجاح نوح وأصحابه كان بإرادة, ثم تأمل قول الله تعالى (وَمَن يُّرِدِ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُّرِدِ ثَوَابَ الآخِرَةِ نؤتِهِ مِنْهَا) (آل عمران: من الآية ) هذا قانون، نحن لا نملك عصا موسى أو خاتم سليمان، ولكن نملك كل مفردات التغيير.
الرسول الكريم غزا ست عشرة مرة، وأرسل ثمانية عشر سرية، وبعث أربع عشرة رسالة لأربعة عشر ملكًا من ملوك العالم بلغات مختلفة، وطاف على ست وعشرين قبيلة في عشرة أيام قبل الهجرة بثلاث سنوات حتى وصل المدينة، سار على قدمه في الطائف مسافة مائة كيلو متر في أربعة أيام بصحبة زيد بن حارثة، وهو في سن الخمسين، ولقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تاريخ إرادات، فتحوا الدنيا بمبادرات فردية:
فهذا مصعب بن عمير يفتح الله على يديه المدينة، وأبو ذر قبيلة غفار وأسلم، وعروة بن الزبير قبيلة ثقيف، والنعمان بن المقرن قبيلة مقرن، والطفيل بن عمرو الدوسي قبيلة دوس، حتى قيل عن هذا الجيل الخالد: "ما عاش أحدهم حيث وُلد، وما مات أحدهم حيث عاش"، كانوا رحالةً، حفروا الخندق ثلاثة كيلو مترات في أرض صخرية في خمسة عشر يومًا, وهذه أسماء بنت أبي بكر الحامل في شهرها السابع تصعد جبلاً مرتفعًا مرتين لتضع الطعام بين يدي رسول الله وصاحبه، ويسير على قدميه اثنين وأربعين كيلو مترًا في ستة أيام.
لقد طرد الرسول من مكة فأقام في المدينة دولةً ملأت سمع التاريخ وبصره, سُجن أحمد بن حنبل وجُلد فصار إمام أهل السنة, حًبس بن تيمية فأخرج من حبسه علمًا جمًّا، أقعد ابن الأثير فصنَّف جامع الأصول والنهاية، وهي من أنفع كتب الحديث، نُفي ابن الجوزي من بغداد فجوَّد القراءات السبع، فَقَد ابن خلدون أسرته فما أقعده هذا أن يكتب أعظم مؤلف في علم الاجتماع، وهو (مقدمة بن خلدون)، صالح بن كيسان من رواة الإمام البخاري، طلب العلم في سن التسعين، وظل يتعلم ويعلِّم سبعين سنة أخرى، حبَّذا لو جمع الصحيح كلمةً عاش لها الإمام البخاري بضعةً وثلاثين عامًا، وانشغل بجمعه ستة عشر عامًا، وكان يستيقظ في الليلة الواحدة ست عشرة مرةً؛ ليكتب الحديث.
مكث يوسف 40 سنة في محنة وعناء، عشر سنوات عبوديةً، وتسع سنوات مسجونًا، وقبله مغيب في الجب، وبعدها كان النجاح الساحق.. الإمام النووي كان هدفه أن يحبَّ الناسُ سنةَ رسول الله فألف "الأربعون النووية" و"رياض الصالحين" و"المجموع" و"شرح صحيح مسلم"، محمد الفاتح كان يحلم بالقسطنطنية ففتحها.
الشيخ أحمد ياسين كان يعاني من الشلل التام وفقدان البصر في العين اليمنى بعد ضربه عليها أثناء التحقيق معه وضعف شديد في الابصار في العين اليسرى والتهاب مزمن وحساسية في الرئتين والتهاب معوي، ومع هذا يخرج لصلاة الفجر ليلقى الشهادة.
الحاجب المنصور محمد بن عامر كان حمَّارًا في قرطبة، ثم أصبح أكبر خلفاء الأندلس، رئيس البرازيل كان خراطًا ومكث 14 سنة رئيس اتحاد العمال، وكان يفتخر بهذا في حياته وما وصل إليه، ريجان رئيس أمريكا الأسبق كان ممثلاً في بداية حياته، ولكنه وضع لنفسه هدفًا ووصل إليه، جورج فورمان بطل العالم في الملاكمة كان عامل تجميع إلكترونيات.
تشرشل رئيس وزراء إنجلترا الأسبق صاحب الخطب الرنانة والكلمات التي سجَّلها التاريخ؛ كان ألثغ لا ينطق حرف السين في شبابه، واصل بن عطاء رأس المعتزلة كان مخرج الراء عنده فاحشًا، وكان خصومه كثُر لشرح مذهب والدفاع عنه تضطره للخطابة، فعمل على إسقاط حرف الراء من كلامه، وكابد في ذلك الكثير حتى استقام له أن يُلقي الخطب الطوال بدون هذا الحرف، روزفلت رئيس أمريكا الأسبق اشتُهر بأنه من أشهر الرماة والمغامرين في عالم الصيد في عصره، كل هذا بعين واحدة فقد كان أعور.
ألف ميل يبدأ بخطوة، الذي ينقص المسلم اليوم ليس منطق الفكرة ولكن منطق العمل، نريد فردًا فعالاً منجزًا صاحب إرادة، الإحساس بالعجز يفقد الفرد فاعلياته وطاقاته.. الرسول الكريم كان يكره العجز، وعلمنا في الصباح والمساء الاستعاذة من معوقات الإرادة والنجاح؛ حيث جاء في دعائه: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، ومن الجبن والبخل، ومن غلبة الدين وقهر الرجال"، وقال رسول الله: "من قال هلك المسلمون فهو أهلكهم"؛ لأنه نزع الإرادة من المسلمين.
الهزيمة النفسية والذاتية أكبر معوق من معوقات النجاح.. لما سئل نابليون كيف استطعت أن تمنح الثقة في أفراد جيشك، قال كنت أردُّ بثلاث:
من قال لا أقدر أقول له حاول، ومن قال لا أعرف قلت له تعلم، ومن قال مستحيل قلت له جرب.
ليس هناك فشل إن شاء الله، لكنها محاولات وتجارب ونجاح.
-------------
* الدلنجات- محافظة البحيرة.