لقد انحرفت إحدى الجامعات المصرية المعروفة، وهي جامعة عين شمس، عن دورها التنويري والتعليمي والبحثي، وتحولت إلى وكر يديره حفنة من المجرمين الأشرار؛ مما يجعلك تشك ألف مرة أن يكون أمثال هؤلاء الأوغاد قد نالوا أي قسط من التعليم، أو التربية؛ حتى ولو كان ضئيلاً لا في المدرسة، ولا في البيت، ولا في الجامعة (إن كانوا طلابًا بحق).
ففي يوم الخميس الماضي الموافق 4/11/2010م وفي أحد الأيام العار على المؤسسات الجامعية المصرية اكتملت ملامح الجامعة الجديدة التي أرسى دعائمها، وثبت أركانها وزير التعليم الحالي ونجل وزير الداخلية الأسبق اللواء زكي بدر على أنقاض جامعة عين شمس، وهذه الجامعة الجديدة متخصصة في تجنيد وتدريب قوات النجم الساطع، والانتشار السريع المرابطة على حدود كلياتها لتصدير وتوريد أعمال البلطجة، وتأديب الطلاب إلى بقية الجامعات المصرية، وهذه الجامعة الجديدة تزخر بكل أدوات الإجرام من مطاوي.. وسنج.. وجنازير.. وقنابل مولوتوف، والبقية تأتي.
في هذه الجامعة تُدار المعارك الحربية في ساحة الحرم الجامعي سنويًّا ضد كل المخالفين في الرأي للحزب الحاكم، أو المطالبين بحقوقهم الدستورية في جامعة مستقلة وانتخابات طلابية حرة، بعيدًا عن تدخلات وزارة الداخلية وسلطاتها المطلقة (التي هي مفسدة مطلقة) في كل الجامعات المصرية من شمال مصر إلى جنوبها، ومن مشرقها إلى مغربها.
في هذا اليوم زار بعض أساتذة الجامعات المصرية من مجموعة العمل على استقلال الجامعات (9 مارس) زملاء لهم بجامعة عين شمس سابقًا (جامعة الأسلحة البيضاء حاليًا)؛ لتوعية أبنائنا الطلاب بحقوقهم الدستورية في التفكير والإبداع بعد صدور حكم المحكمة الإدارية العليا النهائي والقاضي بإلغاء قرار وزير الداخلية 1812 عام 1981م الذي أُنشئت بناء عليه قوات الحرس الجامعي، وبالتالي صار خروج قوات الشرطة، وتوابعها خارج أسوار الجامعات المصرية جميعًا أمرًا ملزمًا للنظام، باعتبار الجامعة محراب علم وليست ساحة قتال، وإلا سطر بيده فصلاً جديدًا من انعدام المشروعية الدستورية.
وبعد وقت قصير فوجئ الأساتذة بمجموعة من الشباب الذي يتفجر الإجرام والبلطجة من ملامحهم، يشقون صفوف الطلاب المنصتين عنوةً على أنهم طلاب بالجامعة، وتفوهوا بعبارات جارحة للأساتذة، واختطفوا عددًا كبيرًا من صور الحكم القضائي من أيدي الأساتذة الأجلاء، ومزقوها بعد دفع الأساتذة بالقوة على مرأى من قوات من الحرس الجامعي التي اكتفت بمشاهد عرض السنج والمطاوي والجنازير، وغير عابئة بما يحدث أمام أعينهم، وكأن هذه الأدوات الإجرامية مثلها مثل الكتب والمذكرات الدراسية، ولا بأس من إشهارها في وجه كل من يطالب باستقلال الجامعة، أو بحقه في حياة أكاديمية حقة، ترتقي بالمجتمع المصري وتنتشله من مستنقع الفساد والاستبداد.
وهذا المشهد المأساوي لا نجد له تفسيرًا غير تفسير واحد، وهو أن هؤلاء البلطجية ومحترفي الإجرام يشكلون حرسًا جامعيًّا موازيًا من نوع آخر، دشن برغبة وتواطؤ مشترك بين إدارة الجامعة ووزارة الداخلية الممثل الحصري للحزب الوطني بطول البلاد وعرضها، ومارس هذا العمل منذ 2007م حتى اليوم، وهذه الفرق البلطجية لها مهام خاصة في إرهاب المجتمع الطلابي والأساتذة وكي الوعي العام للمجتمع، ووضعه في مواجهة البديل الوحيد في حالة خروج الحرس الجامعي هو بلطجي لكل طالب.
يا سادة.. عندما ينبري وزير أو رئيس جامعة، أو عميد كلية لتبرير أعمال أسافل البشر من محترفي الإجرام، سواء كانوا طلابًا أو خريجي سجون بكارنيهات مزورة داخل الحرم الجامعي، وفي بيان رسمي يصف هؤلاء المجرمين بـ"الغيورين على هيبة جامعتهم"، فلا بد أن يستفيق المجتمع من غفوته ويلقي بهؤلاء المسئولين إلى مزبلة التاريخ... وعندما تدافع تلك القيادات الأكاديمية والجامعية عن حفنة من معتادي الإجرام، وتلفق التقارير الطبية، وتعبث بالأفلام والصور المسجلة لإبراء ساحتهم، وتصف أساتذة نالوا أرفع الدرجات العلمية والأوسمة الدولية بأنهم "قلة مندسة"، أو أنهم "اقتحموا" الجامعة فلا شك أننا بصدد حالة خطل وبؤس عقلي دفعت هذه الإدارة بغباء لترتيب الأحداث ومنتجة فيلم واختلاق أكاذيب وتصديقها، رغم أن الجامعة ظهرت عارية أمام الجميع المشاهدين للحدث، وانكشف على سوآت هذه الإدارة الجامعية كل طفل وبالغ، ومن ثم فلا عزاء للقيم الأخلاقية التي أهدرتها جامعة كانت تسمى جامعة عين شمس.
إن المجتمع المصري كله يقع عليه مسئولية حماية أبنائه، والمسئولية ليست فرض كفاية، بل فرض عين على واحد منا لنقف مع النفس ونتكاتف جميعًا للضرب بيد من حديد على يد هؤلاء المجرمين ومن وراءهم، أي لا بد من محاسبة هؤلاء الكبار منصبًا والصغار فعلاً وسلوكًا، ولا بد أن يقف جميع من يعنيهم الأمر ويحاسبوا كل مقصر جعل الحرم الجامعي ساحة قتال يديرها رئيس جامعة، ومعه بعض المنافقين ممن يتبوأون مناصب جامعية حساسة، قبل أن تحل الكارثة.
----------------