مع كل وثيقة جديدة يتكشف الوجه المجرم للحرب في كلٍّ من العراق وأفغانستان، وفي الوقت نفسه يتأكد إلى أي مدى تسير العدالة الدولية على يديها، وتفكر بعقل متناقض مع شعاراتها، وبضمير مغشوش ونفسية مهزومة، خادمة لقوى الاستعمار الكبرى، وإلا فأين هو صوت تلك العدالة وضميرها وتحركاتها التي تملأ الدنيا ضجيجًا مع أبسط الانتهاكات لحقوق الإنسان، وأحيانًا تكون انتهاكات مزعومة؟!.

 

أقول: أين صوتها من الوثائق التي تخرج إلى العلن تباعًا، والتي يشيب لها الولدان مما يجري في العراق وأفغانستان؟.. الذي سمعناه فقط هو احتجاجات من المؤسسات الأمريكية المعنية على بثِّ موقع «ويكيليكس» للوثائق الأخيرة دون التطرق لا بالاعتذار أو حتى التأسف على تلك المذبحة الدموية التي يشهدها العراق على أيدي قوات الاحتلال وتحت سمعها وبصرها، بل إن الرئيس الأمريكي السابق «جورج بوش» الابن صاحب قرارات الحرب في أفغانستان والعراق خرج بتصريح يوم الثلاثاء الماضي (9/11/2010م) في مقابلة مع محطة «إن بي سي» الأمريكية بمناسبة صدور كتابه «نقاط القرار»، الذي رصد فيه تجربته في الحكم، وأهم الأزمات التي واجهت إدارته، ومنها قرار غزو العراق، خرج بتصريح رفض فيه الاعتذار عن غزوه للعراق، ولم يبد مجرد الأسف عمن سقط من الضحايا، فقط أصرَّ على أن "الإطاحة بحكم صدام حسين كان أمرًا صحيحًا، وأن العالم أصبح أفضل بإزاحته عن الحكم".

 

نعم، العالم أصبح أفضل بإزاحة صدام حسين، وسيكون أكثر ارتياحًا بإزاحة كل الطغاة، خاصة الذين تمكن لهم الولايات المتحدة من الجثوم على صدور شعوبهم، ولكن "بوش" لم يتذكر- ولن يفعل- أن إزاحة طاغية العراق أزاحت معه ما يقرب من المليون قتيل بريء، ومثلهم من الجرحى، وثلاثة أضعافهم من المشردين، وأزاحت معها أيضًا ثروات العراق وعماره، وأعادته إلى العصر الحجري، وما زالت المأساة مستمرة بفعل قرار "بوش" غزو العراق.

 

والصورة نفسها حدثت- وما زالت- في أفغانستان وكذلك باكستان، فقد كان ثمن إزاحة طالبان من الحكم هو إزاحة بلد بكامله من الحياة تقريبًا، ورغم ذلك لم تتم إزاحة طالبان!! إن التشدق من الإدارة الأمريكية عندما تغزو بلدًا بأنها جاءت لإزاحة الطغاة "قولة حق يُراد بها باطل"، ووقائع التاريخ تشهد، فقد تمت إزاحة "شاوشيسكو" من رومانيا وإعدامه مع زوجته "إلينا"، وتمت إزاحة "فرنسوا دوفالييه" طاغية "هاييتي"، ومات "سلوبودان ميلوسوفتش" طاغية يوغسلافيا ومهندس حرب الإبادة ضد المسلمين في يوغسلافيا، مات وحيدًا في زنزانة بمحكمة جرائم الحرب الدولية، وتمت إزاحة "بورخي رافائيل فيديلا" طاغية الأرجنتين، وتمت إزاحة "أوجستينو بونشيه" طاغية "شيلي" وغيرهم وغيرهم.

 

نعم، كلهم كانوا طغاة وأذاقوا شعوبهم الويلات، ولكن إزاحتهم لم تكن بسبب طغيانهم وجبروتهم، وإنما كانت بسبب خروجهم على النص الأمريكي، وخروجهم عن الخطوط الحمراء "إياها".

 

فقط أتوقف أمام طاغية واحد- على سبيل المثال لا الحصر- وهو الجنرال "أوجستينو بينوشيه" الذي أطاح بالرئيس الشيلي الاشتراكي "سلفادور الليندي"، بعد أن عيَّنه قائدًا للجيش في أغسطس عام 1973م، بثلاثة أسابيع فقط (11/ 9/ 1973م)، وقد تبين بعد ذلك أن الانقلاب كان بتدبير ومساعدة أمريكية للتخلص من "سلفادور الليندي" اليساري الاشتراكي والمجيء بـ"بينوشيه" اليميني الذي يعتنق المبادئ الأمريكية حتى يحافظ على الشركات الأمريكية التي كانت تملأ "شيلي" وقتها مستغلة ثروتها المعدنية.

 

ومارس الرجل تحت سمع وبصر الإدارة الأمريكية واحدة من أشنع مجازر التاريخ ضد الشعب التشيلي، ولم تتحرك شعرة لدى الإدارة الأمريكية، فقط عندما انتهت مهمته، ولم تعد له أي قيمة تم التخلص منه عام 1988م، وعاش طريدًا كـ"شاه إيران" حتى وفاته في 10/12/2006م!.

 

وهناك ملاحظة مهمة: إن من يراجع كل البيانات والدراسات والمواقف الصادرة عن القادة السياسيين والعسكريين ومراكز الدراسات الأمريكية التي تدين الحرب في العراق وأفغانستان، لا تدينها بسبب الخراب والدمار الذي لحق بهذه البلاد، ولا بسبب الإبادة الوحشية التي ترتكب بحقِّ الشعبين، ولكن بسبب النفقات الطائلة التي هوت بالخزانة الأمريكية، وكانت بمثابة الطلقة الأولى التي أعلنت الأزمة المالية العالمية، فقد أنفقت الولايات المتحدة على الحرب في العراق ما يقرب من 4 تريليونات دولار، ويقول "جوزيف إي ستيجليتز" رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين في إدارة الرئيس "بيل كلينتون"، والفائز بجائزة "نوبل" في الاقتصاد عام 2001م: ".. لا شك في أن حرب العراق زادت الدين الفيدرالي إلى حدٍّ كبير، فقد ارتفع من 6.4 تريليونات دولار في مارس 2003م إلى 10 تريليونات دولار في عام 2008م (قبل الأزمة المالية)، وهكذا بنتيجة حربين باهظتي الثمن وممولتين بالدين، ساءت حال خزانتنا حتى قبل اندلاع الأزمة المالية، وقد فاقمت هذه المصائب المالية التردي الاقتصادي» (yamen nation- 8/9/2010).

 

انتهى كلام "ستيجليتز"، ولم تعد لنا كلمة سوى أن لعناتهم التي يصبونها على الحرب في العراق وأفغانستان ليست بسبب نبع الحنان والإنسانية الذي تفجر في قلوبهم، وإنما بسبب الدمار الذي أحدثته تلك الحرب لاقتصادهم وحرق قلوبهم!.

-------------

* كاتب مصري ومدير تحرير مجلة "المجتمع" الكويتية