لا تستقيم الحياة إذا قامت على أساس الثواب وحده دون عقاب أو العقاب دون ثواب، فكما يُكافأ المحسن لا بد أن يعاقب المسيء وإلا صارت الدنيا فوضى كاملة، تلك حكمة الله في الكون، ثواب وعقاب وعد ووعيد وجنة ونار.
وعند الأمم الناهضة المشرقة شمسها فإن القاعدة لا تغيب ولا تنشطر أبدًا، وانظر إلى الصهاينة -وهم في الأساس عصابة منظمة- ترى تشددًا هائلاً في تعقب من أساءوهم حتى إنهم يطاردون من قيل إنه شارك في اضطهادهم زمن هتلر وقد خطفوا (إيخمان) من الأرجنتين، وأعدموه في فلسطين المحتلة، وظل البعض هاربًا ربما لليوم متنكرًا؛ خشية انتقام الصهاينة مما نسب إليه بحق بعضهم حتى إن البعض أسلم وربما تظاهر بالإسلام متخفيًا وراء اسم وهيئة جديدين خشية الملاحقة الصهيونية، وانظر اليوم لترى أنهم يمارسون كل الضغوط لإفلات جواسيسهم من أعواد المشانق أو السجن مهما كان الثمن أو تحرير أسراهم، ولقد تحول شاليط إلى حديث الدنيا كلها، وراح يردِّد اسمه رؤساء أكبر الدول في العالم من أمريكا إلى ألمانيا إلى العالم العربي، بينما هناك ألف شاليط عربي، بل قل ألوف في سجون الاحتلال لا يحفل بهم قومهم، وهم رهينة في يد عدوهم فهم- بحق- الأيتام على موائد اللئام!.
ومن ينسى بكاء جولدامائير عندما علمت بإعدام الجاسوسة المصرية هبة سليم، وكان السادات قد أمر بسرعة تنفيذ حكم الإعدام فيها؛ لعلمه أن على رأس طلبات كيسنجر القادم للمفاوضات إخلاء سبيلها، وبالفعل ما أن التقى السادات وكيسنجر حتى بادر الأخير إلى طرح الإفراج عن الجاسوسة، باعتباره طلبًا بالغ الأهمية لرئيسة الوزراء الصهيونية شخصيًّا، وبادره السادات أنها أعدمت، وكانت هبة سليم لما سيقت إلى حبل المشنقة قد تزينت بظن أنها في طريقها إلى الإفراج عنها، ثقة في أن الصهاينة لا ينسون من خدمهم مهما كان إجرامه في حق وطنه الأم! وقبل ذلك كانت الطائرات الصهيونية تستقبل الجاسوسة في الجو عند زيارتها للكيان الصهيوني!.
وفكرة الذاكرة الحية قائمة في تاريخنا القديم أيام كنا أمة لا تنسى حسن ولا سوء الصنيع، ولقد ورثنا عن آبائنا وأجدادنا إلى نهاية الدهر كل صغيرة وكبيرة في بعض أجزاء تاريخنا القديم، سيما مع ظهور الإسلام، ومن قبله أيضًا، ففي حرب أبرهة الحبشي على مكة دل أبو رغال جيش أبرهة للطريق إلى مكة، ومن يومها ولليوم ما زال موضع أبي رغال معلومًا، يلقي إليه المارة ما يستحق من لعنات، أما اليوم فقد تبدل الحال وصار يتردد مثل شائه اللفظ والمعنى دلالة على أنه لا شيء يبقى في الذاكرة العربية، ويستوي في طي النسيان معظم المحسنين ومعظم المسيئين!.
ودعني أيها القارئ الكريم أستعرض لك بعض ما يُندى له الجبين، فمن المعلوم مثلاً أن بعض أصحاب الضياع والإقطاعيات في مصر هم من كبار الضباط المصريين ممن خانوا عرابي لصالح الإنجليز، وكانت الضياع والهبات هي المكافأة، وصاروا بعدها ينعمون بالغنيمة المسروقة من دم المصريين على حساب دم الوطن وكرامته، وراح أولادهم وأحفادهم يتباهون بالأصول العريقة لعائلاتهم، بينما الحقيقة أنهم أبناء وأحفاد خونة، ولو كانوا في أمة ناهضة لصاروا مثل الأجرب يتحاشى الجميع مجرد الاقتراب منهم هربًا من عارهم! وبعض تلك العائلات ذات صيت ذائع لليوم! ومن الأمثلة أيضًا أنه كلما مرت ذكرى مجزرة دنشواي نلعن الإنجليز وحدهم، وهم يستحقون بالقطع ألف لعنة على ما أجرموا؛ ولكن لماذا ننسى أو نسقط أن رئيس المحكمة هو المصري بطرس غالي وعضو اليمين هو المصري فتحي زغلول شقيق سعد زغلول؟ ألا يكون سعد زغلول هو سعد زغلول، وله أخ نكل بالمصريين وأعدمهم ظلمًا، وتحوَّل من خطيب بارع أيام ثورة عرابي إلى جلاد لشعبه، وهو من كتب أسباب الحكم بيده، وتبنى توقيع أشد العقوبات على الأبرياء؟!.
ولعل أبلغ ما قيل فيه إنما جاء في قصيدة لأمير الشعراء، عندما رقي لمنصب وكيل وزارة الحقانية، وكان من المقرر إقامة حفل التكريم في فندق شبرد:
إذا ما جمعتم أمركم وهممتموا بتقديم شيءٍ للوكيل ثمين
خذوا حبال مشنوقٍ بغير جريرةٍ وسروال مجلودٍ، وقيد سجين
ولا تعرضوا شعري عليه فحسبه من الشعر حكمٌ خطه بيمين
ولا تقرأوه في "شبرد" بل اقرءوا على ملأٍ في دنشواي حزين!!
وبالمناسبة فقد رقي بطرس غالي ليكون رئيسًا للوزراء بعد أن كان إبان رئاسته المجلدة أو المحكمة وزيرًا للعدل بالإنابة! ولماذا ننسي الهلباوي ممثل الادعاء في المحكمة وقد بالغ في إهانة المصريين والحط من كرامتهم، ووصفهم بأنهم مجموعة من خشاش الأرض، ووصف الإنجليز بأنهم سادة البلاد!.
وفي العصر الحديث تمر بشاعات، وينعم مرتكبوها بالعيش الرغيد، وينسى كل شيء حتى إن البعض يراهن على أننا أمة بغير ذاكرة، ومن الآن أعدكم بأن من أغرق الألوف في العبارات ومن نهبوا المليارات سيعودون يومًا إلى مصر، معززين مكرمين، وربما أُقيمت لهم الزينات كأبطال قوميين، فليس المهم ما صنعوا؛ ولكن المهم أن تدون آلة الإعلام الرهيبة لتقلب الحقائق وتعاديها، تلك الآلة التي تبنت يومًا أن محمد رضا بهلوي شاه إيران السابق أمدنا بالبترول أيام الشدة في حرب رمضان، واستقبل استقبال الأبطال في أرض مصر، بعد أن لفظته الدنيا كلها، وكانت أمريكا تساوم على تسليمه ليُحاكم في إيران، بينما الحقيقة الساطعة أن طائرات ودبابات العدو الصهيوني كانت تقتلنا مزودة بوقود الشاه الذي كان يحتقر العرب جهارًا نهارًا ولا يخفي رأيه فيهم!، والأمثلة لا تُحصى، مثلاً نائب في البرلمان مهمته في الأصل أن يكون ممثلاً للناس في مواجهة الحكومة رقيبًا على أداء الحكومة يخون أمانته وثقة الناس به، ويروح يحرض على قتل المحتجين على أوضاع حياتهم غير الإنسانية، ونسمع صرخة من هنا وصرخة من هناك ثم يسدل ستار النسيان!.
عندما اعتقل السادات رموز الوطن، وابتلعهم مكانه الأمين وهو الاسم الذي أطلقه على المعتقلات، عندها تبارى البعض في وصف الاعتقال بصفات البطولة، وزايد البعض وأطلق عليه مسمى الثورة! وهناك من رجال القانون من تبارى في وضع تشريعات لخنق الحريات العامة والحريات النقابية، ووضع النقابات تحت الحراسة، وما زال الحال مستمرًا لليوم!.
زورت الانتخابات بإقرار رئيس الوزراء صراحة وما زال المزورون في عين من سادتهم ممن كلفوهم بالتزوير، بينما لا يحرك المجتمع ساكنًا، ولا يبادر إلى وضعهم حيث يستحقون.
وعلى الجانب الآخر وانطلاقًا من قاعدة أنه لا الحسنة تنفع ولا السيئة تضر، فإن أبطالنا الحقيقيين- لا المصنوعين- يعيش أكثرهم، ويموتون منسيين، مهملين بل ويموت بعضهم كمدًا!.
لقد اختزلنا حرب السويس- إلى أبعد حد- في عبد الناصر، ثم اختزلنا حرب رمضان في الرئيس السادات إلى أن مات، ثم اختزلت بعد ذلك في شخص الرئيس مبارك والضربة الجوية! ولا ينكر أحد دور عبد الناصر والسادات ومبارك في الحربين؛ ولكن من المؤكد أن هناك إلى جوارهم قائمة طويلة من البطولات والأبطال ممن أهدر حقهم في التكريم اللائق.
لقد لقي عبد العاطي صائد الدبابات وجه ربه منذ سنوات قليلة، ولم ينل من التكريم عشر معشار ما ناله بعض المدعين، ولم يسكن قصرًا ولا بيتًا فخمًا، ولم يتقدم أحد لإنتاج فيلم عن حياته وبطولاته، وقد دمر وحده ثلاثة وعشرين دبابة صهيونية! هذا حفيد القعقاع بن عمر التميمي- لا نسبًا وإنما عقيدة وبطولة- ولو عاش في عصر يعرف للرجال أقدارهم لكان قعقاع عصره! وهناك الألوف ممن يستحقون ذلك وأكثر، ولكن سوء حظهم أنهم عاشوا وماتوا في وطن يميل بعض أصحاب الكلمة فيه إلى تكريم الراقصات أحياءً وأمواتًا، باعتبارهن ثروة قومية إن شعرت واحدة بألم في الرأس عُولجت في أمريكا، يصاحبها فريق من الأهل والأصدقاء على نفقة الدولة مهما كانت ممتلكاتها، بينما يجري تجاهل البطولات والأبطال الحقيقيين صانعي مجد الأوطان!.
وليس معقولاً أن ننتظر من الحكومات رصد عملائها في سجل أسود، وهم في النهاية خدامها، ومن الطبيعي أن بعض من نُسب إليهم مثلاً تزوير الانتخابات موضع الرعاية والتكريم من أسيادهم، بينما من نوَّه إلى فكرة التزوير نال ما نال من محاكمات أوشك بعضها أن يطيح ببعض خيرة أبناء الوطن، لولا وقفات شجاعة من شعبنا المصري الأبي العظيم لاقت تجاوبًا عالميًّا، فاتسع الخرق على الراتق، وجرى احتواء الأمر على مضض وكره ممن دبروا وتآمروا على الشرفاء! فلماذا لا ننشئ نحن- الشعب المصري- سجلاًّ أبيض وآخر أسود، نحصي ونكرم ونجرس كلاًّ حسب ما قدمت يداه؟ لماذا لا نحصي من خانوا ومن هانوا ومن باعوا أنفسهم، وأكثرهم معروفون يُشار إليهم بالبنان؟ ولماذا لا نكرِّم أبطالنا الحقيقيين وإن لم نجد مالاً كافيًا كرمناهم تكريمًا رمزيًّا، وإن لم نجد مكانًا كرمناهم على قارعة الطريق!.
هذه أمنية عابرة تليق بالأوضاع الراهنة والمتاح، أما أمنيتي أو بالأحرى إحدى أماني الكبرى فهي أن يأتي يوم يُقام فيه أكثر من نصب تذكاري للأنذال والخونة ومعدومي الضمير، وتُوضع على القواعد أسماؤهم وأفعالهم وتواريخهم السود، فهذا وجد أمانه في أحضان عدو أمته، وذاك شرَّد الألوف وجوعهم، وهذا باع ضميره وناصر الطغيان، وذاك خان أمانته ونكل بالأحرار والشرفاء أو أفلت رقابًا تستحق البتر، وهذا تدثر في ثوب رجل أعمال وتمكن من السطو على دم الجوعى والمشردين والقائمة طويلة، ويكون للمارة وعابري السبيل أن يفعلوا بكل نصب ما يفعل بموقع أبي رغال.. فكم في حياتنا من ألوف أبي رغال لا تمتد إليهم الأيدي ولا الألسنة بما يستحقون!!.
-----------
* الرئيس الأسبق للجنة تقصي الحقائق بنادي قضاة مصر ورئيس الاستئناف.