أثار ظهور حزب العدالة والتنمية التركي الكثير من الجدل داخل الساحة الإسلامية، وكذلك بين النخب العلمانية، وأيضًا داخل جماعة الإخوان المسلمين، ومحاولة تحديد تعريف دقيق لمشروع حزب العدالة والتنمية، يساعد على فهم ردود الفعل المتباينة تجاهه.

 

فالحزب يمثِّل المرحلة الأحدث من تجربة التيار الإسلامي في تركيا، وهي مرحلة شهدت العديد من الأحزاب التي رفعت شعارات سياسية، ولم ترفع الشعار الإسلامي، نظرًا لأنه ممنوع قانونًا، لأن الدولة التركية تقوم صراحة على العلمانية، ولها مبادئ علمانية متشددة، وكانت تجارب نجم الدين أربكان تقدم المشروع السياسي ضمنيًّا في برامج أحزابه التي أسسها، وكان يسمي المشروع الإسلامي بالنظام العادل، وبسبب انقلاب الجيش ومؤسسات العلمانية في تركيا على تلك التجارب؛ رأى تلاميذ نجم الدين أربكان، بقيادة رجب طيب أردوغان، التقدم بحزب علماني، تحت عنوان الديمقراطية المحافظة.

 

وأعلن أردوغان وصحبه، أن حزبهم حزب علماني، والناظر إلى فكرة الحزب وتصرفاته السياسية، يجد أنه يعتمد العلمانية المعتدلة، أي التي لا تعادي الدين في الحياة الشخصية والفردية، ولكنها لا تسمح بسيادة الدين كمرجعية عليا للنظام السياسي، وبهذا يمكن القول: أن حزب العدالة والتنمية هو حزب علماني أسسه إسلاميون، أما الغرض من ذلك، فهو يخضع لعدد من الاحتمالات، منها أن فكرة الحزب تمثِّل مرحلة انتقالية للخروج من العلمانية المتطرفة، والتي تعادي الدين، حتى في الحياة الفردية والخاصة، وأيضًا لبناء ديمقراطية تجعل الخيار الأخير للشعب، حتى وإن كان خيارًا غير علماني.

 

وبهذا يمكن أن يكون حزب العدالة والتنمية، يمثل مرحلةً انتقاليةً، تسمح بأن يختار الشعب التركي ما يريد، سواء كان النظام العلماني أو الإسلامي، ويمكن أيضًا أن يكون الحزب يهدف إلى بناء العلمانية المعتدلة بدل العلمانية المتطرفة، دون أن يؤدي دوره لفتح الباب أمام المشروع الإسلامي، كما يمكن أن يكون برنامج حزب العدالة والتنمية العلماني، هو مرحلة من مراحل الحزب نفسه، ثم بعد ذلك يتحول إلى حزب إسلامي، عندما يقضي على القوى التي تحمي العلمانية وتفرضها على المجتمع التركي.

 

وتجربة حزب العدالة والتنمية لها خصوصية ترتبط بموقف تركيا وأوضاعها، فهي تجربة في مناخ ديمقراطي، يسمح بالتداول السلمي للسلطة، ولكن يحرم الحركة الإسلامية من حقها في الوصول إلى الحكم، كما أن تركيا لها علاقات مع أمريكا وإسرائيل والاتحاد الأوروبي، تجعل ما يحدث داخلها، يرتبط بتوافق دولي، ولكن ما أثار القلق في بعض الأوساط الإسلامية، هو تحمُّس البعض للتجربة، خاصة داخل جماعة الإخوان المسلمين، وتصور البعض أنه يمكن نقل هذه التجربة، أو إعادة إنتاجها، ولكن بصورة مختلفة.

 

ومن الملاحظ.. أن البعض داخل قيادة جماعة الإخوان المسلمين، رأى أن الحماس لتلك التجربة يتعارض مع مشروع جماعة الإخوان المسلمين، وخشى من انتشار هذا الحماس، لذا كانت لبعض القيادات وقفة مع فكرة حزب العدالة والتنمية، وحاول البعض الآخر النظر إلى التجربة في ضوء الظرف التركي، باعتبارها حالة خاصة، لذا كان البعض لا يعارض التجربة في سياقها التركي، ولكن كان يعارض نقلها إلى السياق المصري، وهنا تظهر الفروق بين الحالتين التركية والمصرية، ففي مصر لا توجد ديمقراطية، أي لا يوجد باب مفتوح، حتى يتم النظر إلى كيفية الدخول منه، أو الاستفادة به، كما أن النظام المصري، أقل علمانية، ربما حتى من حزب العدالة والتنمية التركي، وتركيا تحكم بالعلمانية المتطرفة، أما مصر فتحكم بعلمانية متوارية، تحاول التسرب تدريجيًّا، ولم تتسرب بعد في المجال العام بقدر ما حدث في تركيا.

 

لكن الجانب الآخر المهم، يرتبط بالنظر إلى الوضع التركي، ففي تركيا حركات إسلامية متعددة، تأخذ شكل الجمعيات والمنظمات التي لا تهدف إلى الربح بجانب الحركات الصوفية، وبعضها أيَّد أربكان وبعضها أيَّد أردوغان، ولكن ظلت هذه الحركات تمارس دورها بوصفها حركات إسلامية لها مشروعها، فالحركات التي تساند أردوغان، لا تسمي نفسها حركات علمانية، ولا تحمل برنامج حزب العدالة والتنمية، ولكنها حركات إسلامية لها رؤيتها، ولها إستراتيجية عمل خاصة بها، ومن ثم، فإن الحركات الإسلامية في تركيا، هي التي ساندت الأحزاب التي أسسها إسلاميو تركيا، ولكنها لم تكن تتبنى برامج تلك الأحزاب، كمشروع نهائي لها، فهي كانت تبحث عن الحل الأفضل، أو الطريقة الأنسب للتعامل مع الوضع التركي، وتختار الحزب الذي تؤيِّد نهجه وأسلوبه، لهذا فجماعة الإخوان المسلمين، لا تقارن بحزب العدالة والتنمية، بل تقارن بالحركات الإسلامية التي تشهدها الساحة التركية؛ لأنها هي الحركات التي تمثل الشارع الإسلامي.

 

وتلك النقطة تظهر الفرق بين الحركة الاجتماعية الإسلامية والحزب السياسي؛ لأن الحركة الاجتماعية تحمل مشروعًا متكاملاً، ولا يمكن لها أن تتحول إلى برنامج مرحلي أو انتقالي، ولكن الأحزاب السياسية تقوم أساسًا على برامج مرحلية ومؤقتة؛ لأن السياسة من الأمور المتغيرة، لذا يمكن لحزب أن يتأسس على برنامج ثم يغيره؛ لأن برنامجه يرتبط فقط بالمستقبل القريب، ولكن الحركة الاجتماعية تحمل رؤية مستقبلية ومشروعًا متكاملاً، لذا لا يرتبط برنامجها أو رؤيتها بمرحلة زمنية، بل غالبًا ما تطرح رؤى كلية للمستقبل القريب والبعيد، وتلك هي خاصية جماعة الإخوان المسلمين، فهي تحمل المشروع الحضاري الإسلامي حسب رؤيتها، وهو ليس مشروعًا مؤقتًا أو مرحليًّا، ولكنه مشروع مستقبلي.

 

ومرةً أخرى نجد أن التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين، بوصفها حزبًا سياسيًّا؛ يمثل مشكلةً، فالجماعة لها مشروع، وهي بالطبع تريد تحقيق هذا المشروع تدريجيًّا وعلى مراحل، ولكن هناك فرق بين مراحل التنفيذ، وتأجيل المشروع أو تركه، من أجل مهمة سياسية وقتية؛ لأن هذا يكون من عمل الأحزاب السياسية، وليس من عمل الحركات الاجتماعية؛ لأن الأحزاب السياسية، يمكن أن تظهر وتؤدي دورًا ثم تختفي، ولكن الحركة الاجتماعية، تظل جزءًا من مجتمعها، وتحمل مشروعها، وتؤدي دورها بقدر ما تنال من تأييد مجتمعي، لهذا ظهرت حالة القلق داخل الجماعة، بسبب بعض المواقف المتحمسة لتجربة حزب العدالة والتنمية، فالبعض رأى في هذا الحماس موقفًا يدفع الجماعة إلى تأجيل مشروعها، والدخول في ثوب علماني ولو جزئيًّا، والعمل من خلال توافق غربي ودولي؛ ما يعني تعديل موقفها من الاحتلال الإسرائيلي، وهي أمور تتعارض مع مواقف الجماعة ورؤيتها.

 

ولكن في المقابل، يمكن ملاحظة أن الكثير من الأفكار التي تحمل مبادرات ومداخل جديدة لعمل الحركة الإسلامية، ومنها جماعة الإخوان المسلمين، ترتبط أساسًا بالبحث عن مخرج من حالة الانسداد السياسي الكامل، والتي تصل إلى أقصى درجاتها في مواجهة الحركة الإسلامية، بسبب موقف النخب الحاكمة، فتقديم مرونة في بعض المواقف، من أجل إنجاز بعض الأهداف دون التنازل عن الغايات النهائية، أمر يرتبط بحدوث تغير في الواقع، يفتح الأبواب المغلقة، ودراسة بعض البدائل، رغم أن بعضها ليس متاحًا، يراه البعض مثيرًا للتوتر والقلق؛ لأن التفكير في الاحتمالات، قبل تحقق الظروف المناسبة لها، قد يؤدي إلى الاستقطاب داخل الحركة، فيظهر من يركز على حماية الثوابت، ومن يحاول طرح كل الاحتمالات، والمشكلة تتزايد بسبب تعدد المقترحات المقدمة لجماعة الإخوان، رغم أن بعضها لا يتوافق مع اختياراتها، ويمكن أن يكون خيارًا لمجموعات أخرى. وجزء من المشكلة أن البدائل المطروحة لم تشكل بعد رؤى متكاملة؛ لأن الظروف المناسبة لها لم تتحقق بعد، لذا تبقى خيارتها مرتبطة بتغير الظروف.