جاءني صديقي- وهو من سكان السادس من أكتوبر- مكفهر الوجه يقول لي: مدرس العربي انقطع.

 

- انقطع! كيف؟ ولماذا؟

- لقد اختاره لنا أحد أقاربنا ليعطي ابني درسًا خصوصيًّا.. طلب في الساعة 60 جنيهًا على ألا يحضر له إلا في التاسعة مساءً، واتفقنا على أن يخفِّض المبلغ إلى 50 جنيهًا في الساعة، ولكن بدر لي سؤال وجهته إلى الأستاذ نصُّه:

- لكني أعلم أنك تقوم بالتدريس حاليًّا في مدرسة في الجيزة، أليس من المشقة عليك أن تحضر من الجيزة إلى السادس من أكتوبر في ساعة متأخرة؟!

 

- لأ.. أنا مقيم في السادس من أكتوبر وأركب سيارتي إلى مدرستي في الجيزة كل يوم.

 

ويواصل والد التلميذ روايته..

- قام سيادة المدرس بتدريس ساعة واحدة، وقبض المعلوم.. 50 جنيهًا بالتمام، ثم انقطع فجأة، فلما اتصلنا به هاتفيًّا ردَّ وقال:

 

- الحقيقة أنا اكتشفت أنني وقتي مزحوم، سأرسل إليكم مدرسًا خيرًا مني خلال أيام.

 

وكذب الأستاذ المحترم فقد مضى قرابة ثلاثة أسابيع، ولم يفِِ بما وعد، وقطع كل صلة
هاتفية بأهل الضحية، وهو الطالب الذي سيؤدِّي امتحان الشهادة الإعدادية هذا العام، وتحوَّلت الدروس الخصوصية إلى دروس "لصوصية".

 

- وما حدث من هذا المدرس "الشريف" يذكِّرني بواقعة حضرتها بنفسي من ثلاث سنوات: في يوم شديد الحرارة من أيام شهر يونيو قصدت موظفًا كبيرًا في ديوان مديرية الجيزة، وفجأة دخل علينا واحد من أصدقاء أو زملاء الموظف الكبير, ودار بينهما الحوار التالي:

- هيه.. عملت إيه يا "فلان" ؟

- ولا حاجة.. مفيش فايدة.. عجزت تمامًا عن "الحجز" قال لي: لقد تأخرت كثيرًا.. ولا مجال للحجز.. العدد "فُل".. كامل..

- طيب يا أخي حاول معه مرة ثانية..

- وثالثة ورابعة.. لعل وعسى.. حتى لو أدَّي الأمر أبعت له طوب الأرض..

- ربنا معاك.

وانصرف الضيف.. والفضول يستبد بي, ووجدتني تلقائيًّا أتوجه بالسؤال إلى الموظف الكبير.

- هيّ الشقق دي موقعها فين? وإيه مزاياها حتي يحزنك عجزك عن "حجز" إحداها؟

- شقق إيه يا سيدي? لا شقق.. ولا عمارات.. أنا بتكلم عن "درس خصوصي" في الرياضيات عند الأستاذ(...)

درس خصوصي؟!

- نعم.. واحنا في شهر يونية.. وبنتي ستكون في العام المقبل في السنة النهائية من المرحلة الثانوية.. والأستاذ معروف بشهرته وتمكنه من مادته.. وجداوله المستقبلية كلها كاملة العدد..

- ومكان الدروس الخصوصية؟!

- الفيلا التي يملكها سيادته.

- وعيون المسئولين.؟!

- قلبك أبيض.. أبيض قوي.

- على كل حال.. ربنا معاك ويمكّنك من" الحجز" قريبًا إن شاء الله.

 

وأجدني أقول لقد كذب من قال إن مصر في تقدُّم مطرد في الاقتصاد والتعليم، والتجارة، والصناعة، والمعيشة، ولكنه صادق كل الصدق إذا فسَّرنا التقدم بأنه تقدُّم ضليع إلى الخلف، واسألوا مراكز الإحصائيات العالمية.

 

وما ذكرته يتعلق بالتعليم في بلدنا مصر.. أقول إنها صورة واحدة.. تتكرر في شتَّى أنحاء العاصمة.. بل وصلت إلى المدن والقرى.. وأصبح "الدرس الخصوصي" هو الأصل.. والمدرسة هي الاستثناء، وأخبرني من لا أتَّهَم أن كثيرًا من المدرسين أصبحوا من "ذوي الشرحين": ففي الفصل يشرح الدرس بصورة سطحية لامسة.. أما الشرح الأصيل الثقيل.. فمؤجل "للدرس الخصوصي", ومن العجب أنهم حريصون على أن يشتهروا بذلك حتى يُقبل الطلاب على دروسهم الخصوصية.

 

إن ظاهرة الدروس الخصوصية تعتبر شهادة ضمنية.. بل صريحة بإخفاق التعليم عندنا، كما أنها تحوِّل القائم بالتدريس من مدرس إلى "حطام مدرس", وكيف تنتفع الدولة بمدرس يظل يعمل في "دروسه الخصوصية" أكثر من عشر ساعات يوميًّا? وكيف تستقيم معيشة أسرة تمتص الدروس الخصوصية شطرًا كبيرًا من ميزانيتها في ظل هذه الأزمة الاقتصادية الطاحنة?! بل إن بعض الأسر تبيع بعض أثاث بيتها, ومن الأمهات من يبعن حليهن للإنفاق على "الدرس الخصوصي"!!.

 

وبعد ذلك يتحدثون عن مجانية التعليم!! إنها مأساة.. مأساة حقيقية.. دفعت بعض الظرفاء إلى اقتراح يقدمه لدولتنا "الرشيدة جدًا" مؤداه: أن تغلق المدارس, وتوفر ميزانية التعليم.. وتوزَّع
الطلاب على بيوت المدرسين من "حيتان" الدروس الخصوصية..بأجر معلوم طبعًا.

 

تلك كانت صورة من صور الدروس الخصوصية، وأذكر أننا- تلاميذ الأربعينيات- من القرن الماضي- لم نكن نعرف للدروس الخصوصية مجالاً أو طريقًا، لأن "المدرسة" كانت تقوم بمهمة التدريس والتربية، على خير وجه.

 

ومع قيام الميمونة سنة 1952م أصبحت للدروس الخصوصية سوقًا رائجةً، وتفاقمت الظاهرة بوجهها الدميم حتى أصبح الدرس الخصوصي هو الأصل، والمدرسة هي الاستثناء.

 

ويبقى أهم سؤال ومؤداه، ومن المسئول؟ وخلاصة الإجابة: إننا نظلم المدرس لو ألقينا عليه العبء كله، فأنا أعرف كثيرًا من المعلمين يرفضون بشدة التكسُّب من وراء الدروس الخصوصية، ويبقى العبء الأكبر والحظ الأوفى واقعًا على الدولة، ووزارة التربية والتعليم بخاصة.

 

فقد كان جلّ اهتمام المسئولين منصرفًا إلى الانتشار الأفقي للعملية التعليمية، أي الاهتمام بالكم بصرف النظر عن الكيف، فزاد عدد المدارس والفصول زيادة رهيبة، وأصبح في الفصل الواحد ما لا يقل عن خمسين تلميذًا، وقد كان من قبل لا يشغله إلا عشرون كحد أقصى.

 

كما أخضعت الدولة نظامنا التعليمي لعدد من التجارب ثبت إخفاقها كلها؛ لأنها لم تعتمد على منهج علمي مدروس لهذه التجارب.

 

هذا زيادة على "التخريج الآلي" للمدرسين والسماح بالتدريس لمن لا يملك مؤهلاً تربويًا، حتى أصبح الحديث عن "جودة التعليم" نكتة سائدة، ودفع أحد خبراء التعليم في مصر إلى القول: "هو فين التعليم حتى نحكم عليه بالجودة أو عدمها؟".

 

هذا ومع الاعتراف بأن التزييف لازمة من لوازم ثورتنا الميمونة، لا أنسى أنه بعد أن ضرب اليهود مدرسة بحر البقر في عهد عبد الناصر في نكسة الخامس من يونيو 1967م، - ومعروف أن تلاميذها من أفقر الأسر المصرية- قامت الدولة باختيار ثلاثين طالبًا من أرقى المدارس في القاهرة يتقنون الإنجليزية والفرنسية، وأرسلتهم مصر إلى البلاد الأوروبية ليشرحوا مأساة "مدرستهم" بحر البقر.

 

ومن مظاهر التزوير في العهد المباركي أن شخصية نسائية مهمة قامت بزيارة إحدى المدارس هي وضيفتها الأجنبية، فقامت المدرسة على عجل باستعارة تلاميذ من مدارس آخرى أنظف ممن فيها.

 

تمامًا كما حدث عندما زار أوباما مصر.. بدأ المسئولون غسل "جامعة القاهرة" وتنظيف الشوارع وتلميعها، وكذلك مسجد السلطان حسن، وتغير وجه القاهرة إلى وجه جميل نظيف، وبعد مغادرة أوباما "عادت ريمة لعادتها القديمة"، ما دفع الناس إلى ضرب كف على كف، وأخذوا يقولون في سخرية "فينك يا أوباما"؟!

 

وأصبح النفاق "لازمة تعليمية تربوية" يرفع لواءها الآثم الفاضح مدرسون ومسئولون في مدارسنا:

ففي إحدى مدارس منوف جاء الامتحان مكوَّنًا من فقرتين هي (أ و ب) والفقرة (ب) مقسَّمة إلى (1و 2) الأول موضوع عن الحج، والثاني موضوع عن الرياضة، إلا أن واضع الامتحان أضاف كلمة (إجباري) في نهاية الفقرة الأولى (أ) حتى يُجبر التلاميذ في الكتابة عن الحزب الوطني بدلاً من الحج أو الرياضة، وكأن أهمية الحزب الوطني أهم عنده من الحج مثلاً، ونتساءل: ما فائدة الفقرة (ب) ما دام أن (أ) إجباري أم هي من باب التجميل؟!

 

ونرى بعد ذلك فضيحة عاتية جديدة من فضائح حكومة أحمد نظيف, إذ قامت الإدارة التعليمية بمنوف بمحافظة المنوفية بالدعاية والترويج لأفكار الحزب الوطني، وذلك من خلال وضع سؤال إجباري في سؤال التعبير بمادة اللغة العربية للصف الأول الإعدادي بامتحانات نصف العام؛ حيث كان نص السؤال: اكتب لأستاذك برقية تهنئة لفوزه بأمانة الحزب الوطني عن دائرته.

 

وفي امتحان الصف الأول الثانوي في مادة التربية الفنية بمحافظة شمال سيناء- مدرسة العريش الثانوية للبنين- في امتحان نهاية الفصل الدراسي الثاني 2004- 2005م، جاء سؤال التعبير الفني بالنص الآتي:

 

أولاً التعبير الفني:

تشهد الأيام القليلة القادمة منعطفًا خطيرًا في مصر للرؤية المستقبلية للشعب المصري لتحديد الأهداف والأولويات لتحسين حياة الفرد، والرئيس حسني مبارك قائد له تاريخ مستمر واستطاع أن ينقل مصر نقلات حضارية في الاقتصاد، والسياسة، والتعليم، والثقافة، والزراعة، والاستقرار، والأمان، وحرص على عدم المساس بأصحاب الدخل المحدود، وسعى لتحسين أحوال المعيشة، ووضع خططًا خمسية متتالية لازدهار التنمية، وحرص على إقامة مدن جديدة، ومشروعات ضخمة مثل: (توشكى- شروق العوينات- وترعة السلام) لرفع معيشة أبناء الوطن فلا يحتاج الرئيس لدعاية انتخابية والكل سيقول كلمته (نعم) يوم الانتخابات للرئيس مبارك.

 

عبَّر بقلمك وألوانك عن إحدى المشاهد التالية:

1- مشهد من مشاهد التأييد للرئيس مبارك في الشوارع، أو داخل اللجنة الانتخابية.

2- مشهد من مشاهد الإصلاح، والخدمات في مصر على يد الرئيس مبارك.

 

ثانيًا: التصميم الابتكاري:

داخل مستطيل مساحة 30 سم × 15 سم.

- صمِّم شعار تأييد للرئيس مبارك في الانتخابات القادمة مستخدمًا الرموز المناسبة.

- على أن تكتب عبارة "نعم لمبارك" داخل التصميم.

(استخدم الألوان التي تناسب الشعار).

 

وفي مطلع سنة 2010م سلَّموا الوزارة للوزير الهمام أحمد زكي بدر الذي كنا نتمنَّى أن يملك خبرةً في التربية والتعليم، ولكنه كان يعالج المسائل بطريقة اندفاعية لا تلد إلا تقدمًا إلى الوراء، ومن ذلك:

1- معاقبة المدرسين المخالفين- من وجهة نظره- بنقلهم إلى مدارس أخرى، أو تحويلهم إلى إداريين، فإذا كانت صورتهم كما رآها الوزير فإنهم سيسيئون إلى المدارس التي نقلوا إليها، ويهبطون بالأداء، وإذا حُولوا إلى إداريين كان في ذلك إساءة إلى الإدارة؛ لأنهم لا علم لهم بمجريات هذه الوظيفة الجديدة.

 

2- ومن أواخر الوقائع المؤسفة وقعة التلاميذ الثلاثة في مدرسة مصر الجديدة الإعدادية الذين استدرجوا زميلاً لهم إلى بدروم المدرسة، وتحرشَّوا جنسيًّا به واعتدوا عليه، وقام وزير التربية والتعليم الدكتور أحمد زكي بدر بزيارة مفاجئة للمدرسة، فاكتشف غياب حوالي ثلث التلاميذ وعدد كبير من المدرسين، وقرَّر نقل كل أعضاء هيئة التدريس وتوزيعهم على مدارس أخرى.

 

3- في عهده هبط الأداء التعليمي والتربوي إلى أقصى حد، ومن أسباب ذلك نظام الترقية في عهده.

 

4- ولا ننسى- كما أشرنا- سابقًا أنه في عهد وزيرنا أحمد زكى بدر أصبحت الدروس الخصوصية هي الأساس حتى بلغت التسعيرة للحصة الواحدة 90 جنيهًا.

 

فهل أصبح في مصر تربية أو تعليم ؟؟!

-----------

* gkomeha@gmail.com