الصورة غير متاحة

 د. حلمي محمد القاعود

التحرش بالإسلام والمسلمين لا يتوقف في أجهزة الدعاية الرسمية من صحف ومجلات وقنوات أرضية وفضائية، والتحرش أمر معتاد من خصوم الإسلام وأعدائه على السواء، ولكن حين يكون التحرش ممن يحملون أسماء إسلامية، ويمثلون النظام فهذا أمر يبدو غريبًا وعجيبًا وشنيعًا في بلد دينه الرسمي الإسلام، وأغلبيته الساحقة تدين بالإسلام عقيدة وشريعة، ودنيا وآخرة، وحياةً ومماتًا.

 

ولا شك أن هناك جناحًا في السلطة يكره الإسلام ويحاربه، ويتمنى زواله من الوجود؛ لأن ذلك يسهل له عملية الفساد والإفساد، ويتيح له التعامل مع أعداء الأمة بسهولة ويسر، وتنفيذ أوامرهم ورغباتهم الشيطانية دون تعقيدات أو صعوبات كتلك التي يجدها في ظل وجود الإسلام والمؤمنين به!.

 

هناك نُخَبٌ سُلِّطتْ على الأمة منذ زمن الاستعمار الفرنسي، ثم الإنجليزي ترى أن تقدم الأمة لن يتحقق إلا باللحاق بالاستعمار وأذنابه؛ ولذا فلا بد من القضاء على الإسلام تحت لافتات برَّاقة، بدءًا من التنوير (بمعناه الأوروبي)، والتقدمية (الماركسية)، والعلمانية (إلغاء الدين)، حتى الدولة المدنية والمجتمع المدني والليبرالية.. إلخ.

 

وقد حاولت هذه النخب التي ارتقت السلطة في الغالب محو الإسلام، ولكنها لم تستطع، حتى في زمن الاشتراكية، فقد وجدت أن من الضروري البحث عن مدخل ليقبلها الناس، فاختارت لها وصفًا يقربها من الإسلام، وسمتها الاشتراكية العربية!.

 

لم تتوقف النخب المعادية للإسلام والموالية للغرب يومًا عن التشهير بالإسلام وهجائه، وصناعة الأباطيل حول عقائده وتشريعاته، والبحث عن الثغرات أو السلبيات في سلوك بعض المسلمين، والارتكاز عليها لصبِّ حمم الأكاذيب والترهات على الإسلام والنيل منه، وكلما ظنَّ القوم أنهم نجحوا يُفاجأون بالهزيمة المريرة، وتنشأ أجيال تتمسك بالإسلام كأقوى ما يكون، حتى لو لم تجد مَن يقدمه إليها تقديمًا كاملاً، عندئذٍ تحتمي بالمسجد، وتنتظر لحظة الفرج الإلهي بوجود المعلم والمجدد والباعث الذي يجلو قيم الدين الحنيف، كما نزلت من عند رب العالمين.

 

ومن حينٍ لآخر، تُقيم السلطة مهرجانًا فجًّا تسميه الانتخابات، وما هي بانتخابات، ولكنها تزوير غشيم لإرادة الأمة، واستعراض للعضلات البوليسية، وشراء للذمم، وسوق للأكاذيب الفاجرة، ولا تكتفي بذلك بل تطلق أبواقها والمتحالفين معها من الأحزاب الورقية، والقوى الانتهازية للهجوم على الإسلام، بوصفه عائقًا يعوقها عن مواصلة مسيرتها الفاسدة الرديئة!.

 

قبل فترة فُوجئنا بأحد المسئولين من مخلفات التنظيم الطليعي، قيل إنه مرشح لرئاسة مجلس الشعب المقبل، يتحدث عن الإسلام حديثًا غريبًا، ويصفه أنه لا يصلح إلا في أمور الحيض والنفاس، وطقوس الجنازات، وأنه لا شأنَ له بالدنيا وأحوالها، ولا صلةَ له بالأمور الاجتماعية والسياسية والاقتصادية!.

 

ثم رأينا هذه الحملة الضارية على القنوات الإسلامية وإغلاقها بحجج واهية، لا تصمد أمام العقل، من قبيل إثارة الفتنة الطائفية، والدجل والشعوذة، والمفارقة أن هذه الحملة تركت القنوات التي تُثير الفتنة فعلاً، وهي غير إسلامية، ولم تستطع الاقتراب منها أو الإشارة إليها، كما تركت قنوات الدجل والشعوذة تسرح وتمرح وتخرق عين المشاهد على مدار الساعة، ثم إنها لم تشر بكلمة إلى القنوات الإباحية التي تقدم كل ما هو رخيص وبذيء، ومصادم للذوق والفطرة الإنسانية، ولم تستدع أحدًا من أصحابها لتقول له: ترفق بالشعب والأمة، ولا تبث هذا الانحطاط المخجل الذي يؤثر على الشباب والأطفال خاصةً!.

 

تمتد الحملة لتشغل الناس بالنقاب والحجاب، وكـأنهما يمنعان البلاد والعباد من التطور والتقدم والحرية والديمقراطية والاكتفاء الذاتي من الطعام، وتخصص لذلك مساحات ورقية واسعة ومساحات زمنية طويلة، هجاء للنقاب والمنتقبات، والإساءة في خلال ذلك إلى الإسلام، وكأنه لم يبق في مصر من مشكلات غير النقاب والحجاب.

 

أما الجوع والفقر والغلاء والجرائم اليومية وحوادث الطرق والسيارات والقطارات، ورغيف الخبز الذي صار معضلة المعضلات، والزحام السكاني وتناقص الأرض الزراعية وحُمَّى الاستيراد، ونهب أراضي الدولة، وسطوة المحتكرين واللصوص الكبار الذين يسرقون الدولة بالقانون، وانهيار الأمن الاجتماعي، والانحدار الاقتصادي، وزيادة الديون الخارجية والداخلية.. كل هذا لا يعني السلطة أو الجناح المعادي للإسلام في السلطة تحديدًا.

 

يصل الأمر ببعض الأبواق المأجورة، وخاصةً من فلول الأحزاب الشيوعية البائدة؛ إلى مطالبة السلطة بتعقب كل من يرفعون راية الإسلام والقضاء عليهم، وعدم تكرار تجربة (التساهل!) التي جرت في انتخابات عام 2005م؟!.

 

أما استغلال الهجوم على شعار "الإسلام هو الحل"؛ فحدث ولا حرج! فقد صار هذا الشعار حصان طروادة الذي يتسلل منه كل معادٍ لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ليقول في بجاحة: إن ذلك سيدفع غير المسلمين لرفع شعارات أخرى مماثلة تعبر عن أديانهم وتوجهاتهم؛ بل يتمادون في بجاحتهم ويصفون شعار الإسلام هو الحل بأنه شعار طائفي!!.

 

ولا أدري بأي منطق يتكلم هؤلاء؟ هل نسوا أن الإسلام هو دين الشعب وثقافته، للمسلمين وغير المسلمين على السواء؟ هل تحوَّل الإسلام وهو دين الناس جميعًا وثقافتهم؛ إلى طائفة؟ ما الذي يقلق في الشعار والدستور يؤكد إسلامية مصر صفة ومرجعًا؟ لماذا تكرهون الإسلام إلى هذا الحد؟ إذا كنتم مسلمين حقًّا فلا تنزعجوا من هذا الشعار.. لأنه يعبر عن الأمة جميعًا بلا استثناء، والاحتكام إلى صناديق الانتخابات الحقيقية قادر على فرز ما يريده الناس وما لا يريدونه من شعارات أو أشخاص أو اتجاهات! أما إذا كانت مناسبة الانتخابات فرصة للدعوة لإلغاء الإسلام من حياة الأمة ومستقبلها، فإن الأمر مستحيل بالنسبة لكم؛ لأن الشعب المسلم لن يفرِّط في إسلامه، ولو تحالفت عليه كل أبواق الزور الحكومية والإلحادية والطائفية.

 

من الطرائف النكدة أن حزبًا حكوميًّا يدعي اليسارية، أصدر بعض المطبوعات حول موقفه من الإسلام، فكان هذا الموقف تملقًا رخيصًا لبعض الطوائف، وسعيًا أرخص لكسب أصواتها، وجاء في بعض المطبوعات التي أصدرها الحزب اليساري الحكومي أن الصحابي الجليل عمرو بن العاص أول من أثار فتنة طائفية بين المسلمين وغيرهم في مصر، وأن جعفر بن أبي طالب رضي الله هو الذي أطفأها، ونسي اليساري الحكومي البائس كاتب الموضوع أنَّ مَن لقنوه هذا الجهل الفاحش لم يذكروا له أن جعفر رضي الله عنه قد استشهد قبل فتح مصر، وبالتالي فالقصة كلها ملفقة وغير صحيحة، وقد عاد اليساري الجاهل الذي ادَّعى كذبًا على الصحابي الجليل؛ ليعتذر ويعلن احترامه لعمرو بن العاص بعد انكشاف كذبه، ليقع في جهل أشد؛ حيث ادَّعى أن عمرًا قام بالفتنة بين المسلمين والنصارى في الحبشة، ونسي المذكور أن النجاشي كان يعرف كلاًّ من المسلمين وعمرًا جيدًا، وأن الحادثة التي يشير إليها كانت في مجالٍ آخر ولهدفٍ آخر، هو إخراج المسلمين من الحبشة وتسليمهم إلى قريش، ولم تكن فتنة بين المسلمين والنصارى كما ادَّعى!.

 

إن التحرش بالإسلام وزيادة وتيرته في موسم الانتخابات المهزلة، مع القبض على عشرات الشباب من الإسلاميين، والتشهير بالمرشحين الذين قبلوا خوض هذه الانتخابات البائسة، يمثل وصمة عارٍ في جبين النظام البوليسي الفاشي، ويشكك في صدق مزاعمه التي تتحدث عن الشفافية والنزاهة والالتزام بالضوابط القضائية.

 

ولا أظن أن الأمر يخفى على المراقبين في الداخل والخارج، فالهدف من هجاء الإسلام والإسلاميين هو عدم تمكين المرشحين الإسلاميين من الفوز، ومحاولة إقناع العامة بسلامة موقف مرشحي السلطة، وتسويغ مسبق لعمليات التزوير الغشيم التي تمارسها الأجهزة الأمنية علنًا وعلى رءوس الأشهاد، لينجح المصفقون والمنافقون والجلادون السابقون، وليقول المجلس المتوقع ردًّا على طلبات الحكومة الفاشلة: موافقة! موافقة!.

 

من الأفضل للنظام البوليسي الفاشي أن يوفِّر على نفسه هذه الحملات الرخيصة ضد الإسلام؛ لأن الشعب لن يصدقه، ولن يقبل بما يقول!.