في المقالين السابقين تمَّ تناول موقف الإمام البنا- رحمه الله- من شمولية الإسلام والتطبيق العملي له في المجالات المتعددة للحياة، كما تمَّ تناول منهج الإمام البنا- رحمه الله- في الإصلاح، ومفهومه للعمل السياسي، وطبيعة العلاقة بين العمل السياسي والعمل الدعوي، والمسارات والوسائل الأساسية لتحقيق الإصلاح المنشود، وبإذن الله تعالى يتناول هذا المقال نظرة الإخوان المسلمين للحكم، وموقفها من الحكومات والهيئات والأحزاب السياسية، كما يتناول المقال موقف الإخوان المسلمين من قضايا العنف والإرهاب.

 

نظرة الإخوان المسلمين للحكم

إنَّ نظرة الإخوان المسلمين للحكم تنطلق من الأصول الإسلامية الواردة في الكتاب والسُّنة، ولقد كان الإمام البنا- رحمه الله- حريصًا أشد الحرص على تبيان موقف الجماعة من الحكم بصورة دقيقة واضحة لا لبس فيها، ولا غموض، كما أنه أوضح ما قد يتبادر إلى أذهان الناس حول هذا الأمر، بقوله : "يتساءل فريق من الناس: هل في منهاج الإخوان المسلمين أن يكونوا حكومة، وأن يطالبوا بالحكم؟ وما وسيلتهم في ذلك؟"، فأجاب- رحمه الله- على ذلك بقوله(1):

"وهذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنًا من أركانه، ويعتمَّد على التنفيذ، كما يعتمَّد على الإرشاد، وقديمًا قال الخليفة الثالث رضي الله عنه: "إنَّ الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الحكم عروة من عرى الإسلام".

 

"الحكومة في فكر الإخوان المسلمين ركن من أركان هذا الدين، فالإسلام حكم وتنفيذ، كما هو تشريع وتعليم، وهو قانون وقضاء، وقد جعل المصطفى صلى الله عليه وسلم الحكم عروةً من عرى الإسلام، وعدَّه الفقهاء من العقائد والأصول لا من الفروع والفقهيات".

 

ونستخلص من هذا أن الإسلام يجعل الحكم ركنًا من أركان هذا الدين، والإخوان المسلمون يزنون أمورهم كلها بميزان الشرع وضوابطه الحكيمة، وأن المنطلق الأساسي الذي يتحركون به هو عقيدتهم ودينهم وليس أهواءهم وآرائهم.

 

ثم يستكمل الإمام البنا قوله: "الإخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم، فإن وجدوا من الأمَّة مَن يستعد لحمل العبء وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهاج إسلامي قرآني؛ فَهُمْ جنوده وأنصاره وأعوانه، وإن لم يجدوا؛ فالحكم من منهاجهم، وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفِّذ أوامر الله".

 

ونستخلص من تاريخ الإخوان المسلمين الممتد منذ النشأة حتى الآن؛ أنهم كانوا ترجمةً عمليةً لهذه المعاني والمفاهيم، فكانوا جنودًا وأنصارًا لكل من يحمل الإسلام، ويعمل على إنفاذه في واقع الأمَّة الإسلامية، ولم يجعلوا هدفهم الأسمى هو وصولهم إلى الحكم؛ لأنهم يعلمون ويعتقدون أن الهدف الأسمى هو الحكم بالإسلام، بغض النظر مَن يقوم على الحكم.

 

ثم يستكمل الإمام البنا قوله: "الإخوان أعقل وأحزم من أن يتقدموا لمهمة الحكم، ونفوس الأمَّة على هذا الحال، فلا بدَّ من فترة تنتشر فيها مبادئ الإخوان وتسود، ويتعلَّم الشعب كيف يؤثر المصلحة العامة على الخاصة".

 

ولقد حرص الإخوان المسلمون على مدار تاريخهم بالعمل على توجيه جهودهم وطاقاتهم؛ من أجل تربية الأمم والشعوب على قيم الإيجابية، وتغليب المصلحة العامة على الخاصة، وتهيئة الشعوب ونفوس الأمَّة إلى العمل بأحكام الإسلام وتعاليمه.

 

ثم يحدِّد الإمام البنا المبادئ الأساسية التي يقوم عليها الحكم بقوله: "ويعتقد الإخوان أن مبادئ نظام الحكم الدستوري التي تتلخص في(2):

1-المحافظة على الحرية الشخصية بكلِّ أنواعها.

2- الشورى.

3- استمَّداد السلطة من الأمَّة.

4- مسئولية الحاكم أمام شعبه، وضرورة محاسبته على ما يعمل من أعمال.

5- ضرورة بيان حدود كل سلطة من السلطات.

 

هذه الأصول كلها يتجلَّى للباحث أنها تنطبق كل الانطباق على تعاليم الإسلام ونظمه وقواعده في شكل الحكم، ولهذا يعتقد الإخوان المسلمون أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام، وهم لا يعدلون به نظامًا آخر".

 

إن نظرة الإخوان المسلمين لنظام الحكم تنطلق من خلال الأصول الإسلامية، ومستفيدة من التجارب العملية التي خاضتها الأمم والشعوب؛ ولذا فإن الشورى واستمداد السلطة من الأمَّة، ومسئولية الحاكم أمام شعبه، كل ذلك من أصول الحكم الإسلامي.

 

ويتضح بجلاء موقف الإخوان المسلمين من الحكم في هذه الكلمات المنشورة في إحدى وثائق الجماعة، التي تحدِّد أن غاية الإخوان هي تحكيم الشريعة لا الحكم ذاته:

"ويعتبر الإخوان المسلمون أنفسهم دعاة إلى الله- تعالى- بالحكمة والموعظة الحسنة، ويستهدفون من خلال دعوتهم تطبيق شرع الله كما أمر، وذلك من خلال الوسائل السلمية المتاحة وعبر المؤسسات الدستورية القائمة، ولا يسعى الإخوان إلى الحكم طلبًا له وأملاً فيه، كما يفعل الكثير من الناس هذه الأيام".

 

".. وليس الحكم، ولن يكون هدفًا للإخوان المسلمين، غير أنه إذا جاءهم عن طريق صناديق الاقتراع الحر النزيه، فإنهم لا يرفضونه من منطلق أنهم أصحاب برنامج إصلاحي ذي مرجعية إسلامية، ويعتبرون ذلك مسئولية كُلِّفوا بها من قبل الشعب، والمسئولية في فهمهم أمانة وتكليف، وليست وجاهةً وتشريفًا".

 

"ويرى الإخوان أن المخاوف والشكوك التي يثيرها البعض- بقصد أو بغير قصد- حول الحكومة الدينية بالشكل الذي عرفه العالم عن الكنيسة في العصور الوسطى، ليس لها وجود في الإسلام ولا في فكر الإخوان المسلمين، كما أوضحوا ذلك في كثير من كتبهم ورسائلهم، فالحكومة التي تلتزم تطبيق شرع الله تعالى بكماله وشموله هي حكومة مدنيَّة ذات مرجعية إسلامية، بمعنى أن نظامها السياسي يعتمد الشورى المُلزِمة، ولا يتحكَّم فيها رجال دين، وتقيم العدل وتصون الحريات العامة، وتقر التعددية السياسية، وللشعب حق مساءلتها وتعيينها وعزلها"(3).

 

وفي عصرنا الآن كثر الكلام حول الدولة ومفهومها في الإسلام، وهل هي مدنيَّة أم دينية أم غير ذلك مما اصطلح عليه الناس من مسميات؟

 

إنَّ من أهم صفات الدولة الإسلامية أنها دولة مدنيَّة، تقوم على التعاقدية، والمواطنة، والبرلمانية، والتعددية، والتداولية، ودولة مؤسسات وقانون، فهي دولة مدنيَّة بالضرورة؛ لأنها ليست عسكرية، ولا فردية ديكتاتورية، ولا ثيوقراطية، وإنما دولة لكل الناس.

 

ويمكن إجمال مفهوم الدولة الإسلامية في هذه الكلمات(4):

"الدولة الإسلامية دولة دستورية أو شرعية لها دستور تحتكم إليه، وقانون ترجع إليه، ودستورها يتمَّثل في المبادئ والأحكام الشرعية التي جاء بها القرآن الكريم وبيَّنتها السُّنة النبوية، وهذا الالتزام من الدولة بقانون الشريعة هو الذي يعطيها الشرعية، ويجعل لها حق المعاونة والطاعة من الشعب، فأمَّا إذا حادت عن هذا المنهج أو النظام، فهذا يسلبها حق الشرعية، ويسقط عن الناس واجب الالتزام بطاعتها".

 

"والدولة الإسلامية بطبيعتها مدنيَّة؛ فالحاكم في الإسلام مقيَّد غير مطلق، هناك شريعة تحكمه، وقيم توجهه، وأحكام تقيِّده، وصفها له ربُّ العباد، ولا يستطيع هو ولا غيره من الناس أن يلغوا هذه الأحكام، ولا أن يجمدوها".

 

ولذلك، فإن الإخوان المسلمين عندما يعلنون أنهم يريدون دولةً، إسلاميةً، إنما هم بذلك يعنون نظام الحكم الدستوري الذي يحافظ على الحرية الشخصية بكل أنواعها، ويحافظ على الشورى واستمداد السلطة من الأمَّة، وعلى مسئولية الحكام أمام الشعب ومحاسبتهم على ما يعملون من أعمال، ويبيِّن حدود كل سلطة من السلطات.

 

موقف الإخوان المسلمين من الحكومات والهيئات:

لقد أوضح الإمام البنا- رحمه الله- موقف الإخوان المسلمين من الهيئات والحكومات من أجل تحقيق الإصلاح بقوله: ".. فهذه رسالة الإخوان المسلمين، نتقدم بها, وإنا لنضع أنفسنا ومواهبنا وكل ما نملك تحت تصرف أي هيئة أو حكومة تريد أن تخطو بأمة إسلامية نحو الرقي والتقدم، نجيب النداء ونكون الفداء، ونرجو أن نكون قد أدَّينا بذلك أمانتنا وقلنا كلمتنا، والدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"(5).

 

والإخوان المسلمون لم يكونوا في يوم من الأيام في خصومة مع غيرهم من الحكومات والهيئات، ما دامت أنها تسعى إلى النهوض بالأمَّة الإسلامية، ويعتبرون أنفسهم جنودًا لها، من أجل تحقيق الإصلاح والتقدم والرقي لجميع أبناء الأمَّة الإسلامية والعالم أجمع.

 

الإخوان والحزبية:

لقد تناول الإمام البنا- رحمه الله- الحديث حول الأحزاب والعمل الحزبي في أكثر من موضع في رسائله، ويمكن ترتيبها على هذا النحو حتى يتجلَّى لنا بوضوح موقف الإخوان المسلمين من هذه القضية التي تُثار من حين لآخر.

 

  يؤكد الإمام البنا- رحمه الله- على المبدأ العام بقوله: "نحن دعوة القرآن الحق الشاملة الجامعة: طريقة صوفية نقية.. وجمعية خيرية نافعة.. ومؤسسة اجتمَّاعية قائمة.. وحزبًا سياسيًّا نظيفًّا يجمع الكلمة ويبرأ من الغرض، ويحدد الغاية، ويحسن القيادة والتوجيه"(6).

 

ونخلص من ذلك بصفات أساسية لأي حزب سياسي نظيف:

(1) يجمع الكلمة.

(2) ويبرأ من الغرض.

(3) ويحدد الغاية.

(4) ويحسن القيادة والتوجيه.

 

ويؤكد- رحمه الله- على ضوابط العمل الحزبي بقوله:

"وفرقٌ- أيها الإخوان- بين الحزبية التي شعارها الخلاف والانقسام في الرأي والوجهة العامة وفي كل ما يتفرع منها، وحرية الآراء التي يبيحها الإسلام ويحضُّ عليها، وتمحيص الأمور وبحث الشئون والاختلاف فيما يعرض تحريًا للحق، حتى إذا وضح نزل على حكمه الجميع سواء أكان ذلك اتباعًا للأغلبية أو للإجماع، فلا تظهر الأمَّة إلا مجتمَّعة، ولا يُرَى القادة إلا متفقين (6).

 

ويحدِّد الإمام البنا- رحمه الله- موقف الإخوان المسلمين من الأحزاب السياسية بقوله: "أمَّا موقفنا من الأحزاب السياسية، فلسنا نفاضل بينها ولا ننحاز إلى واحد منها، ولكننا نعتقد أنها تتفق جميعًا في عدة أمور:

- تتفق في أن كثيرًا من رجالها قد عملوا على خدمة القضية السياسية المصرية، واشتركوا فعلاً في الجهاد في سبيلها، وفي الوصول إلى ما وصلت إليه مصر من ثمرات هذا الجهاد الضئيلة أو الجليلة، فنحن في هذه الناحية لا نبخس هؤلاء الرجال حقهم.

- وتتفق كذلك في أن حزبًا منها لم يحدِّد بعدُ منهاجًا دقيقًا لما يريد من ضروب الإصلاح، ولم يضع هدفًا يرمي إليه، وهي لهذا لا تتفاوت في المناهج والأغراض والغايات.

- وتتفق كذلك في أنها جميعًا لم تقتنع بعدُ بوجوب المناداة بالإصلاح الاجتماعي على قواعد الإسلام وتعاليم الإسلام، ولا يزال أقطابها جميعًا يفهمون الإسلام على أنه ضروب من العبادات والروحانيات لا صلة لها بحياة الأمم والشعوب الاجتماعية والدنيوية.

 

 ونحن لا نهاجمهم؛ لأننا في حاجة إلى الجهد الذي يُبذَل في الخصومة والكفاح السلبي؛ لننفقه في عمل نافع وكفاح إيجابي وندع حسابهم للزمن، معتقدين أن البقاء للأصلح، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17)﴾ [الرعد: من الآية17).

 

ولقد أوضحت جماعة الإخوان المسلمين موقفها من التعددية السياسية والحزبية في إحدى وثائقها التاريخية:

– ولمَّا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم الواجبات التي نصت عليها شريعة الإسلام.

- ولمَّا كان تقويم الحكام ومواجهتهم ومعارضة نزواتهم وانحرافاتهم لم يعد مما يقوى عليه فرد من الأفراد، بل بات من الضروري أن يجتمع عليه جمهور من الأمَّة.

- ولمَّا كان الاختلاف واقعًا فيما هو محل اجتهاد من النصوص الشرعية.

- ولمَّا كان تنظيم المباح يشمل غالب معايش الناس؛ فإنه لا بدَّ أن تختلف فيه مناهج الإصلاح والتدبير.

- ولمَّا كان الخلاف والتعدد طبيعة من طبائع البشر وواقعًا ملموسًا في الحياة لا يجوز إنكارها، وقد حدث الاختلاف في الرأي في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم في العديد من الأمور فلم ينكره، وإنما المنهي عنه هو التنازع الذي يؤدي إلى الفشل والضعف والهوان، أما اختلاف الآراء؛ فهو تكامل وتنوع للنظر لا بدَّ منه؛ لاستجلاء الحق والوصول إلى الأصلح والأرجى منفعةً، خصوصًا إذا اقترن بالتسامح وسعة الأفق، والبعد عن التعصُّب وضيق النظرة.

 

"ولذا؛ فإننا نقبل بتعدد الأحزاب في المجتمع الإسلامي، وأنه لا حاجة لأن تضع السلطة قيودًا من جانبها على تكوين نشاط الجماعات أو الأحزاب السياسية، وإنِّما يترك لكل فئة أن تعلن ما تدعو إليه وتوضح منهجها، وما دامت الشريعة الإسلامية هي الدستور الأسمى، وهي القانون الذي يطَّبقه قضاء مستقل محصن بعيدًا عن أي سلطة أو جهة، ومؤهلاً فكريًّا وعلميًّا وفقهيًّا وثقافيًّا، فإن في ذلك ما يكفي؛ لضمان سلامة المجتمع واستقامته على الطريق السوي".

 

“كما أننا نرى أن قبول تعدد الأحزاب في المجتمع الإسلامي على النحو الذي أسلفناه، يتضمَّن قبول تداول السلطة بين الجماعات والأحزاب السياسية، وذلك عن طريق انتخابات دورية".

 

وتؤمن الجماعة أن مصلحة الأمَّة وأمنها واستقرارها يكمن في حرية العمل العلني للأحزاب والجماعات، وهذا لن يتمَّ إلا بإقرار الحريات العامة، وإشاعة ثقافة الحوار في المجتمع، بدلاً من ثقافة الإقصاء، وثقافة التعايش، بدلاً من ثقافة الاستئصال.

 

سادساً: موقف الإخوان المسلمين من العنف والإرهاب:

لقد حدَّد الإمام البنا- رحمه الله- موقف الإخوان المسلمين من قضية العنف والإرهاب بهذه الكلمات التى ذكرها في بيانه للناس المنشور بتاريخ 11 يناير 1949م جريدة (المصري):

  "كان هدف دعوتنا حين نشأت (العمل لخير الوطن، وإعزاز الدين، ومقاومة دعوات الإلحاد والإباحية والخروج على أحكام الإسلام وفضائله).. فما كانت الجريمة ولا الإرهاب ولا العنف من وسائلها؛ لأنها تأخذ عن الإسلام وتنهج نهجه وتلتزم حدوده، ووسيلة الإسلام في الدعوة مسجَّلة في كتاب الله  ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾  (النحل: من الآية 125).

 

    والقرآن الكريم هو الكتاب الذي رفع من قدر الفكر، وأعلى قيمة العقل، وجعله مناط التكليف، وفرض احترام الدليل والبرهان، وحرم الاعتداء حتى في القتال فقال: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: من الآية 190).

 

والإسلام الحنيف هو دين السلام الشامل، والطمأنينة الكاملة والروحانية الصافية، والمُثل الإنسانية الرفيعة، ومن واجب كل مسلم ينتسب إليه أن يكون مُظهرًا لهذه الحقيقة التي صوَّرها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده".

 

ولقد حدث أن وقعت أحداث نسبت إلى بعض من دخلوا هذه الجماعة دون أن يتشربوا روحها.. ولما كانت طبيعة دعوة الإسلام تتنافى مع العنف بل تنكره، وتمقت الجريمة مهما يكن نوعها، وتسخط من يرتكبها، فنحن نبرأ إلى الله من الجرائم ومرتكبيها.

 

    ولما كانت بلادنا تجتاز الآن مرحلة من أدقَّ مراحل حياتها؛ ما يتوجب أن يتوفر لها كامل الهدوء والطمأنينة والاستقرار.. وكل ذلك يفرض علينا أن نبذل كلَّ جهد، ونستنفد كل وسع في أن نعين الحكومة في مهمتها ونوفِّر لها كل وقت ومجهود؛ للقيام بواجبها والنهوض بعبئها الثقيل، ولا يتسنَّى لها ذلك بحق إلا إذا وثقت تمامًا من استتاب الأمن واستقرار النظام، وهو واجب كل مواطن في الظروف العادية، فكيف بهذه الظروف الدقيقة الحاسمة التي لا يستفيد فيها من بلبلة الخواطر، وتصادم القوى، وتشعب الجهود إلا خصوم الوطن وأعداء نهضته؟!

 

   لهذا أناشد إخواني؛ لله والمصلحة العامة، أن يكون كل منهم عونًا على تحقيق هذا المعنى، وأن ينصرفوا إلى أعمالهم، ويبتعدوا عن كل عمل يتعارض مع استقرار الأمن وشمول الطمأنينة حتى يؤدوا بذلك حق الله والوطن عليهم.

 

ولقد أكَّدت جماعة الإخوان المسلمين موقفها من قضية العنف والإرهاب في إحدى وثائقها بالنقاط العشر الآتية:

1- إنَّ الجماعة تؤكد أن المنهاج الإسلامي في التغيير، الذي تلتزم به دائمًا هو المنهاج السلمي الدعويِّ التربويِّ الشامل.

2- إنَّ هذا التغيير السلميِّ الدعويِّ التربويِّ السياسيِّ لا بدَّ أن يسلك سُنة التدرُّج في الإصلاح، وهو المنهاج الذي تلتزمه جماعة الإخوان المسلمين عندما تعمل على أن يكون الإصلاح الاجتمَّاعي والسياسي جزء من الإصلاح التربويِّ والفكريِّ والدعويِّ، بل وثمرة لإعادة صياغة الإنسان- فردًا وأسرةً وأمةً- صياغة إسلامية.

3- إنَّ الجهاد في المفهوم الإسلامي هو أعمُّ وأشمل وأوسع من القتال.. فالجهاد هو بذل الجهد واستفراغ الوسع والطاقة في أي ميدان من ميادين الإصلاح.

4- إنَّ القتال المزهق للأرواح، هو ضرورة استثناء، وليس من طبائع الفطرة السوية ولا من الغرائز الإنسانية، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 216).

5- إنَّ الجهاد القتالي لا مكان له في داخل الصف الإسلامي، ولا في السياسة الداخلية للمجتمَّعات الإسلامية، أو التدافع مع القوى والتوجهات العاملة في ميادين السياسة والإصلاح الإسلامية.

6- إنَّ المقاومة الوطنية بكل أساليبها المناسبة والمشروعة للغزاة والمحتلين والمعتدين والمغتصبين الذين يحتلون ولو شبرًا واحدًا من أرض الإسلام، حقٌّ من حقوق الإنسان، قد جعلتها الشريعة الإسلامية فريضةَ إلهيةً وتكليفًا دينيًّا وضرورة إنسانية.

7- إنَّ المنهاج الإسلامي في حل مشكلات الداخل الوطني، وفي التدافع السياسي والاجتمَّاعي داخل الصف الوطني بالمجتمَّعات الإسلامية، هو منهاج الرفق في الإصلاح والدعوة بالحسنى، مع اتباع سُنة التدرُّج في الوصول إلى تحمُّل مقاصد الإصلاح، ومن ثمَّ فإن استخدام العنف المسلَّح في داخل المجتمَّعات الإسلامية إنما هو بغي ينحرف بأصحابه عن المنهج الإسلامي في التطور والتقدم والتغيير، وذلك فضلاً عن أن هذا العنف الداخلي- الذي يهز الاستقرار الوطني والأمن الاجتمَّاعي- إنما يجعل بأس المسلمين بينهم شديدًا، الأمر الذي يخدم في النهاية القوى المتربِّصة بالمسلمين.

8- لقد أثبتت تجربة العقود الماضية أن استخدام العنف في داخل النسيج الوطني قد أدَّى إلى (عسكرة الدولة) وزيادة (الطابع البوليسي) للنظم الحاكمة واستشراء القوانين سيئة السمعة، بل والتنسيق مع الدوائر المعادية وأجهزتها الأمنية ضد حركات الإصلاح الإسلامية.

9- إنَّ جماعة الإخوان المسلمين تنبِّه إلى أن فتح أبواب العمل السلمي الديمقراطي أمام مختلف تيارات الفكر، ومنها التيار الإسلامي، هو واحد من أهم آليات إزالة الاحتقانات والتوترات السياسية والاجتماعيِّة، الأمر الذي يؤدي إلى تحجيم نتوءات العنف السياسي والاجتمَّاعي في بلادنا.

10- إنَّ الإصلاح الذي يشترك فيه جميع أفراد المجتمع وجميع فئاته وطبقاته هو السبيل الإسلامي للتغيير.

 

وبعد..

فإن مواقف الإخوان المسلمين التي عبَّر عنها الإمام المؤسس حسن البنا- رحمه الله - والتي أكدتها وثائق الجماعة الصادرة والمنشورة على مدار تاريخها واضحة تمَّام الوضوح ، ولا تحتمَّل أي لبس أو تأويل، ولذا فمن حق هذه الجماعة والتاريخ والأمَّة الإسلامية والعالم بأسره عدم تشويه الحقائق أو طمسها.. وليعلم الجميع قوله تعالى ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8)﴾ (الصف).

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

-----------

الهوامش:

(1) رسالة: مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي.

(2) بيان الإخوان بتاريخ 18يونيو 1994م.

(3) د: يوسف القرضاوي: فقه الدولة في الإسلام.

(4) رسالة: نحو النور.

(5) رسالة: اجتمَّاع رؤساء المناطق ومراكز الجهاد.

(6) المرجع السابق.

-------

* عضو مكتب الإرشاد.