![]() |
|
د. مصطفى هيكل |
وتتميز السودان بخصوبة الأرض، ووفرة المياه، فهي تملك أكثر من 200 مليون فدان صالحة للزراعة، وأرضها سهلة منبسطة لدرجة أن المستثمرين الصينيين ذهلوا من انبساط أرضها، وسأل أحدهم مسئولاً سودانيًّا كم أنفقتم من المليارات لكي تمهدوا هذه الأراضي، ولا يعلم أنها خلقت هكذا هبة من الخالق جلَّ وعلا، ولذا فالسودان كما يصفه الخبراء يعدُّ سلة الغذاء للعالم العربي والإسلامي لو أحسن العرب استثماره، كما يمتلك السودان ثروات طبيعيةً هائلةً في باطن أرضه، كالبترول والمعادن خاصة الذهب واليورانيوم، خاصة في مناطق الجنوب وفي دارفور، من أجل كل هذا كان السودان ولا يزال مطمعًا للمستعمر الغربي الذي يستكثر على أهل السودان ما هم فيه من خيرات ونعم وهبها الله لهم، ولذا كان الاستعمار الإنجليزي في القرن الماضي، والآن تتكالب أمريكا والغرب من ورائها مرة أخرى للتكالب على السودان طمعًا في خيراته، وهم ينتهجون في ذلك سياسة مختلفة عن الاستعمار السابق، فهم يحاولون إثارة النزعات العرقية بين أهل السودان، وإشعال الخلافات بينهم تارة في الجنوب، وتارة في دارفور، وتارة في كردفان، وهم يستغلون الدين أحيانًا والنزعات القبلية أحيانًا أخرى، والسؤال الآن الذي يفرض نفسه، أين قادة السودان من هذه الأحداث؟ وهل يكفي أن يشعروا بأن هناك مؤامرات ضد السودان، ولا يقاومون هذه المؤامرات بالعمل الجاد.
المشهد السوداني يؤكد أن قادة السودان على مرِّ العصور ابتداءً من القائد الفذ إسماعيل الأزهري ومرورًا بالنميري وانتهاءً بالبشير، ومعهم رموز كل مرحلة كانوا يدركون هذه المؤامرات إدراكًا جيدًا، فهم متمرسون في السياسة، ولكن الخلافات السياسية والحزبية في مختلف المراحل أتت كلها على السودان، وشعبه وجعلت السودان يتفرغ لحل مشكلاته الداخلية، وأوقعته في حروب طاحنة، وبدلاً من التنمية ظهر السودان عاجزًا عن مواكبة التقدم والنهوض، وتركز ذلك في الأطراف التي أحست أن الشمال يستأثر بالخدمات والمناصب، وأن الأطراف كلها في الجنوب، وفي الشرق وفي الغرب مهمشة لا خدمات، لا تنمية، لا مشاركة في صناعة القرار، فتمردت تلك الأقاليم واحدة تلو الأخرى، ودخل الجنوب في حرب طاحنة مع الشمال دامت أكثر من عشرين عامًا، وكانت في أوجها أيام الرئيس جعفر النميري، ومع بداية ظهور الديمقراطية في السودان في بداية عهد الصادق المهدي كانت هناك مبادرة طيبة قدمها محمد عثمان الميرغني رئيس حزب الاتحاد القومي الشريك في الحكم آنذاك مع حزب الأمة، وكانت مقبولة من كل الأطراف، ولكن سرعان ما ضيعت هذه الفرصة، وأتى إلى الحكم بعد ذلك نظام جديد، متمثلاً في ثورة الإنقاذ، وكان للترابي حضوره البارز على الساحة، إزاء ذلك أعلن الجنوب التمرد بقيادة "جون قرنق" مرة أخرى وشنَّ حربًا على الشمال، بعدها رد الشمال بإعلان حرب مقدسة ضد الجنوب، كان هذا السبب كافيًا لاستعداء الغرب وعلى رأسه أمريكا، وكذلك كل دول الجوار، ولا نبالغ إذا قلنا إنه استعدى أيضًا دولاً عربيةً وقفت إلى جانب الحركة الشعبية السودانية في الجنوب، وليس غريبًا أن تطل رأس الأفعى "إسرائيل" لكي يكون لها نصيب في تأجيج الصراع بمساعدة الجنوبيين، ثم تسير الحرب سجالاًً بين الطرفين، حتى ظهرت التقارير من معاهد الدراسات الأمريكية والغربية تشير إلى أنه: لا منتصر في هذه الحرب مهما طال أمدها، وكانت النصيحة الغربية للطرفين بالتفاوض لحل النزاع، وبالفعل كانت المفاوضات في "نيفاشا" والتي كللت بالنجاح الظاهري، التي بمقتضاها وقفت الحرب واقتسم الشريكان السلطة، وتم الاتفاق على تشكيل حكومة إقليمية في الجنوب، وكذلك في بقية الأقاليم، كما تم الاتفاق على أن يتم استفتاء بعد 6 سنوات يقرر بعدها أهل الجنوب ما إذا كانوا يرغبون في الانفصال أو في البقاء ضمن السودان الموحَّد.
هنا يمكننا الحديث عن الفرص المتاحة، وكيف أنها تحوَّلت إلى فرص ضائعة، لقد كانت ست سنوات كفيلة بتعميق الثقة بين شريكي الحكم، وإرساء ديمقراطية حقيقية وإقامة تنمية اقتصادية وتعليمية وصحية، ولكن للأسف لم يحدث كل هذا، ومحصلة ما تم هو تعميق للخلاف، وزيادة للتخلُّف وبطء شديد في النمو الاقتصادي، والاجتماعي والسياسي وانعدام الثقة بين شريكي الحكم، وسعى كل طرف إلى استعداء الأطراف الخارجية ضد الطرف الآخر، فالطرف الشمالي يحاول استعداء العرب ضد الجنوبيين بدعوى أنهم انفصاليون ويتآمرون مع أمريكا والكيان الصهيوني، وأهل الجنوب يستدعون أمريكا والغرب ضد الطرف الشمالي بدعوى أنهم مهمشون، وأن الطرف الشمالي يستعلى عليهم، ويحاول فرض توجهاته الإسلامية عليهم بالقوة، وطبعًا هناك الكثير من المغالطات التي يقوم بها كلا الطرفين.
وإذا نظرنا إلى القوى الخارجية سنجد أن من مصلحة أمريكا والغرب أن يكون لهم موطئ قدم في هذه البلاد، وأن السعي إلى الانفصال لإيجاد دولة عازلة بين الشمال ذي التوجهات الإسلامية، وبقية دول أفريقيا، سيعزز من مصالح تلك القوى الطامحة إلى بترول الجنوب، وإلى الثروات الأخرى، كاليورانيوم، والذهب، وهم يتنافسون من أجل ذلك لاستباق الصين وماليزيا اللتين كانتا لهما النصيب الأوفر في الاستثمارات، في ظلِّ نظام الحكم الحالي في السودان، أما الأفعى الكبرى والتي تطل برأسها عند كل مصيبة ونائبة وهي "إسرائيل" فهي تحاول استثمار أي فرصة لترسيخ أقدامها في إفريقيا واستمالة دول حوض النيل بإقامة السدود والاستثمارات الزراعية، وتسليح جيوش هذه الدول لكي تطبق الخناق على مصر والسودان من الجنوب.
إزاء تلك المؤامرات والتي استسلمنا إليها تمامًا سواء بالممارسات التي سبق ذكرها من قبل قادة السودان، أو ممارسة سياسة إعطاء الظهر التي قام بها النظام المصري في السنوات الأخيرة لما يحدث في السودان أو في دول حوض النيل، إذًا ما السيناريوهات المتوقعة وماذا نحن فاعلون؟
السيناريو الأول: وهو سيناريو الوحدة وكيف يمكن أن نجنب السودان الشقيق الانفصال وعواقبه من صراعات بين الشمال والجنوب نرى أن من واجب المؤسسات سواء الحكومية، أو غير الحكومية في مصر، وكذلك الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي أن تقوم بدورها على النحو التالي:
1- محاولة تأجيل الاستفتاء ثلاثة أعوام أخرى.
2- محاولة بناء جدار من الثقة والتفاهم بين قيادات الشمال والجنوب، وأولى الخطوات في ذلك هو إقامة انتخابات برلمانية ذات شفافية، وإعادة تقييم علاقات الشراكة بين الشمال والجنوب، وحسم مسألة اقتسام الثروة والسلطة.
3- عمل تنمية حقيقية في الجنوب بإنشاء الطرق، والمرافق والعمل على النهوض بالزراعة والصناعة والتعليم، التي يستشعرها المواطن الجنوبي كما يقتنع بها قادته.
السيناريو الثاني: وهو سيناريو الانفصال، وهو الخيار المر الذي يبدو أنه للأسف هو الخيار الأرجح بعد ضياع الفرص كما أسلفنا، نقول في هذه الحالة إنه من الواجب على الجامعة العربية، وعلى منظمة المؤتمر الإسلامي أن تقوم بدورها وعلى المؤسسات غير الحكومية أن توقظ الجامعة والمنظمة للقيام بهذا الدور؛ لإزالة كل أسباب التوتر بين الشمال والجنوب في حالة الانفصال، وأن تعمل على حل كل المشكلات العالقة بين الطرفين بما فيها الحدود، الديون المستحقة للخارج، بالإضافة إلى حل مشكلة "إبيي" وضمان عدم النزاع بين الطرفين مستقبلاً.
الأمر الآخر على الدول العربية أن تعمل على جلب استثماراتها في الشمال والجنوب على السواء تفويتًا لفرص التدخل الأجنبي، وعلى منظمات المجتمع المدني العمل على سد الثغرات الصحية والتعليمية، ومد جسور التعاون مع الشمال والجنوب على السواء تفويتًا لفرص المنظمات الأجنبية ذات الأجندات المتباينة.
