![]() |
|
محمد رجب سالم |
رحم الله جدتي، وسقى قبرها بماء الغمام، فقد كانت تقول أمثالاً عجيبة وحكمًا بالغة أكسبتها إياها الحياة من خلال عمرها الذي بلغ تسعين عامًا بالكمال والتمام.
ومن أعجب ما سمعت منها: "القط يحب خناقه"، ولم أقتنع مطلقًا في سنوات الطفولة بهذا المثل العجيب، بل وثار في داخلي سؤال حائر ظل يلاحقني دون أن تنطفئ ناره، أو يخبو أواره، هو:
كيف يحب مخلوق مخلوقًا آخر يوقع به الأذى الدائم، وينزل به الضُّرَّ المقيم، بل يصل الأمر إلى حد أن يطبق يديه على حلقومه وودجيه، ليقضي على حياته ويزهق روحه، حتى جاءني التأويل لمثل جدتي العجيب، بل وعايشته عمليًّا في هذه الأيام النحسات حين رأيت السيد "أبا مازن"- رئيس ما يسمى بالسلطة الفلسطينية – وهو يعانق ويقبل، ويحتضن، ويهش ويبش في وجوه جلادي شعبه وأمته من القادة الصهاينة وأوليائهم من الأمريكيين:
صاح صائح في داخلي: "وجدتها"، وقلت في نفسي: الآن فهمت تمامًا، وأدركت جيدًا ما كانت ترمي إليه جدتي من خلال مثلها الغريب العجيب، بل وأزعم أني الآن أستطيع أن أقدم تفسيرًا صحيحًا، وشافيًا وكافيًا له، فأقول بتوفيق الله تعالى: إن حالة الحب والعشق والهيام التي أصابت القط المشار إليه ما كانت إلا نتيجة قهر وإذلال قبلهما، وآثر السلامة حتى يطعم ويسمن، وتناسى تمامًا أن له مخالب نافذة، وأسنانًا قاطعة يستطيع بها أن يدفع الضُّرَّ عن نفسه وعن بنيه، وركن إلى حياة من الضيم والهوان.
ذكرت قول الشاعر:
ولا يقيم على ضيم يراد به إلا الأذلان عبر الحي والوتد
هذا على الخف معقوص برمَّته وذا يشج فلا يرثي له أحد
من أجل ذلك نسي السيد الهمَّام وبطانته، أو تناسوا المذابح البشعة، والمجازر الرهيبة التي أوقعها الصهاينة بقومهم وأمتهم.
* نسوا أو تناسوا "مذبحة دير ياسين" التي وقعت في ليلة الثامن من أبريل سنة 1948م، ونفذتها عصابتا "إيرجون" و"شتيرن" تحت قيادة السفاحين "مناحم بيجين" و"إسحاق شامير"، وكانت حصيلتها: قتل 254 رجلاً وامرأةً وطفلاً، والتمثيل بجثثهم بتقطيع الأوصال، وإلقاء الجثث والأشلاء في بئر القرية.
* ونسوا أو تناسوا "مذبحة قبية" التي نفذها السفاح "إيرئيل شارون" على رأس الفرقة الخاصة 101؛ حيث هاجموا في ليلة الرابع عشر من أكتوبر سنة 1953م قرية "قبية" في الضفة الغربية، بينما كان أهل القرية نائمين، وكانت حصيلة هذه المذبحة: قتل 16 شخصًا معظمهم من النساء والأطفال، وإصابة 75 آخرين بإصابات خطيرة، بالإضافة إلى نسف 45 منزلاً.
* ونسوا أو تناسوا مذبحة "خان يونس"،والتي وقعت عام 1956م؛ حيث هاجم الصهاينة المدينة الآمنة؛ بحجة البحث عن السلاح والفدائيين، ونجم عن هذه المذبحة قتل 275 فردًا.
* ونسوا أو تناسوا مذبحة "كفر قاسم" التي حدثت في أكتوبر سنة 1956م، وراح ضحيتها 47 من الرجال والنساء والأطفال.
* ونسوا أو تناسوا "مذبحة تل الزعتر"، ذلك المخيم الفلسطيني، القابع في أحضان العاصمة اللبنانية بيروت، والذي حاصرته قوات الكتائب الموالية لإسرائيل، وبتخطيط ودعم منها لمدة ستين يومًا، ثم تلا الحصار قتل وحشي لأهل المخيم العُزَّل؛ ما أسفر عن استشهاد 2000 فلسطيني، وفي تلك الأثناء كان "شيمون بيريز" وزيرًا للدفاع الإسرائيلي، وقد وقعت هذه المذبحة في شهر سبتمبر من عام 1982م.
* ونسوا أو تناسوا مذبحة أخرى تطل علينا ذكراها في هذا الشهر "سبتمبر" أيضًا.. إنها مذبحة "صابرا وشاتيلا" التي وقعت في سبتمبر من عام 1982م.. وما أدراكم ما "صبرا وشاتيلا"، وكم كانت قاسية رهيبة؟!!
واسمح لي أيها القارئ الكريم أن أنقل سطورًا مما كتبت حول هذه المذبحة الرهيبة في باب "صور من المذابح اليهودية من كتابي": "القدس الشريف بين كيد الكافرين وتفريط المسلمين".. لقد قلت: "إنها أبشع مذبحة ارتكبتها الأيدي الصهيونية الآثمة بقيادة السفاح إرئيل شارون بالتعاون مع كتائب الخائن العميل اللبناني سعد حداد، ورغم أن تنفيذ المذبحة لم يستغرق أكثر من أربعين ساعة بدءًا بمساء الخميس 16/9، وانتهاءً بالساعة التاسعة من صباح السبت 18/9/1982م، فإن حصيلتها كانت رهيبة بما تحمله الكلمة من معانٍ، فقد زاد عدد الضحايا عن أربعة آلاف ضحية، وذلك نقلاً عن إذاعة الصهاينة في حينها، وتضاف إلى ذلك العدد المذكور أعداد أخرى مجهولة، ولم يعثر عليها في المخيم؛ لأن الجرافات الإسرائيلية التقطتها وحملتها الشاحنات إلى أماكن مجهولة خارج المخيم، لتدفن في مقابر جماعية، وهي تشكو إلى ربها ظلم الإنسان".
وأخيرًا، وليس آخرًا نسوا أو تناسوا مذبحة غزة الصامدة منذ قرابة العام والنصف، التي راح ضحيتها الآلاف بين قتيل وجريح من جرَّاء استخدام الأسلحة المحرمة دوليًّا.
هذا قليل من كثير، وغيض من فيض من المذابح الصهيونية التي عرفتها البشرية، وتحدثت بها الركبان، وستظل معلمًا صارخًا على العدوان إلى آخر الزمان.
وأما مخططات تهويد القدس، وطمس كل المعالم الإسلامية والعربية فحدِّث عنها ولا حرج، فهي جارية على قدم وساق، وقادتنا الأشاوس، وزعماؤنا المغاوير لا يملكون إلا الاستنكار في الأبواق.
يا أيها المفاوضون: إلى متى تجرون خلف السراب، وتفرطون في الأخذ بالأسباب؟!
إن أعداء أمة الإسلام لهم غايات إليها هم ساعون، وفي طريقهم ماضون، وبالأسباب هم آخذون، فما بالكم أنتم يا قادتنا الأشاوس عن غاياتكم تائهون، وعن أهداف أمتكم ضالون، بل ولهويتكم الإسلامية أنتم منكرون؟!.
أما تسمعون؟! أما تفقهون ما يصر عليه عدوكم من ضرورة الاعتراف بيهودية دولته المُغتصِبة؟!
إنه يعني ببساطة أيها الحائرون المتخبطون أن فلسطين هي الوطن الأساسي لدولة تقوم وتتوسع على أساس من العقيدة اليهودية، وتستمد شرعيتها منها، وأنه لا وجود للشعب الفلسطيني فيها، كما أنه يبين بجلاء أن أعداءنا يصبغون صراعهم معنا بالصبغة الدينية، رغم ما أصاب عقيدتهم من تزييف، وما وقع بتوراتهم من تحريف، بينما تنحون أنتم إسلامكم جانبًا، بل جعلتموه خلف ظهوركم، واتخذتم من البيت الأبيض الأمريكي قبلة لكم، ومن قادته مرشدين وهداة.
أين أنتم من حديث القرآن الكريم عن اليهود وتطاولهم على خالقهم، وقتلهم لأنبيائه، ونقضهم للعهود والمواثيق؟! إياكم أن تكونوا كالذين قال الله فيهم: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)﴾ (محمد).
واسمحوا لي يا قادتنا الأكارم أن أهديكم هذه الوقعة الخطيرة التي تؤكد لكم أن حرب الصهاينة حرب موجهة للإسلام وأهله ومقدساته أينما كانت؛ وخلاصة هذه الوقعة التي وقعت في منتصف الثمانينيات أن فرقة من الجيش الإسرائيلي قامت بهدم بيوت بعض من بني قومكم، وأثناء ذلك حدث أن خرجت امرأة فلسطينية من بيتها، ووقفت أمام الضابط الصهيوني، وقالت له: "أنا ذاهبة إلى الحج، وسوف أعود إلى بيتي"، فرد عليها الضابط الصهيوني بصلف وحقد وغرور قائلاً: "قولي لأهل مكة: إننا عائدون إلى أرض أجدادنا بني قريظة وبني اليهود؛ لكي نهدم الكعبة التي بناها إبراهيم"؛ فهل أنتم عن مفاوضاتكم منتهون، وإلى ربكم عائدون؟
أيها السادة.. أيها القادة: إن استرداد الكرامة، وتحرير المقدَّسات، ليس لهما إلا طريق واحد.. إنه الجهاد، ومن ثمَّ أقولها لكم عالية مدويِّة، ويقولها معي كل شرفاء الأمة وأحرارها: انزعوا- سريعًا- أيديكم من أيدي السفاحين، ولا تستجدوا السلام من سفاكي الدماء، قبل أن تحل بكم معهم لعنة السماء، وأعلنوها صراحة بلسان الحال وبلسان المقال: "لا للجلاد.. نعم للجهاد".
--------
* داعية وكاتب إسلامي.
