5- استباحة الغدر والخيانة ضد غير اليهود

إن التراث الفكري الديني اليهودي لا يعتبر اليهود ملزمين بالوفاء بأي عهد أو يمين قطعوه على أنفسهم، أو أبرموه مع أي إنسان أجنبي، ولذلك نرى الشخصية اليهودية في أكثر الأحيان، لا تنفك عن الغدر والخيانة في التعامل مع الآخرين؛ فمتى أُتيح لليهودي أن يتبرأ من عهوده ومواثيقه مع غير اليهود فعل ذلك على الفور غير آسف؛ حيث إن تعاليم دينه توفر له غطاءً من المشروعية لهذا الخلق المرذول وأمثاله.

 

فقد جاء في كتاب (الكنز المرصود في قواعد التلمود) (1):

لا يعتبر اليمين التي يقسم بها اليهودي في معاملاته مع بقية الشعوب يمينًا؛ لأنه كأنه أقسم لحيوان، والقسم لحيوان لا يعدُّ يمينًا؛ لأن اليمين إنما جعلت لحسم النزاع بين الناس، ليس إلا، فإذا اضطر اليهودي أن يحلف لمسيحي فله أن يعتبر ذلك الحلف كل شيء!!

 

وفي كل مدة يوجد في مجمع اليهود يوم للغفران العام الذي يمنح لهم، فيمحوا كل ذنب ارتكبوه، ومن ضمنها الأيمان الزور، وليس على اليهودي أن يرد ما نهبه أو سرقه من الأجنبي لأجل الحصول على ذلك الغفران.

 

وعلى اليهودي أن يؤدِّي عشرين يمينًا كاذبة، ولا يعرِّض أحد إخوانه اليهود لضرر ما، ومن المقرر لديهم أن من يعرف شيئًا مضرًّا بصالح اليهودي، ونافعًا لأميٍّ فعليه ألا يعلم به السلطة الحاكمة، وإذا فعل ذلك ارتكب ذنبًا عظيمًا.

 

أما يوم الغفران العمومي فهو اليوم الذي يصلِّي فيه اليهود صلاةً يطلبون فيها الغفران من خطاياهم التي فعلوها، والأيمان التي أدوها زورًا، والعهود التي تعهَّدوا بها، ولم يقوموا بوفائها، وتقام هذه الصلاة في محفل عمومي ليلة عيد، وينطق بها الكاهن الخادم بمساعدة حاخامين، ويحصل ذلك في يوم واحد من كل سنة، ويمكن لليهود أن يتحصلوا على الغفران في أي وقت كان من حاخام واحد، أو ثلاثة شهودا. هـ.

 

واليهود اليوم- كما في كل عصر- مشتهرون بالغدر والخيانة كما لا يخفى على من له أدنى إلمام بسيرتهم، وهذا المسلك الذي يعد خصية من خصائصهم يستند إلى جذور فكرية قديمة، منها ما أشرنا إليه، ومنها ما هو مأثور عن أناس من أسلافهم يحظون بالتقدير، كما أنهم موضع اقتداء لديهم.

 

ومن ذلك ما يقصُّه العهد القديم في أول أسفاره، عن شمعون ولاوي ابني يعقوب، وما وقع من غدرهما بـ"حمور الحِوِّيّ" أمير مدينة "شكيم" (2) وابنه "شكيم" وشعبهما. 

 

يقول سفر التكوين (3):

"وخرجت دينة ابنة ليئة التي ولدتها ليعقوب لتنظر بنات الأرض، فرآها شكيم بن حمور الحِوّيّ، وأخذها واضطجع معها وأذلَّها، وتعلقت نفسه بدينة ابنة يعقوب وأحب الفتاة، ولاطف الفتاة، فكلم شكيم حمور أباه قائلاً: خذ لي هذه الصبيّة زوجة، وسمع يعقوب أنه نجَّس دينة ابنته، وأما بنوه فكانوا مع مواشيه في الحقل، فسكت يعقوب حتى جاءوا.

 

فخرج حمور أبو شكيم إلى يعقوب ليتكلم معه، وأتى بنو يعقوب من الحقل حين سمعوا، وغضب الرجال، واغتاظوا جدًّا؛ لأنه صنع قباحة في إسرائيل بمضاجعة ابنة يعقوب، وهكذا لا يُصْنَع، وتكلم حمور معهم قائلاً: شكيم ابني قد تعلقت نفسه بابنتكم، أعطوه إياها زوجة وصاهرونا، تعطوننا بناتكم وتأخذون لكم بناتنا، وتسكنون معنا وتكون الأرض قُدَّامكم، اسكنوا واتجروا فيها وتملكوا بها، ثم قال شكيم لأبيها ولإخوتها: دعوني أجد نعمة في أعينكم، فالذي تقولون لي اعطي، كثِّروا علي جدًا مهرًا وعطيةً، فأُعطي كما تقولون لي، أعطوني الفتاة زوجة، فأجاب بنو يعقوب شكيم وحمور أباه وتكلموا؛ لأنه كان قد نجَّس دينة أختهم، فقالوا لهما: لا نستطيع أن نفعل هذا الأمر أن نعطي أختنا لرجل أغلف؛ لأنه عار لنا، غير أننا بهذا نواتيكم، إن صرتم مثلنا بِخَتْنكم كلَّ ذكر، نعطيكم بناتنا ونأخذ لنا بناتكم ونصير شعبًا واحدًا، وإن لم تسمعوا لنا أن تَخْتَتِنُوا نأخذ ابنتنا ونمضي.

 

فحسن كلامهم في عيني حمور وفي عيني شكيم بن حمور، ولم يتأخر الغلام أن يفعل الأمر؛ لأنه كان مسرورًا بابنة يعقوب، وكان أكرم جميع بيت أبيه، فأتى حمور وشكيم ابنه إلى باب مدينتهما، وكلما أهل مدينتهما قائلين: هؤلاء القوم مسالمون لنا، فليسكنوا في الأرض ويتجروا فيها، وهو ذا الأرض واسعة الطرفين أمامهم، نأخذ لنا بناتهم زوجات ونعطيهم بناتنا، غير أنه بهذا فقط يواتينا القوم على السكن معنا لنصير شعبًا واحدًا، بِخَتْننا كلَّ ذكر كما هم مختونون، فسمع لحمور وشكيم ابنِه جميعُ الخارجين من باب المدينة.

 

فحدث في اليوم الثالث إذ كانوا متوجِّعين أن ابني يعقوب شمعون ولاوي أخوي دينة أخذا كُلُّ واحد سيفه وأتيا على المدينة بأمن وقتلا كل ذكر، وقتلا حمور وشكيم ابنه بحد السيف. وأخذا دينة من بيت شكيم وخرجا، ثم أتي بنو يعقوب على القتلى ونهبوا المدينة؛ لأنهم نجسوا أختهم؛ غنمهم وبقرهم وحميرهم وكل ما في المدينة وما في الحقل أخذوه، وسبوا ونهبوا كل ثروتهم، وكل أطفالهم ونسائهم، وكل ما في البيوت"ا. هـ.

 

ولاوي هذا الذي هو أحد أركان الشر والخيانة، وأحد منفذي تلك المذبحة الغادرة ضد أهل المدينة البرآء- كما تذكر القصة- يحظى بتقدير عظيم لدى اليهود من قديم الزمن، كما أن الإجماع قد انعقد لدى اليهود على اختيار الرجال الذين هم من سبطه؛ ليكونوا هم المكلفين بالخدمة الدينية، وممارسة الوظائف الكهنوتية والتناوب عليها، وكذلك فإن من أهم أسفار العهد القديم سفرًا يسمى "سفر اللاويين"، يعتقدون أنه كتب بحسب أمر الله وإرشاده، ليكون دليلاً للكهنة وواجباتهم وخدمتهم والذبائح وفروضها وطقوسها، وما يتعلق بالقداسة والطهارة شكليًّا وأدبيًّا (4).

 

وهكذا نرى التراث الفكري المقدس لدى اليهود يزين لهم الغدر والخيانة، ويبيح لهم ذلك ضد الأجانب، على نحو ما أشرنا. 

 

فهل يتوقع أحد بعد هذا أن يترك اليهود الغدر، أو يقلعوا عن خيانة العهود، وخلف الوعود يومًا من الأيام؟!

 

إننا لا نتوغل في المبالغة إذا قلنا: إن الشخصية اليهودية التي تستند وتتربَّى على تلك الخليفة الفكرية الضالة؛ والتعاليم الدينية المعوجة، ما يكون لها أن تتخلى عن الغدر والخيانة إلا إن تركت الحمير نهيقها، وتخلت العقارب والحيات عن لدغها، فتلك خلائق تأصلت في طباعهم وصارت تجري منهم مجرى الدم في العروق، وتمكنت من سواد قلوبهم، فلا تبرأ منها إلا بأن تَقَطَّع تلك القلوب.

---------

أستاذ ورئيس قسم الدعوة والثقافة الإسلامية بكلية أصول الدين والدعوة بالمنصورة جامعة الأزهر.

(1) ص99ـ 101 باختصار.

(2) شكيم: بلدة قديمة، وهي المعروفة الآن باسم (نابلس) بفلسطين، قاموس الكتاب المقدس ص514، 515 باختصار وتصرف.

(3) الإصحاح 34/ 1ـ 29 .

(4) قاموس الكتاب المقدس ص806-809 باختصار وتصرف.