الصورة غير متاحة

 قطب العربي

علمت من بعض زملائي وأصدقائي الذين يعملون بالصحف المستقلة والحزبية أن قيادات صحفهم تلقت تعليمات مشددة بفتح المجال للهجوم على حماس، وعلى الفور بدأت إدارات تحرير تلك الصحف بالاتصال بكتاب مناوئين لحماس للكتابة، وكذا مطالبة أقسام الشئون العربية بإعداد تقارير صحفية معادية لحماس.

 

وقد بدأت الجولة الجديدة للحرب على حماس، انطلاقًا من قيام بعض رجال شرطة غزة باقتحام نقابة الصحفيين في غزة، وإغلاقها لبعض الوقت، وهذا ما سنعود إليه في سياق هذا المقال، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو.. لماذا هذا القرار المفاجئ بتحريك كتائب الإعلام ضد حماس؟ رغم أن الحملة على حماس لم تتوقف يومًا في الصحف ووسائل الإعلام الحكومية وبعض المستقلة والحزبية.

 

الجديد هو توقعات بقرب توقيع اتفاق للمصالحة بين حماس وفتح في دمشق بعد سلسلة الحوارات التي تمت خلال الفترة الماضية بين عدد من رموز فتح بقيادة عزام الأحمد ورموز حماس بقيادة خالد مشعل، ورغم أن موعد المصالحة الذي كان محددًا له الأربعاء 20/10/2010م قد تمَّ تأجيله بشكل مفاجئ؛ بسبب اعتذار وفد فتح عن التوجه إلى دمشق، إلا أنه يبدو أن الترتيبات لا تزال مستمرة لعقد ذلك اللقاء في موعد آخر في دمشق، وطبعًا لا تقبل الحكومة المصرية أن يتم توقيع هذا الاتفاق بعيدًا عنها، لذا لجأت إلى ممارسة الضغط على حماس عبر وسائل الإعلام، وهو ضغط اعتادت حماس التعامل معه، ولا يؤثر كثيرًا في مواقفها، وقد ذكر لي من قبل القيادي في الحركة أسامة حمدان أنه ناقش مسألة تحريك وسائل الإعلام بشكل منظم في مصر ضد حماس خلال جلسات الحوار في القاهرة، وطلب وقفها بهدف توفير الأجواء المناسبة للحوار، لكن المسئول الكبير الذي كان يناقشه أبلغه أنه هو من يمسك بالصنبور، ويفتح ويغلق حين يشاء، وكانت الرسالة واضحة لا تحتاج لشرح أو تفصيل.

 

هناك سبب آخر لجولة الهجوم الجديدة على حماس، وهو مرتبط بالوضع الداخلي في مصر، وأقصد الاستعداد لانتخابات مجلس الشعب، وما يصحب ذلك من حرب مفتوحة على الإخوان المسلمين؛ بهدف تشويه صورتهم أمام الناخب، ويبدو أن جزءًا من هذا التشويه سيطال حماس باعتبارها أحد فروع الجماعة الذي يحظى بقبول شعبي كبير في مصر، والذي يوفر من خلال هذه الشعبية دعمًا غير مباشر للإخوان المسلمين؛ ولذا تتحرك الحكومة لتجفيف هذا المدد.

 

نعود إلى نقطة الانطلاق في الجولة الجديدة، وأقصد اقتحام مقر نقابة الصحفيين في غزة- وهو أمر مرفوض- ولكننا حين نتحدث عن هذا الأمر لا ينبغي أن ننسى موطئ أقدامنا، ونقذف الناس بالأحجار بينما بيتنا من زجاج، لا ننسى أننا في دولة فرضت الحراسة على العديد من النقابات الكبرى مثل نقابتي الأطباء والمهندسين، وسيطرت على نقابات كبرى أيضًا عبر العديد من الوسائل غير المشروعة مثل نقابة المحامين والمعلمين، في حين لا تزال ترفض حتى الآن السماح بقيام نقابة للإعلاميين.

 

أكرر أن ما فعله رجال حماس من إغلاق مؤقت لنقابة الصحفيين في غزة هو أمر مرفوض تمامًا، سواء حدث من حماس أو غير حماس، وسواء وقع في غزة أو الضفة أو أي مدينة عربية أو عالمية أخرى، فالمبادئ لا تتجزأ، والحرية حق أصيل لكل صحفي حتى يؤدي رسالته دون خوف أو ملاحقة.

 

لكن البعض ربما لا يدركون أن الوضع في غزة يختلف عن أي مدينة عربية أخرى، فأي شخص فلسطيني في الغالب هو منتمٍ إلى حركة أو منظمة، وليس صحيحًا أن هناك صحفيين مستقلين، إلا إذا كانت الكلمة تعني الاستقلال عن سلطة حماس أو عن سلطة فتح، ولعلنا نتذكر ما فعلته نقابة المعلمين الفلسطينيين في بدايات سيطرة حماس على الحكم في غزة، حيث دفعت مئات بل آلاف المعلمين للإضراب عن العمل، بهدف شل حركة المدارس في القطاع، وكانت الرواتب تأتي لهؤلاء المعلمين، وغالبيتهم ضمن كوادر وأطر حركة فتح من الضفة الغربية، بينما يتظاهرون أنهم مضربون بسبب عدم صرف الرواتب أو بسبب عدم زيادتها.

 

طبعًا ليس كل رجال حماس من الملائكة، فهم بشر يجري عليهم ما يجري على بقية البشر، لهم أخطاؤهم، ولهم حسناتهم، وقد حدثت بالفعل بعض السلوكيات المرفوضة من بعض المحسوبين على حماس، لكن قيادة الحركة تدخلت مرارًا لضبط الأمور، ومن المهم التذكير أن أرضًا لا تزال تقع تحت الاحتلال تكون الهواجس الأمنية فيها كبيرة، خصوصًا مع توالي كشف العملاء والمتعاونين مع العدو الصهيوني، أو المتآمرين لصالح حركة فتح المنافس الرئيسي لحركة حماس، والتي لا تخفي سعيها الدءوب لإسقاط حكم حماس، وتسخر من أجل ذلك كل إمكانياتها وكل كوادرها من مختلف التخصصات بما فيها الصحافة والصحفيين.

 

أتمنى ألا تعود حركة حماس لمثل هذا العمل مهما كانت الدوافع والمبررات، ولأنني كما ذكرت مقتنع تمامًا أن كل المثقفين الفلسطينيين بمن فيهم الصحفيون هم في الغالب أعضاء في تنظيمات فلسطينية متصارعة، وربما حاول بعضهم استخدام مقر النقابة في عمل ضد سلطة حماس، لكنني أقول مع ذلك إن على حماس أن تتعامل مع هذه المواقف من خلال رجالها، هي في بلاط صاحبة الجلالة، وليس من خلال قوات الشرطة، فالصحفيون المنتمون إلى حماس ليسو بالعدد الهين، ولديهم القدرة على مجادلة زملائهم بشكل سلمي حضاري، ومنع استغلال النقابة في أي عمل غير قانوني.