أعلم جيدًا أن الاستفتاء وحق تقرير المصير مؤامرة على وحدة السودان، وأن التركيز على الوفاء بهما من جانب واشنطن والأمم المتحدة دون سائر الحالات الأخرى هدفه إنفاذ المؤامرة بلغة قانونية مبهرة، وهذه اللغة الجديدة وهي التذرع بصيغ قانونية لإنفاذ المؤامرات في العالم العربي.

 

أعلم أيضًا أن السودان اضطر إلى قبول الاستفتاء في الجنوب فقط وتقرير المصير له وحده دون سائر أقاليم السودان؛ أملاً في أن يطمئن الجنوب إلى حسن نية الشمال في اقتسام موارد الحياة السياسية والبترولية معًا، حتى يظل السودان موحدًا لكل أبنائه، وأن الحكومة أغمضت العين على استغلال قادة الجنوب لاتفاق نيفاشا حتى تؤسس للانفصال، وتكيد للخرطوم من قلب الخرطوم، وأن الحكومة كانت تُمني النفس بأن ما تراه أمامها سراب وأوهام، كما تغاضت عن دعم الجبهة الشعبية لتحرير السودان لمتمردي دارفور.

 

كما أدرك مدى ما تعانيه الخرطوم نفسيًّا وعصبيًّا كلما تكاثرت الضغوط الأمريكية لإجراء عملية جراحية بلا تخدير في جسد السودان الحبيب، تحت عنوان برَّاق وهو الوفاء بالتزامات نيفاشا.

 

كما أدرك أخيرًا أن القانون تم توظيفه، وأن المسألة في نهاية المطاف هي أمر واقع بطعم القانون يريدون للسودان أن يتجرعه على مسمع ومرأى من العوالم العربية والإسلامية والإفريقية؛ حتى تصبح السابقة سيفًا على الجميع فيندمون يوم لا ينفع ندم.

 

كما أسمع أنات الخرطوم من شقيق غافل أو جاهل بما لهذه الخطوة من كوارث على الشقيق قبل السودان، ومع ذلك يهوِّن من أمر الانفصال ويندفع إلى علاقات مع الانفصاليين بحجج واهية، ترتد في النهاية إلى حسابات سياسية لصاحب المؤامرة الكبرى.

 

لكل هذه الاعتبارات أرى أن السودان يُراد أن يفرض عليه قوات دولية هي بقايا القرار 1706 الذي رفضه السودان، فتحايلوا في تنفيذه حتى تكون قوات وصاية على السودان، وحتى يجري فيه ما جرى على العراق بشكل مطور، ولهذا فإن السودان يواجه المخاطر الكبرى إذا استسلم أمام هذا الأمر الواقع، فعليه أن يطالب بدعم عربي وإفريقي من قيادة القمة العربية الإفريقية التي ساندت وحدة السودان في سرت، وأن يتم تنفيذ القرار بتأجيل إجراء الاستفتاء للأسباب الآتية:

 

أولاً: وضوح نية واشنطن والحركة الشعبية ومجلس الأمن على تحقيق الانفصال حتى دون استفتاء حقيقي، وهذا يناقض اتفاق نيفاشا، كما أن واشنطن تصر على انفصال الجنوب بدعوى الاستفتاء، مع أنها أغفلت الاستفتاء في كشمير وفي غيرها من الحالات المستحقة.

 

ثانيًا: أن الحركة الشعبية تفاوضت مع الشمال بنية الانفصال وبسوء نية، وبدأت منذ توقيع نيفاشا انتهاك هذا الاتفاق بسلوكها، ويجب على الحكومة السودانية أن ترصد هذه الانتهاكات، والتي تتجاوز بكثير الخلاف حول الاتفاق إلى الرغبة في استغلال هذا الاتفاق ضد الهدف المعلن وهو المحافظة على وحدة الوطن السوداني، بل ومطالبة الخرطوم بالتحقيق في اغتيال جارانج حتى يتسلم السلطة دعاة الانفصال.

 

ثالثًا: الرد على مزاعم الحركة وواشنطن من أن الخرطوم لم تسدد فاتورة المرحلة الانتقالية بجعل الوحدة جاذبة؛ لأن شركاء الحكم وفق الدستور الانتقالي يتحملون مسئولية مشتركة.

 

رابعًا: أن إبعاد الجيش السوداني عن الجنوب وفق اتفاق نيفاشا كان هدفه طمأنة الجنوب، ولكنه استُغل في الانفراد بالجنوب، وفصله من الناحية العملية، وصياغة توجهات الجنوبيين بعيدًا عن مفوضية الانتخابات القومية، وهذه المخالفة كفيلة بإبطال نتائج أي استفتاء؛ لأنه عمل انفرادي معروف سلفًا هدفه هو التذرع باستفتاء لم تتوفر له ظروف الحيدة، ولا المؤسسات القانونية التي تقطع بصحته.

 

خامسًا: أن تدخل الأمم المتحدة من أجل تشجيع انفصال الجنوب في ظل هذه المخالفات القانونية لاتفاق نيفاشا، لا يمكن تبريره بفرض اتفاق نيفاشا على الخرطوم، ولكنه تدخل يناقض تمامًا ميثاق المنظمة الدولية الذي يؤكد على احترام سيادة الدول الأعضاء، خاصة بعد أن كثرت حالات توظيف مجلس الأمن في المؤامرات السياسية ضد العالم العربي، بالمخالفة الصارخة لأحكام هذا الميثاق.

 

سادسًا: أن إصرار الجنوب على الانفصال رغم كل ذلك يعتبر عملاً غير مشروع في القانون الدولي، ومن ثمَّ يجب على دول العالم مقاومته واعتبار الانفصاليين متمردين، وأن يتم رفض الاعتراف بالدولة الانفصالية في وسطها الإفريقي والعربي على الأقل، وأن تفيق الدول العربية والإفريقية من غفوتها، وأن ترفض الضغوط الأمريكية الضارة بمصالح حوالي 75 دولة عربية وإفريقية أو أكثر من 130 دولة من دول العالم الثالث، الذي يتعرض لمؤامرات الغرب والاستعمار الجديد.