أ. د. محمد المحمدي الماضي

بدايةً تحياتي لكل فرد بالسودان الشقيق؛ شماله وجنوبه، شرقه وغربه، أسأل الله أن تكونوا جميعًا بخير وفي أحسن حال.
أخبركم أن قلبي معكم، ونتواصل بالدعاء لكم، سائلين الله عز وجل أن يحفظ للسودان وأهلِهِ وِحْدتَه وأمْنَه وأمانه، واستمرارية تقدمه وبناء قوته، كرصيدٍ للأمة العربية والإسلامية.
ولا أخفي عليكم أني لا أتصور انفصال شبرٍ واحدٍ من السودان عنه، فبدلاً من عودة الأجزاء للتلاقي يزداد تفتتًا وانقسامًا، لعمري إن هذا لشيء عجيب!.
وإني لأتساءل: لماذا كل أمم الأرض تتكتَّل وتتوحَّد إلا نحن، نساعد أعداءنا ونُمكِّنَهم للعمل بقوة ودأب على تفتيت ما تبقَّى من دول ودويلات الإسلام؟!.
لننظر لأمريكا نفسها كيف كانت منذ قرنين من الزمان، ثم كيف أصبحت؛ إنها لم تكن شيئًا مذكورًا، بل كانت محتلة من إسبانيا والبرتغال كأجزاء متفرقة، ثم حدث ما يُعرف بحرب الاستقلال، بل والوحدة، لتصل إلى ما يُعرف الآن بالولايات المتحدة الأمريكية، فتضم أكثر من 50 ولاية، وبمساحة قارة كاملة، لتحقق بتلك الوحدة قوة هي الكبرى على وجه الأرض الآن؛ سياسيًّا، وعسكريًّا، واقتصاديًّا، إلخ.
بل إن أوروبا التي أشعلت حربين عالميتين بين أقطارها قُبيْل منتصف القرن الماضي، لم ينته القرن إلا وقد توحَّدت سياسيًّا واقتصاديًّا، بل وعسكريًّا، وتتكامل في كثيرٍ من أمورها مع بقية دول المعسكر الغربي، وخاصة أمريكا وكندا وأستراليا.
هل يستكثرون على السودان مساحته؟ فأين هي من مساحة الولايات المتحدة أو أوروبا؟ ألم يكف فصل السودان عن باقي جسده الطبيعي في الشمال مصر، في الخمسينيات تحت دعاوى مشابهة؟!.
لقد عانى العالم العربي والإسلامي من مؤامرة التقسيم التي بدأت بإنهاء الخلافة، ثم باتفاقية "سايكس بيكو"، ثم احتلال فلسطين، وفصل الهند عن باكستان، ثم تقسيم باكستان نفسها عام 1972م.
فهل انتهى عصر التقسيم بنجاحٍ، وبدأ عصر التفتيت لما تبقَّى من دويلات عربية وإسلامية كما نرى الآن في العراق، وما يحدث فيه من تفتيتٍ بين الطوائف المختلفة؟! وكذلك أفغانستان ولبنان والصومال، وقبله كان فصل أجزاء من إندونيسيا في تيمور الشرقية، والسعي لمثل ذلك في نيجيريا، ثم مصر وأقطار عربية أخرى مثل السعودية؟!.
إن ذلك توضحه بجلاء وثيقة صهيونية رسمية نشرت في مجلة (كيفونيم) نشرة التنظيم الصهيوني العالمي بالقدس عدد رقم (14) فبراير عام 1982م، وهو يعرض إستراتيجية الصهاينة في الثمانينيات (راجع: رجاء جارودي: فلسطين أرض الرسالات الإلهية، ترجمة عبد الصبور شاهين، القاهرة: دار التراث، 1986م، ص561: 565).
إن أكثر الأمور مرارةً وأسفًا أن ما يُضمره لنا الأعداء لم يعد سرًّا، بل بات يُنشر ويُعلن، ويُنفَّذ أمام أعيننا، وكأننا لا نرى بل ولا نفهم، والأكثر من ذلك غرابةً أن كثيرًا منا أصبحوا أدوات تعمل بإخلاص؛ لوضع تلك المخططات والمؤامرات موضع التنفيذ!.
فأُعلنها صريحة: ليس من صالح أهل الجنوب ولا أهل الشمال الانفصال أبدًا، بل إن المصلحة المؤكَّدة- إن كان ثمة مصلحة- هي لأعداء الطرفين، رغم ما قد يبدو لبعض قصيري النظر من إغراءات وهمية، ومعظمها قد يكون رشاوى انفصالية، قد تجعل البعض يحقق ثراءً في المدى القصير، لكن على حساب ضياع وإهدار مكامن القوة الحقيقية للطرفين في المدى البعيد.
إن الفرصة سانحة في أفضل حالاتها للطرفين؛ لتحقيق أفضل المنافع المرتقبة من الوحدة لكليهما عامة وللجنوب بخاصة.
فليس من مصلحة الجنوب أن يتشرذم، ويصبح دويلة ضعيفة بلا أية مقومات حقيقية تُمكِّنه من أن يقوى بذاته ويستقل بإرادته عن الآخرين، وإنما يظل دائمًا أداة طفيلية يستخدمها الغرب لتحقيق مصالحه على حساب مصلحة الجنوب نفسه، ناهيك عن الشمال!.
كما أود أن ألفت نظر إخواننا في الجنوب إلى أنهم إن كانوا يستقوون بأمريكا والغرب، فإنهم إنما لا يجلبون بذلك على أنفسهم إلا الدمار والخراب؛ حيث إن أمريكا والغرب كله، وبمباركة من الشرق، لم يستطيعوا أن ينتصروا أو ينصروا حلفاءهم المهزومين في كل معاركهم الأخيرة، ولقد وقعوا- أو بالأحرى أوقعوا- أنفسهم في مستنقعات أصبح خروجهم منها أزمةً تكاد تكون مستعصية؛ فها هو حلف الناتو بكل قوته وهيبته ودُوَله لم يستطع تحقيق أي نصر في دولة كأفغانستان، تلك التي تُعتبر أكثر دول الأرض فقرًا وضعفًا، ناهيك عن العراق والصومال وهي ليست عنكم ببعيد!!.
لقد أصبحت هذه المغامرات تمثل أزمة لهذه الحكومات التي تصورت أن القضاء على حكومة يعني الانتصار في المعركة، فإذا هي تكتشف أن القضاء على الحكومات يُمثل الخطوة الأولى لإيقاظ مارد المقاومة التي يصعب السيطرة عليها، بعد أن تفلت من عقالها، خاصة إذا كانت تحارب عدوًّا خارجيًّا واضحًا؛ حيث ستكون مدعومةً حينئذ بكل إرهاصات الحرب المقدسة التي سوف يتلذذ الكثيرون بالتسابق لتحقيق الشهادة فيها.
إن ما لا يدركه الكثيرون أن أمريكا الآن- والغرب معها- في أزمة حقيقية ومعضلة صعبة لم تمر بمثلها في تاريخها؛ فقد نجحت في الوصول بالعالم الإسلامي ودُوَله إلى وضع يمكن تسميته بمنتهى الضعف والهوان، بما أغراها بالتدخل العسكري المباشر، ولكنها في الوقت نفسه اكتشفت بالدليل العملي القاطع (الصومال والعراق وأفغانستان، وما حدث في جنوب لبنان 2006م، وغزة 2007/ 2008م خير دليل على ذلك)، أنه لا يمكنها تحقيق النصر على ما تبقى من مقاومة، فما بالك إن كانت دولة؟!.
ولعل ذلك يُفسرّ السرَّ في تراجع تلك الإستراتيجية التي أعلنت عنها الإدارة الأمريكية عشية غزوها للعراق، مروِّجة لما أسمته بإستراتيجية الفوضى الخلاَّقة في المنطقة، على لسان وزيرة خارجيتها حينئذٍ كونداليزا رايس، حيث كانت هذه الإستراتيجية تعمل لإعادة توزيع دول المنطقة وإعادة تشكيل جغرافيتها وتفتيتها بما يتفق وأهداف الغرب وإسرائيل الإستراتيجية التي لم تعد خفية، بل أصبحت في منتهى العلن والوضوح.
لقد كانت العراق هي البداية، هكذا أعلنت الإدارة الأمريكية، لكن- وكما سبق أن أشرت- أسفرت التجربة عن مفاجأة مذهلة أفسدت كل ذلك دون تخطيط أو تدبير إستراتيجي، ولا حتى تكتيكي، وإنما هو ذلك الرصيد الحضاري الضخم الذي تتمتع به هذه الأمة، وهي أنها في مجموعها لا تُقهر ولا تندحر أبدًا أمام عدوٍّ خارجي ظالم، مهما كانت قوته، وأن عوامل ومقومات القوة لديها تكمن في أعماق كل فرد فيها، وأن أعظم ما يُنشِّط هذه العوامل هو الاستفزاز والظلم الخارجي، وأنها يمكن أن تحتمل وتصبر كثيرًا، ولكنه الاحتمال والصبر والهدوء الذي يسبق العاصفة، وأي عاصفة ستكون!!
لقد وصل الغرب إلى منتهى القوة، ووصل بالعالم الإسلامي مع نهاية القرن العشرين إلى منتهى الضعف والهوان الذي لم يعد بعده ضعف، وحينئذٍ وطبقًا لسنن الله وقوانين التاريخ، يبدأ المنحنى في دورة جديدة.
إننا الآن بصدد إستراتيجيتين؛ إستراتيجية منتهى القوة، وإستراتيجية منتهى الضعف، ولن يَهزم إستراتيجية منتهى القوة إلا إستراتيجية منتهى الضعف.
وهذا ما سبق أن ذكرته منذ أكثر من عشر سنوات، وما أكَّدَتْه حقائق الواقع الملموس بعد ذلك في كلٍّ من العراق وأفغانستان في جولتيه، والصومال ولبنان وفلسطين، فاعتبروا يا أولي الألباب.
كما إني لأتساءل:
لماذا لا يعمل عقلاء الطرفين معًا لإيقاف هذه المهزلة والمؤامرة التي لم تُخف قوى التآمر العالمي حرصها على إتمامها بأي ثمن؟!
إنني أتصور أن يعمل عقلاء الطرفين معًا؛ لمنع حدوث هذه المؤامرة بكل الوسائل مهما كانت، خاصة أن هذا الاستفتاء يقوم على أساس غير شرعي، وغير دستوري وغير منطقي، وكأنه قد تم وطُبخ في غفلةٍ ودون وعي.
فلا الشمال يشترك في الاستفتاء مع الجنوب وهم شعب واحد، ولا الدستور السوداني يُقر ذلك أصلاً، ولا الدنيا سوف تنهدم وتنقلب رأسًا على عقب إن تم تعويق هذا الاستفتاء وتأجيله مهما كان الثمن، وإن انقلبت الآن فربما يكون ذلك خيرًا من مرحلة ما بعد الاستفتاء غير مضمون النتائج.
المهم أن يتم الاتفاق على هدف إستراتيجي الآن، وهو الحفاظ على وحدة أرض السودان وعدم السماح لتقسيمه؛ لأن ذلك لو حدث- لا قدر الله ذلك- سوف يفتح بابًا لا نعلم نهايته، ليس على السودان فحسب، بل على مصر خاصة، والمنطقة كلها عامة.
والوسائل لتحقيق هذا الهدف يجب فتحها؛ لتحتمل جميع الخيارات وبلا استثناء؛ لنصحح أمرًا إستراتيجيًّا قبل فوات الأوان.
إن المصلحة القومية والإستراتيجية للسودان؛ شماله وجنوبه، وكل من يحيط به من دول، تقتضي الحفاظ على الوحدة بشكل يفيد منه الجميع، ومنع الانفصال، واعتبار أي اتفاق يمكن أن يؤدي إليه كأن لم يكن مجرد حبر على ورق، ولنا في اليهود والأمريكان أنفسهم قدوة، وإن كانت غير حسنة، في ضربهم عرض الحائط بأي قرارات أو اتفاقات دولية إن تعارضت مع مصالحهم!!.
آن الأوان أن ننتفض وننزع عن أنفسنا قيود الذل والوهن والاستسلام لوهم قوة العدو وهيبته وشدة بطشه، رغم أنه يستند منذ زمن إلى منسأة أوشكت دابَّة الأرض أن تأكلها.
والله ولي التوفيق.
-------------
* أستاذ إدارة الإستراتيجية- كلية التجارة- جامعة القاهرة