رأيت الشباب يلعبون يوم الجمعة صباحًا بعيدًا عن أعين المخبرين، فهم يعتقلون الإخوان إذا ضبطوهم متلبسين بمباراة كرة قدم؛ بحجة الاستعداد لتحرير فلسطين والتدريب على الإرهاب و"والكباب".
رأيت اللاعب يحرز الهدف والحكم يحتسبه، فيراجع الحكم ويقول له: إن الكره لمست يدي.. نعم فعندهم الغايه لا تبرِّر الوسيلة وهو يريد أن يكسب مكسبًا شرعيًّا.
لكني رأيت صورةً غريبةً وشائنةً لتعظيم المذهب "الميكافلي" وأنا أرى لاعب كرة قدم مسلم مصري يأخذ الكرة بيده أو تخبط في يده ويركلها في المرمى ولو راجع نفسه مع ربه قيْد أنملة لذهب للحكم وقال أخطأت.
ربما غضبت منه إدارة ناديه أو مدربه.. ربما عاتبه الجمهور المتعطش لأي نصر ولو زائفًا وهميًّا غير شرعي.. ربما خسر مباراة، لكنه فعلها.. فعلها ولم يعاقبه أحد، ولم يعاتبه أحد، وصفَّق له الجميع والأدهى لم يستحيْ بل سجد لله، وقبَّل يده ظاهرها وباطنها، ونسي الحديث: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا"، و"إذا لم تستحيْ فصنع ما شئت"، ثم لقطة أخرى في بلد أقدم جامعات العالم، بلد العلماء والشعراء والأدباء تونس الخضراء..
ليست لقطة واحدة، بل مباراة كاملة من الأخطاء المركبة، تحكيمًا ولاعبين وإداريين وجمهورًا، حتى الأفراد الذين عليهم إحضار الكرة قاموا بأعمال كلها خسة وندالة.. إنه صراع رهيب من الفساد والإفساد والكذب والخداع.
ومع هذا المنظر كنت في صراع آخر مع نفسي: هل أغادر المبارة أم أجلس وأعاقب نفسي وأجلدها وأشنقها وهي تشاهد ملحمة الضياع والهبوط حتى صافرة النهاية، وجاء الدور على معلِّق القناة التي أحبها، فإذا بالمذيع وضيفه النجم اللامع يبرران الأخطاء ويقولان: خطأ بخطأ!!.
منذ متى وأمتي تعالج خطأ بخطأ؟!
منذ متي وأمتي الغايه عندها تبرر الوسيلة؟!
منذ متى وأمتي لا تعترف بالخطأ، وتزيف الحقائق؟، أمتي التي حققت العدل والمجد حيناً من الزمان.
لم أتحمل؟ أغلقت الجهاز.. دخلت على "النت" فرأيت صحيفة تونسية تقول: يد الله صعدت بنا إلى النهائي.. إي والله، هذا يسجد، وهذا يخطب وينشد، والأمة لا تعي ما تقول وما تفعل، وتذكرت الهدف الشهير للاعب علي خليل وهو يعترف بخطئه ويلغي الحكم الهدف، ربما ساعتها لم يكسب فريقه البطولة، وربما بعدها كسب فريقه بطولات وخسر بطولات، لكن موقف اللاعب يظل علامةً فارقةً وبطولةً خاصةً وقدرةً عجيبةً من القوة والرجولة والشجاعة والخوف العملي من الله، فهو لم يكن يجيد السجود خلف كل هدف ولا فرقعة إعلامية عنوانها: يد الله، وهكذا يفعل المسؤلون والورزاء والولاة في بلادنا.. يسرقون قوت الشعوب ويبثون الخزعبلات ويدَّعون البطولات وهم يعلمون أنهم يسرقون ويكذبون ويحتالون ويعلمون!!.
إن العقلاء يشاهدون ويرصدون ويدونون والتاريخ سيركلهم جميعًا ركلةً شرعيةً إلى مزبلته، ورغم ذلك يخرجون على الشعوب المسكينة المستكينة بابتسامة عريضة ويهللون ويكبرون تهتف الجموع الهادرة من حناجرها التي حرمت من الهتاف للحق والعدل، ومن قلوب تلعنهم بعدما غرروا بها بالأباطيل والأسمار الضالة، وأعين جائعة مطحونة زائغة، تمقتهم وتلعنهم وتتمنَّى زوالهم.
تهتف الحناجر: بالروح والدم نفديك يا زعيم، والزعيم يعلم أنه يلعب بدمائهم الرخيص، وأعراضهم الرخيصة، وممتلكاتهم الرخيصة.. يا الله!!، كم نحتاج أن نفيق! نحتاج أن نقف وقفة لله، وأن نتربَّى على الحق والعدل والاعتراف بالخطأ فهو فقه العظماء لا الدهماء.
كرة القدم الأن لم تعد رياضة عادية ولا مهنة يسترزق منها ملايين البشر عبر العالم، بل أصبحت رسالة تواصل ومحضنًا تربويًّا للشعوب المسكينة، والعالم البائس الذي حرموه من التعرض لنور الله والتربية الإيمانة.
إنها رسالة أوجِّهها للاعبين الذين يقاتلون من أجل العمرة والحج والسجود.. اتقوا الله في الأشبال والأجيال الصاعدة، واعلموا أنهم يتخذونكم مثلاً وقدوة.
وهي رسالة أوجهها لعالمنا المغيب، والذي تربى قادته على أعتاب مردوخ وميكافلي، وأقول لهم إن القلم أمانة والله أقسم بالحرف نفسه، وأفوِّض أمري إلى الله، وهل يا تري سنلعب صباحًا بعيدًا عن أعين المخبرين؟!!