- وفاة والدي أكثر ما آلمني فلم أستطع وداعه أو الصلاة عليه

- "نسيم" صديقي المسيحي ساندني في القضية وأعتزُّ بمعرفته

- أغلقوا 3 شركات وشرَّدوا موظفيها وصادروا 160 ألف جنيه

 

حوار: يارا نجاتي

الرجال قادرون دومًا على التحدي والصمود ومواجهة الظلم والاستبداد.. هذا ما أكدته أساليب النظام الحاكم في تعاطيه مع جماعة الإخوان المسلمين، فبرغم تكرار الاعتقال والإحالة إلى المحاكمة العسكرية ما زال الرجال صامدين، لا يغادرون مواقفهم أبدًا، ضاربين أروع الامثلة وأقواها في الثبات ورباطة الجأش وصدق العزيمة وإخلاص التوجه..

 

من هؤلاء الرجال المهندس أحمد أشرف؛ الذي تمَّ الإفراج عنه أخيرًا في القضية العسكرية الملفَّقة لعدد كبير من رموز وقيادات جماعة الإخوان المسلمين، وعلى رأسهم المهندس خيرت الشاطر نائب المرشد العام للجماعة، مؤكدًا- في حديثه لـ(إخوان أون لاين)- أن فرحته بالإفراج مؤجلة لحين خروج المهندس خيرت الشاطر وحسن مالك من المعتقل الظالم.

 

المهندس أحمد أشرف شقَّ طريقه في الدعوة منذ أن التحق بكلية الزراعة جامعة القاهرة، وقضى حياته العملية ناشرًا للكتب الإسلامية المعتدلة، التي تدعو إلى وسطية الإسلام، ونبذ العنف والإرهاب، وهو صاحب ومدير دار التوزيع الإسلامية، وله سبعة من الأولاد.

 

وسط العشرات من زيارات محبيه، والكثير من المهنئين بسلامته، حاورناه في منزله، بعدما قضى ثلاثة أرباع الحكم المقرَّر ضده في المحكمة العسكرية؛ فإلى تفاصيل الحوار:

* نبدأ من آخر مشهد في المسرحية الهزلية للعسكرية وهو لحظة الإفراج.. كيف تلقيتم الخبر؟

** عدت من القصر العيني، فبشَّرني المأمور بالإفراج، فسألته عن المُفرَج عنهم، فأخبرني عن خروجي أنا وشوشة والشرقاوي فقط، فبدى على وجهي مباشرة ملامح الحزن، وبكينا.

 

وتمنَّيت لو يسمح القانون، فأقوم بكتابة إقرار على نفسي، وأمضي المدة المتبقية عن الشاطر؛ لأن حالته الصحية لا يعلمها إلا المخالطون له، ونحن شهود على التدهور الكبير في صحته طوال العام الماضي تحديدًا، ولا يعني نزوله إلى المستشفى مرة أسبوعيًّا حصوله على الرعاية الطبية التي يحتاجها، كما يتطلب علاجه أكثر من تخصص طبي؛ حيث يُعَالج بعدد كبير من الأدوية، كمحاولة منه في الحفاظ على ما تبقى من صحته.

 

وقلت لإخواني: إني أؤجل فرحتي بالخروج لحين خروج الشاطر ومالك، فالشاطر يستحق إفراجًا صحيًّا فوريًّا إذا عُرضت حالته على الجهات المختصة، إلا أننا لمسنا أن التقرير الطبي لم يصل إلى أجهزة أمن الدولة بشكل كافٍ، فمثلاً لا يعلمون أن لديه شريانيْن مسدوديْن في القلب، كما تضخم قلبه في التسعة أشهر الأخيرة بشكل لم يحدث طوال الثلاث سنوات الماضية.

 

البكاء

 

 الصورة غير متاحة
 
* لماذا تمَّ استثناء الشاطر ومالك من الإفراج رغم الظروف الصحية؟

** أنا وشوشة والشرقاوي عقوبتنا كانت خمس سنوات، أما الشاطر ومالك فعقوبتهما سبع سنوات، ولكن العرف جرى بالإفراج في نصف المدة، كما هو عرف الإفراج بعد ثلاثة أرباع المدة، كما أن الكثيرين ممن هم أحسن حالاً من صحة المهندس خيرت خرجوا بإفراج صحي.

 

فالدواعي الإنسانية والصحية وحقوق الإنسان تجعلنا نراعي حقهم كشخصيات وعقول مفيدة للبلد، فهما شخصيتان تحبَّان الخير لبلدهما، فالمهندس خيرت ضحَّى بأحد عشر عامًا من حياته في السجن، تزوج خلالها بناته الثماني، فقد عانى معاناة كبرى في حياته الشخصية وفي عمله وشركاته التي أضيرت كثيرًا.

 

كما أن الأستاذ مالك في ظلِّ الأزمة المالية التي تعيشها البلاد، كان سيفتح الكثير من الشركات والمصانع، ويوفر فرص عمل للكثير من الشباب؛ حيث كان على وشك عقد شراكة مع تركيا قبل اعتقاله، وصحته متدهورة جدًّا؛ لأنه مصاب بارتفاع مستمر في الضغط، ولا يحصل على قسط كافٍ من النوم.

 

* وأين العلاج إذن؟ وهل المتابعة الطبية غير ميسرة؟

** عندما يكون أحدنا مريضًا، كالمهندس خيرت الشاطر، يذهب إلى المستشفى بشكل دوري مرة في الأسبوع؛ لأنه يحتاج إلى علاج طبي مستمر؛ بسبب أمراض السكر والقلب والأعصاب، إلا أن الذهاب إلى الأطباء مليء بالمنغصات؛ حيث إن ظروف الترحيل سيئة، بدءًا من السيارة، والمعاملة السيئة، التي تصل إلى حدِّ وضع القيود في أيدينا أثناء اصطحابنا إلى المستشفى، والكثير من صور المعاملة غير الإنسانية، إنما نتحمَّلها اضطرارًا لعدم توافر الرعاية الصحية داخل السجن.

 

* هل ترى علاقةً بين توقيت الإفراج عنكم وموعد انتخابات مجلس الشعب؟

** لا أرى ذلك أبدًا، خاصةً أن القضيتين السابقتين للإخوان خرجوا بثلاثة أرباع المدة في حكم الخمس سنوات، فلا يمكن إدخالها تحت بند الصفقة مع النظام، أو كمحاولة منه لتحسين صورته؛ لأن المهندس خيرت والأستاذ مالك ما زالا معتقليْن.

 

إنما أقول عنها إنه حق أصيل لنا أقرَّه النظام حتى قبل الإحالة إلى المحاكمات العسكرية بإخراج السجناء بعد قضاء ثلاثة أرباع المدة المحكوم عليهم بها.

 

* الساعات الأولى بعد خروجك من المعتقل.. كيف قضيتها؟

** أولاً صليت الفجر في المسجد بصحبة ولديَّ إسماعيل ويحيى، وجلسنا في مقرأة للقرآن الكريم، ثم توجهت إلى زيارة قبر والدي الذي لم أشارك في دفنه، فكان حقه عليَّ الدعاء له.

 

وفي الطريق مررنا قدَرًا بقبر الإمام حسن البنا، ودعونا له كأننا نريده أن يعلم أننا ما زلنا على خطاه، ثم زرت قبر أبي وعمي، وتوجَّهنا إلى قبر أم زوجتي، وعدنا إلى المنزل فتناولت الإفطار مع الأولاد.

 

* نعود إلى ظروف اعتقالك في تلك القضية الملفقة!.

** كان اعتقالي الأغرب بين إخواني جميعًا، لأني ذهبت إليهم بنفسي ولم يأت أحد للقبض عليَّ؛ حيث أخبرني ابني إسماعيل بمداهمة أمنية وتكسير مكتبة الإعلام ودار الطباعة ومكتبة الجيزة الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل، ولم أكن قد نمت قبل الاعتقال بـ48 ساعة، وبعدها بقليل وردت إليَّ مكالمة أخرى من جارة تؤكد اقتحام وتكسير شقتين أخريين تابعتين للدار في السيدة زينب.

 

وعندما ذهبت تعجب الأمن من مجيئي، وقال لي أحد الضباط إني لم أكن ضمن المجموعة المطلوبة في تلك القضية، حتى صار الأمر مصدرًا للدعابة من الإخوة؛ على اعتبار أني كنت ضيف شرف وحصلت على واحدة من كبرى العقوبات.

 

وتأكدت أنهم يبحثون عن المال، عندما أرادوا أخذ ثلاثٍ من خزن الأموال معهم إلى مقر أمن الدولة، لكني أكدت أني سأفتحها بنفسي، فكان معي مفتاح إحداها واتصلت بالموظفين المالكين لمفاتيح الخزن في السادسة صباحًا، على الرغم من سكنهم في أماكن بعيدة.

 

* وكيف جرت الأمور بعدها؟

** قادني الضابط إلى المنزل، وشعرت أنهم يبحثون عن أي مبالغ مالية؛ بدليل أن الضابط أخبرني أنه لا يجد ما يبحثون عنه، فأكدت لهم عدم وجود أموال في المنزل، وبعدها انضممت إلى إخواني حسن مالك، وأحمد شوشة في قسم مدينة نصر؛ حيث جئنا بعد في المرحلة التالية للقبض على  الشاطر و15 من الإخوان، بعشرة أيام، ثم ذهبنا معًا إلى سجن المحكوم.

 

* علمنا أنك تعرضت للاعتقال 7 مرات؛ فهل اختلف اعتقالك في العسكرية عن سابقيه؟

** نعم هو الأصعب على الإطلاق؛ لأنها كانت الأطول في مدة بقائي بعيدًا عن الأسرة، أما المرات السابقة فقد كانت شهورًا قليلةً، أطولها أربعة شهور، كما حدث بعد الاستفتاء عام 2007م، أو قبيل انتخابات مجلس الشعب؛ لكوني الوكيل العام عن الحاج حسن الجمل في المنيل في عام 87، وفي 2005م أيضًا، تم اعتقالي بسبب إدارتي لدار النشر وتزامنها مع الاستفتاء، إلى جانب كونها الأكثر إضرارًا بعائلتي، فقد أضرَّت كثيرًا بشركائي ومصالح العاملين معي.

 

غسيل الأموال

* نعود إلى القضية.. ما الاتهامات؟!

** نفتخر بتقديمنا للمحاكمة بتهمة غسيل أموال، التي نفتها الدولة والمحكمة العسكرية، وشهدت بعدم ارتكابنا أية مخالفة ضرائبية أو مالية، كما يشرِّفنا أن 70 شركة من شركات الإخوان أوراقها نظيفة بالكامل، أما التهمة الثانية- وهي الإرهاب- فقد انتفت كذلك بشهادة المحكمة العسكرية، وهما أكبر تهمتين.

 

والاتهام الآخر، وهو الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، شيء لا ننكره مطلقًا، وقد اعترفت بذلك أمام المحكمة، وصرَّحت بأنني منضمٌّ إلى الجماعة منذ أيام الدراسة الجامعية، كما اشتغلت بمجال الدعوة منذ عام 1980م.

 

 إلى جانب التهمة الباطلة فيما سُميَ بقضية الميليشيا العسكرية، فأثناء القبض عليَّ سألني الضابط عن علاقتي بالأزهر، فأكدت له أنني أبيع الكتب لكل الشعب، تباع بكل دول العالم؛ حيث نقوم بتصدير الكتب الإسلامية، التي تنشر الفكر الوسطي المعتدل لمصلحة الأمة.

 

* ما دام قد تمَّ إسقاط كل التهم ضدك؛ فما التهمة التي قضيت بسببها 5 سنوات؟

** ما كتب في أوراق القضية هو قيادة عمل تنظيمي ولجان مالية؛ على اعتبار أني أمتلك عددًا من الشركات، فاتهموني بالإنفاق على الجماعة، وهي التهمة الرئيسية الموجَّهة للخمسة الآخرين الذين حصلوا على أكبر أحكام؛ حيث يغلب علينا العمل في "البيزنس".

 

* وما حجم الخسائر المادية التي وقعت عليكم من جرَّاء تلك القضية الملفقة؟

 ** أنا وحدي صادرت السلطات مني 160 ألف جنيه، وأغلقوا ثلاثًا من شركاتي حتى الآن، كما أن الظلم مستمرٌّ إلى الآن على موظفي الشركات؛ لأن التأمينات ترفض إعطاءهم استمارة (6)؛ لأنها أوقفت توقيعي كمدير على الأوراق.

 

أول مصحف

* وما المدى الذي وصل إليه نشاط دار النشر قبل إغلاقها؟

** تم إغلاق دار التوزيع في وقت ذروة أدائنا لرسالتنا، وإصدار أول مصحف مترجم لمعاني القرآن، ووزِّع قبل إصدار مصحف الملك فهد المجاني الكثير من النسخ التي وصلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية، خاصةً أنه صدر بعد أحداث سبتمبر 2001م، عندما كان الغرب ينشد التعرف على القرآن الكريم.

 

كما قمنا بترجمة الكتب الإسلامية المعتدلة إلى اللغات الإنجليزية والألمانية والفرنسية، وحتى ترجمه البعض للغة الإندونيسية، وتشارك الدار في 18 معرضًا دوليًّا وحكوميًّا، ندفع الضرائب كاملة باستمرار، ونحترم قوانين الدولة، ولم نخالفها مطلقًا، فمثلاً لم أشارك يومًا في طبع منشورات.

 

أفتخر بعدم مصادرة كتاب واحد من دار التوزيع والنشر، فلطالما حصلت الكتب التي ننشرها على موافقة وشهادات من الأزهر في الكثير من القضايا التي قدمت إليه، ومنها ما تمَّ مصادرته وألغى تصريح الأزهر المصادرة لسياسة الدار في التوازن الإسلامي ونبذ فكرة العنف.

 

* وما الذي تنوي القيام به بخصوص فتح دور النشر من جديد؟

** سأبدأ فورًا بالبحث عن حقوق الموظفين وكل من له علاقة عمل معي، وكان ضباط أمن الدولة قد أكدوا لي إمكانية الحصول على حقوقي في إعادة فتح الشركات، والحصول على الأموال المُصادرة، وأجهزة الكمبيوتر وكل ما تمَّ إثباته في محاضر النيابة، بعد تقدُّم المحامي بطلب إلى المدعي العام العسكري بقضائي للعقوبة الموقعة عليَّ.

 

الأصعب

 الصورة غير متاحة
 

*هل ترى اختلافًا في تلك القضية العسكرية للإخوان عن مثيلاتها السابقة؟

** نعم؛ لأن تلك المحاكمة العسكرية هي السابعة في تاريخ الإخوان، ووفقًا للقراءات تعدُّ الأصعب بينها، من حيث إغلاق 70 شركة، والقبض على رجال أعمال، ومصادرة مبالغ طائلة من الأموال، كما كانت تُهمتا الإرهاب وغسيل الأموال من التهم الجديدة في محاكمات الإخوان.

 

* وماذا عن القول بأن هدف المحاكمات العسكرية هو إضعاف للجماعة؟

** بل أرادوا إضعاف المشروع الإسلامي بالكامل، فالجماعة فصيل من المخلصين الشرفاء في العالم العربي ينشد الإصلاح، ولكن لكون الجماعة أنشط من غيرها يحاولون تأخيرها وإزاحتها من المقدمة، وتقويض دورها الإصلاحي في المجتمع، على الرغم من أن الجماعة لم تطلب يومًا المقدمة أو تسعى إليها، بدليل أن المبدأ السائد في الجماعة هو المشاركة لا المغالبة، كما ننفي دائمًا رغبتنا في الوصول للحكم.

 

* وهل ترى أنهم نجحوا في تحقيق ذلك الهدف؟

** بالطبع أثروا على البلد كاملة؛ فأي اعتداء على الشرفاء مهما كان فصيلهم سيؤثر في تأخير تحقيق مشروع الإصلاح والنهضة الدينية، كما يؤدي إلى إضعاف البلد، ويزيد من طمع الأعداء بالبلد.

 

فالإبداع لا يظهر سوى في وجود الحرية والأمان، ولم يعد يطلب الهجرة إلى الخارج سوى خيرة العقلاء ومبدعي الأمة؛ نتيجة لقتل الولاء والانتماء في الشرفاء بداخلهم، فالتعسف والسجن والعنف ضد الشرفاء لا يصبُّ سوى ضد مصلحة البلد، وغياب العدل والحريات يقتل الطموح في الشباب؛ لأن المبدأ ليس ثابتًا على محاربة الإسلاميين وحدهم، وآخرهم الطبيب الذي لوِّثت سمعته، وتمَّت تبرئته في النهاية.

 

الإعدام

* وكيف كان رد فعل الأسرة على الحكم؟

** بداية عندما علم ابني الصغير يحيى بإحالتي للمحاكمة العسكرية تعجَّب كثيرًا، وسألني عن أصعب الأحكام، فأخبرته بأنه الإعدام، وعندما رأيت الفزع في وجهه حاولت ردَّه إلى قضية الإيمان، وأكدت له أن أحدًا لن يزيد أو ينقص من عمري الذي كتبه الله لي.

 

* كيف شعرت وأسرتك تجاه مصادرة أموالكم وإيقاف أعمالكم؟

** على المستوى الشخصي أنا وأسرتي نحتسب عند الله ما أوذينا فيه، ولا نُكِنُّ الضغائن؛ لأننا نعيش بمبدأ العفو والصفح، لكن نشفق على الذين ظلمونا من حجم الظلم الذي وقع على كثيرين من حولنا كموظفين وعمال، وحتى المطابع وورش التجليد المتعاقدة مع الدار بدأت تغلق واحدةً تلو الأخرى.

 

* وكيف كنتم تقضون الأيام داخل المعتقل؟

** نظرًا لعدم وجود أعباء علينا، كان هدفنا الأول محاولة تقوية الإيمان في أنفسنا، خاصةً أن الروح المعنوية لدينا ستبثُّ إلى أولادنا، وكان برنامجنا يبدأ من قيام الليل، ثم السحور لمن نوى الصيام، وصلاة الفجر في جماعة، ويأتي بعدها دور المقرأة حتى شروق الشمس، وصلاة الضحى، ثم النوم قليلاً قبل موعد الزيارة.

 

وكنا نقسِّم أنفسنا على الخدمات التي نحتاجها داخل السجن، سواء أعمال النظافة أو الطبخ، ويكون هناك أيضًا وقتٌ لممارسة الرياضة، من أجل الحفاظ على الصحة وليس ترفًا.

 

وكان التنس رياضتي المفضلة، وقد علَّمت عشرة من الإخوة اللعبة خلال فترة الاعتقال، إلى جانب تنظيم دورات في البنج بنج، والكرة الطائرة، كمحاولة للتخفيف عن إخواننا.

 

كل ذلك كنا نقوم به قبل الساعة الخامسة عصرًا موعد إغلاق العنابر، فلا يكون أمامنا وقتها سوى المناقشة، كمقرأة التفسير التي شاركت بها، إلى جانب التعليم الذاتي من خلال القراءة في مجالات مختلفة، كالتنمية البشرية أو الاقتصاد.

 

العزل التام

 الصورة غير متاحة
 
* ومع من كنت تقيم في المعتقل في الفترة الأخيرة؟

** كنت أقيم مع الشاطر وشوشة في حجرة واحدة، ومالك وصادق في غرفة أخرى بنفس العنبر، على الرغم من أن المقيمين بالحجرة في بداية القضية كانوا يزيدون عن تسعة أشخاص، لكن مع خروج معظم الإخوان من السجن قسَّمونا على حجرتين؛ حتى لا يتركوا لنا مجالاً للحديث مع بقية السجناء.

 

* نفهم أنكم كنتم معزولين عن السجناء الآخرين؟

** طبعًا كان هناك عزل تامٌّ منذ بداية القضية، بيننا وبين جميع المسجونين، واقتصرت العلاقة المسموح بها على إلقاء السلام في أوقات الزيارات، لبعض الأشخاص المعروفين لنا، كيوسف عبد الرحمن أو هشام طلعت، حتى أيمن نور كان معزولاً في مكان بعيد عنا تمامًا؛ حيث لم يكن يسمح لنا كمعتقلين سياسيين من الإخوان باللقاء مع أحد أو ترك المجال للحديث معهم.

 

* وما شكل العلاقة التي صارت بينكم في المعتقل؟

** أصبح هدف كل منا إسعاد أخيه وليس نفسه، ووقتها أحصل على سعادتي، من التخفيف آلام الفراق عنه، والتسرية عنه بعد الزيارة إذا وصلته أخبار سيئة، أو القيام بالخدمة المفروض عليه بدلاً عنه، وإذا شعر أحدنا بمرض أخيه يطفئ النور مبكرًا، ويسهر هو على كشَّاف أو ضوء صغير في سبيل راحة أخيه، حتى إن الإخوة الذين قضوا مدة الاعتقال وخرجوا؛ صاروا هم الأكثر سؤالاً على أبنائنا، وأصبح الـ(32) المحالون للمحكمة العسكرية ككيان واحد.

 

* وكيف كانت وقائع تلك القضية عليكم؟

** الحبس لم يزدنا إلا إيمانًا ويقينًا، وما أعتبره أكبر مكاسبي الشخصية في تلك القضية هو أولادي وزوجتي، والثبات الذي ظلوا عليه، كما ازدادوا اقتناعًا بالطريق الذي نسير عليه.

 

أما على مستوى البلد كان أملنا أن نرى مصر تنهض وتأخذ بأيدي كل البلدان العربية والإسلامية، وأن تتضح التحديات الحقيقية أمام الشعب والشباب.

 

ومن أهم آثار القضية أن الصورة لم تعد قاتمة تمامًا؛ حيث ازدادت القناعات لدى الكثيرين بانتفاء اتهامات كالفساد والعنف والقتل عن الجماعة؛ نتيجة رؤيتهم للتعامل القريب في الحياة اليومية، سواء من أجهزة النظام أو من السجناء، حتى إن أحد الضباط اعتذر لي لوضعه القيود في يدي أثناء ذهابي إلى المستشفى، لكني أكدت له أن السلاسل في أيدي المؤمن الذي يدافع عن الإسلام شرف.

 

* وما أكثر موقف حدث أثناء الاعتقال وتمنيت لو كنت في الخارج؟

** وفاة والدي من أكثر ما أثر فيَّ نفسيًّا؛ وقد عاتبت الأجهزة الأمنية أثناء خروجي لكي لا يكون في قلبي ضغينة من أحد؛ لأنه طالما كانت علاقتي معهم جيدة، بحكم كوني مدير شركة، وقياديًّا معروفًا لهم في جماعة الإخوان، لكن ما حدث أنهم أبلغوني بوفاته بعدها بيوم كامل، وتمنيت لو صليت عليه، فهذا كل ما أردته حتى إني لم أطلب الخروج، بالرغم من أنه حق قانوني لي، أما العزاء فهو في النهاية مجرد شكليات يستطيع أولادي القيام به عني.

 

حراك إيجابي

* كيف رأيت الحياة السياسية في مصر خلال فترة اعتقالك؟

** رأيت المجتمع يتجه إلى الأسوأ؛ لأن هناك متسعًا من الوقت؛ لمتابعة وتحليل الأخبار، فكنا نرى ما يؤكد إصابة الشباب بالإحباط والاكتئاب والأمراض النفسية، لكن نظرة المسلم تدفعنا إلى رؤية مختلفة، هي أن ذلك السوء قد يدفع العقلاء وليس المتدينين وحدهم للمشاركة في الإصلاح والتحرك في كل الاتجاهات.

 

كما أن الحراك الإيجابي بدأ يظهر وسط الفساد، لكنه ما زال بسيطًا؛ للخوف والرعب والسلبية الذي تربى عليه المجتمع، وإنما هي خطوة نحو الإصلاح.

 

* وما صور الحراك التي رأيتها؟

** من أبرز الصور التي لمسنا فيها حراكًا مجتمعيًّا، قضية جمع التوقيعات على المطالب الوطنية السبعة، إلى جانب بعض الاحتجاجات والاعتصامات، وخروج المجتمع عن الصمت في قضية (خالد سعيد)، كما ظهر التحرك في اهتمام النائب العام برفع الظلم في بعض القضايا، ومطالبة الشعب بحقوقه في كثير من القضايا، والإبلاغ عن أية إساءة مهما كانت الشخصية الظالمة لها رتبة أو مكانة، وانعكست تلك البوادر على المشاركة في الانتخابات، سواءٌ من خلال التفكير في المقاطعة أو المشاركة؛ حيث أصبح هناك خياران لا ثالث لهما، إما الهجرة أو البقاء ومحاولة الإصلاح.

 

جاري المسيحي

* لكن ما صور التغير التي شاهدتها بشكل شخصي؟

** رأيت الكثير من التغير، من خلال التعاطف والدعاء من أشخاص في المسجد لم أكن أتوقع دعاءهم أبدًا أو أعلم بوجود تلك العاطفة والمشاعر تجاهي قبل القضية الأخيرة، وبخاصةٍ من جاري المسيحي الأستاذ نسيم، الذي احتضنني هو وابنه بمجرد وصولي للمنزل، وأعتبر ذلك من أهم المكاسب التي ربحتها من تلك القضية.

 

* قلت إن أسرتك كانت أحد مكاسب القضية؛ فهل هناك مكاسب أخرى؟

** طبعًا رأيت بعيني الكثير من المكاسب الإنسانية، من خلال العاطفة التي رأيتها في الناس من حولي، والمواساة التي حصل عليها أولادي من مكالمات من خارج مصر كدعم لقضية الإصلاح وليس دعمًا للأشخاص، كما تأكد للناس أن تلك مجرد حملة إعلامية وأمنية لتشويه صورة الجماعة.

 

وعلى المستوى الشخصي فقد ربحت نفسي، فأحيانًا مع العمل في مجال المال والأعمال يقصر الإنسان في بعض العبادات ويصاب بالفتور، لكن المعتقل كان يشبه الخلوة، وتعلمت كيف تتعلق نفسي بالله عندما تنقطع الأسباب.

 

الرسائل

* وكيف كان التواصل مع أفراد أسرتك؟

** من خلال الرسائل، كأن يكتب لي أولادي يحكون لي عن مشكلاتهم وأردّ عليهم بالنصح أو تقديم الخبرات الحياتية بنفس الطريقة، إلا أنها كانت أكبر معاناة لي داخل المعتقل، عندما لا أتمكن من مساعدة أبنائي في وقت احتياجهم لي.