اختلف النقاد كثيرًا منذ بداية القرن العشرين في وصفهم لمصطلح التجريب في المسرح أو تحديد مفهوم واضح له، كما أن هذا الاختلاف زاد في الفترة الأخيرة، واختلط عليهم الأمر في التفريق بين التجريب والتخريب، ومما زاد الطين بلة أن بعض من يقدمون تجارب مسرحية ذات طابع فني رديء يعلقون فشلهم أو عدم تمكنهم من امتلاك أدواتهم على التجريب، كما أنهم يستخدمون هذا المصطلح ليهربوا من المعرفة الحقيقية لتقاليد الدراما والمسرح عبر مسيرته أو لجهلهم بالأصول والقواعد الدرامية والمسرحية.

 

وعندما أقيمت أولى دورات مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي كانت بهدف استقدام الفرق العالمية ذات الخبرات التجريبية الحقيقية؛ لكي يتعرف المسرحيون في مصر على مدى التطور والتجريب في المسرح العالمي، ومحاولة استخدامه والاستفادة منه في المسرح المصري، ولكن هذا العام في دورة المهرجان الثانية والعشرين التي تم افتتاحها يوم الأحد 10 أكتوبر كان عدد العروض المشاركة فيه 59 عرضًا في عشرة أيام؛ أي أنك إذا أردت متابعة العروض فإنك يجب أن تشاهد ستة عروض يوميًّا، وهو شيء من رابع المستحيلات، فمع تباعد أماكن المسارح وصعوبة التنقل في القاهرة فإنك بالكاد من الممكن أن ترى عرضين فقط، وإذا توفرت لك الإمكانيات في التنقل فإنك لا تستطيع مشاهدة سوى ثلاثة عروض يوميًّا؛ لأن العروض تقام في ثلاثة مواعيد يومية، وبالتالي لن تستطيع مشاهدة ما يزيد عن نصف العروض المقدمة.

 

ولكنَّ العدد الكبير للفرق المشاركة بـ59 عرضًا يشبه غثاء السيل، فالمشاركة الإفريقية جاءت من خلال 5 عروض والمشاركة العربية من خلال 35 عرضًا، أما بقية العروض البالغ 19 عرضًا ينتمي بعضها إلى دول حديثة التعرف على المسرح، وهناك عروض قليلة تنتمي إلى الدول الأجنبية التي لها باع كبير في المسرح، لكن هذه العروض تنتمي لفرق المستوى الرابع في بلادها، فإذا كانت هذه المشاركات الهزيلة في المهرجان جاءت لكي نعرف من خلالها الجديد في عالم المسرح، فهذه مصيبة يجب ألا تمر مرور الكرام، فما الذي حدث حتى تسبقنا هذه الدول التي تعرفت على الفنون من خلال مصر؛ لتصبح هي من يعلمنا الجديد في فنون العرض المسرحي؟! ومَن المتسبب في تدهور حال الفن في مصر إلى هذا الحد المخجل الذي نستقدم فرق الدرجة الرابعة لتعلمنا جديد المسرح؟!

 

وكان حصاد الأيام الأولى من عمر هذه الدورة عدم التعلم من أخطاء الدورات السابقة، فقد سادت العشوائية والفوضى، فعلى أبواب المسرح كان المشاهدون ينتظرون لأكثر من الساعة بعد الموعد المحدد للعروض؛ ما يثير أعضاء الفرق الأجنبية، فهم لا يعرفون معنى للتأخير، ويسألون الواحد تلو الآخر مسئولي المسارح عن سبب التأخير فلا يجدون جوابًا، وعند فتح باب المسرح يتدافع الناس بشدة، ففي مسرح الغد أصيب مخرج العرض البلغاري بالتواء في قدمه من أثر التدافع لمشاهدة عرض أسبانيا، فهاج الفريق البلغاري وعلا صوتهم، وعندما سألت المترجمة المصاحبة لهم: ماذا قالوه قالت: إنهم قالوا: إن المصريين همج ولا يوجد أي تنظيم داخل المهرجان، وكان هذا واضحًا منذ حفل الافتتاح، وإن المصريين لا يقدرون الناس، فالمخرج من أهم مخرجي بلغاريا، فكيف يعامل بمثل هذه المعاملة؟ أما أمام مركز الإبداع الفني فقد انتظر الجمهور أكثر من ساعة لعدم وصول لجنة التحكيم إلى المسرح، وعندما حاول الناس التدافع للدخول حاول مدير المركز المخرج خالد جلال تهدئة الجماهير وقال: إنه لا يمكن أن يتم إدخال أحد قبل لجنة التحكيم، وطالبهم بالصبر فاللجنة في طريقها للمسرح، وكل هذه السلبيات حدثت العام الماضي أمام باب قصر قبة الغوري وكان وقتها الوفد الأردني يريد الحضور، وعند التدافع صرخوا في وجوه رجال الأمن والمنظمين بغياب التنسيق والتنظيم، وحاول بعض الصحفيين أن يأخذوا منهم تصريحًا فرفضوا قائلين: إننا مصريون أكثر من أهل مصر، ولن نقول كلمة واحدة للصحافة حتى لا نكون نحن من يسيء إلى مصر.

 

كما غاب الجديد من الأفكار أو الرؤى المسرحية الجادة في العروض، رغم وجود بعض الأفكار الجريئة الجديدة ولكن في تناول لا يرقى إلى مستوى المهرجانات الدولية، وكان هذا أكثر وضوحًا في العروض العربية، فقد قدمت لبنان عرضًا تحت عنوان "غوانتنامو" وهو ينتمي إلى المسرح السردي، فبه خمس من الممثلات تحاول كل منهن أن تعبِّر عن معاناتها في "منلوجات" طويلة دون أي نوع من الجمل الحوارية بينهن، ويبدأ العرض عند دخولك إلى المسرح فتجد أن الخمس فتيات يرتدين النقاب في انتظار طويل، فتبدأ كل واحدة منهن في خلع نقابها لتبدأ في الحكي عن كيفية التعرف على زوجها، وكيف تم اعتقاله ونقله إلى غوانتنامو، ويأدين مشاهد التعذيب والقهر داخل المعتقل في ملابس تشبه ملابس هذا المعتقل، ثم ينتهي العرض بضحك منهم على مناداة الناس لهم بالإرهابيات، ولكن هذا الضحك ضحك كالبكاء، ولكن في هذا العرض تم استخدام الإضاءة بطريقة جيدة، فالديكور عبارة عن حائط في العمق معلق عليه أوراق جرائد يتم تسليط الضوء عليه بشدة أثناء مشاهد التعذيب والمعاناة للفتيات، وهم يؤدون في الظلام؛ للدلالة أن الاهتمام دائمًا مسلط على الإعلام، ولا يوجد أي اهتمام بالمعاناة التي يعيشها الناس.

 

أما العرض السوري في انتظار البرابرة، فقد بدأ بحمل الممثلين لمجموعة من العرائس يؤدون بها بعض الحركات التمثيلية وهم يختفون خلفها، وذلك يعطي إيحاءً بأنك مُقبل على عرض جيد، ولكن تصطدم بالواقع، فتجد أنك أمام عرض يطول، فالملك يجلس ويجمع حاشيته يلهون في أثناء انتظارهم للبرابرة، فيكررون المواقف والرقصات التي لا فائدة منها إلا إطالة زمن العرض، ثم ينتهي العرض بأغنية تقول للبرابرة: إننا صرنا مهيئين لاستقبالكم فقد صرنا مثلكم، في خطاب مباشر وصريح دون أي نوع من أنواع الدراما، وقد فوت المخرج فرصة ذهبية لاستخدامه مكان العرض بالمسرح المكشوف بالأوبرا وتصميمه المعماري من أعمدة رومانية واتساع يشبه اتساع البهو في القصور؛ لإخراج عرض جيد.

 

أما العرض الأردني "ميشع يبقى حيًّا" فقد استلهم أحداثًا تاريخيةً عن سيطرة بني إسرائيل على مؤاب بالأردن وفرضهم الجزية عليهم، فيثور ملك مؤاب على هذا الوضع من الذل والمهانة، فينتصر على بني إسرائيل، وعندما يحاول بنو إسرائيل الانتصار يقرر أن يضحي بولده ويرسله لمواجهتهم من جديد، وقد عرض هذا العرض بساحة الأوبرا في مكان مفتوح، ولكن المعاني الكبرى لهذا العمل قد ضاعت وتاهت بين الاستعراضات وقلة عدد الممثلين الذي تم تقليصهم لعدد قليل؛ لإمكانية المشاركة في المهرجان.

 

أما العرض الكوت دفواري "السيد والطائشون" فهو عبارة عن مليودراما لشخص واحد، يقدم أفضل منها الطلبة الملتحقون حديثًا بالمعهد العالي للفنون المسرحية في مصر، كما أن الممثل كان يعتمد أكثر على الجمل الحوارية المنطوقة باللغة الفرنسية، ولذلك قبل بداية العرض قام أحد العاملين بالمسرح العائم من إذاعة معنى العرض وحكايته وأهدافه، وهو ما يتنافى مع منطق التجريب الذي يترك لكل مشاهد حرية فهم المعاني تبعًا لثقافته وقدرته على التواصل مع العمل المقدم.

 

أما عرض نيجيريا فهو عرض طقسي يعتمد على الرقصات الطقسية لا على الدراما الحركية، ومن الغريب في هذا العرض أن مصور التليفزيون النيجيري صعد على خشبة المسرح؛ ليصور العرض، ويتجول بين الممثلين، ولم يعترضه أي أحد من إدارة المهرجان أو العاملين في المسرح.

 

أما عن المشاركات الأجنبية فجاءت تشبه المشاركات العربية، فأغلبها يحمل أفكارًا ولكن لم يكن مستوى العرض على نفس مستوى الأفكار، فجاء العرض الإسباني "متر مكعب" في فكرة ممتازة عن أزمة السكن وغلاء أسعار المساكن، من خلال أحد الأشخاص يعيش في شقة أبعادها الثلاثة متر، ويؤدي كلٌّ نشاطه الإنساني فيها، وكان يستخدم البروجكتور في الإضاءة وفي رسم بعض الصور في الخلفية، ولكن كان أداء الممثل ضعيفًا جدًّا، فقد أداه عن طريق البانتوميم (الأداء الصامت) وفي بعض الأحيان كان يؤدي أداءً مبالغ فيه وغير متقن.

 

أما عرض اليونان من البداية ففيه يتقابل ثلاثة ممثلين وثلاث ممثلاث في نفس الروتين اليومي الممل؛ حيث لا يوجد أمل في حياة أفضل، ويرصد مدى العنف الذي يدور في فلكه الإنسان، ويطرح العرض سؤالاً: هل يوجد طريق للخروج من كل ذلك؟ هل يمكن فعل شيء؟ أم هل نحن فقط مشاهدون لظاهرة بعيدة عنا؟ كما وضح في هذا العرض غياب الأمل التام، ومدى تصوير العنف اليومي المحيط بنا.

 

أما عرض كازاخستان "علم البيئة" فكان يحكي عن الأرض ومدى طهرها، وكيف أن الإنسان- بفساده- ينتهك هذا الطهر، ولا يوجد حل في النجاة سوى العودة للخالق مرةً أخرى؛ لكي نحافظ على هذه الأرض التي وهبنا إياها، وفي هذا العرض كانت الممثلة التي تمثل الأرض ترتدي الحجاب طوال الوقت؛ للدلالة على الطهر، وعندما قام البشر بانتهاك طهرها يقومون بخلع حجابها فتدخل إلى الكواليس وترتدي حجابها مرةً أخرى، وعندما يدوِّي صوت الأذان في أرجاء المسرح يعودون إلى الله، ويحاولون حماية الأرض من فسادهم الذي أحدثوه، والملاحظ أن هذا العرض ظهر فيه شيئان لا يمكن أن تسمح بهما إدارة مسرح الدولة في الظهور على خشبة المسرح وهما الحجاب والأذان.