الصورة غير متاحة

 د. حسن يوسف الشريف

1- إمبراطورية تستسلم لدولة صغرى!

أمريكا تتربَّع الآن على عرش قيادة العالم، وخاصةً بعد أن رضيت أوروبا بأن تكون تابعًا أمريكيًّا يرضى بفتات المصالح التي تلقيها إليها مائدة السياسة الأمريكية، فأمريكا قوة عسكرية واقتصادية منتشرة في كل قارات العالم، ومهيمنة على العالم بلا منافس قوي.. إنها الآن أقوى إمبراطورية عالمية!.

 

ولكن الأمر الغريب والعجيب أن أمريكا فأرٌ صغيرٌ حقيرٌ أمام دولة صغيرة كدولة الكيان الصهيوني، لا تستطيع الإمبراطورية الأمريكية الكبرى أن تملك القدرة بالإقناع أو الضغط لإيقاف بناء "المستوطنات" الصهيونية فوق الأراضي الفلسطينية.. بل لا تستطيع أية إدارة أمريكية أن تجرؤ على الإعلان- على الملأ- عن مطالبة الكيان الصهيوني بتنفيذ القرارات الدولية (242، 338،...) والقاضية بخروج القوات الصهيونية من الأراضي التي احتلتها عام 1967م، بما فيها القدس.

 

ويصف النائب الأمريكي السابق "بول فندلي" أمريكا أمام أهداف الكيان الصهيوني بأنها: "الاستسلام التام لما تمليه (إسرائيل)"، وتصفها الكاتبة الأمريكية "جريس هالسل" بقولها: "إن (إسرائيل) تريد الكونجرس الأمريكي مجرد خاتم مطاطي للموافقة على أهدافها السياسية".
وهذا الضعف المخجل للإمبراطورية الأمريكية أمام دولة الكيان الصهيوني الصغيرة، والواضح كل الوضوح، يخفى على فريقين:

الأول: النظم العربية.

الثاني: الشعب الأمريكي.

فالنظم العربية كل يوم تسبِّح بحمد الإدارة الأمريكية، وتحقق لها مصالحها وزيادة؛ لأنهم يرون أن ذلك مبررًا كافيًا لكي تقوم أمريكا بالضغط على الكيان الصهيوني لاسترجاع الحقوق العربية، وكل فترة تقدم النظم العربية تنازلاتٍ؛ بحجة أن هذا سيحرج الإدارة الأمريكية؛ فتقوم بالضغط القوى على الكيان الصهيوني لكي ينفذ القرارات الدولية الصادرة لصالح العرب.. كل هذا من دون جدوى؛ لأن الإمبراطورية الأمريكية أضعف من أن تقنع- فضلاً عن أن تضغط على- شيطان الشرق الأوسط (إسرائيل)!!.

 

والمدهش أن الفريق العربي المقتنع بأهمية الدور الأمريكي في حل مشكلاتنا مع الكيان الصهيوني قد زاد عدده وزادت قناعته؛ حتى كوَّنوا محورًا أطلقوا عليه "محور الاعتدال العربي"، ثم أصبح منهجًا يريدون لكل العرب أن يقتنعوا به، وراجع في هذا كتاب "نهج الإعتدال العربي" لرمز من رموز هذا التوجه، وهو وزير خارجية الأردن سابقًا، وقد نشر الأستاذ "فضل مصطفى النقيب"، الأستاذ بجامعة "وترلو" نقدًا للكتاب في مجلة "وجهات نظر" (عدد مارس 2009م)، ونذكر هنا فقط دليلاً واحدًا على مدى الانقلاب الفكري الذي حدث في فهم رموز نهج "الاعتدال العربي!!"، وهو تصريح ينتقد فيه أحدهم إصرار البعض على تضمين مبادرة السلام السعودية "حق عودة اللاجئين الفلسطينيين"؛ حيث قال: "إنه كان يعارض بشدة منتقدي المبادرة الذين كانوا يصرُّون على تضمينها حق عودة اللاجئين؛ لأن ذلك من "التفاصيل" التي تضعف قوة المبادرة!!!".. وهذا الكلام لا يمكن أن يتكلم به وزير خارجية عربي، إلا إذا كان أمريكيَّ الثقافة والفكر!!.. وهل يرى عاقل عربي أو غير عربي أن عودة اللاجئين تفاصيل تضعف المبادرة.. يا للهول!!.. يا للضعف!.

 

وقد رد عليه الأستاذ "النقيب" بمجلة "وجهات نظر" المشار إليها سابقًا بقوله: "هل حق تقرير المصير لملايين من البشر مجرد تفاصيل؟؟!".. ها هو الفريق العربي الذي يجهل ضعف أمريكا أمام شيطان الشرق الأوسط !!، كما يجهل هذا الفريق أن هذا الشيطان لا يريد سلامًا، بل يريد هدنةً ممتدةً، وهذا ما يفهمه فريق من وزراء خارجية الغرب، "ففي مقابلة بين السفير المصري في فرنسا (نجيب قدري) مع وزير الخارجية الفرنسي (ميشيل جوبير) عبَّر له الوزير الفرنسي بأنهم غير متفائلين بالنسبة لنتائج مؤتمر جينيف بشأن التوصل إلى سلام دائم؛ وأن السبب في تشاؤمهم نابعٌ من اقتناعهم بأن الكيان الصهيوني لا يرغب في سلام، ولكن يرغب في هدنة ممتدة" (المفاوضات السرية بين العرب و(إسرائيل)، محمد حسنين هيكل، ج 2، ص 23).

 

وإذا كانت هذه قناعة من هم على رأس السياسة الغربية، فمتى يقتنع الفريق العربي بأن شيطان الشرق الأوسط لا يريد سلامًا بل ما يريده هو "هدنة ممتدة"؟!!، وما نرجوه هنا هو أن يقتنع الفريق العربي بأن أمريكا- تلك الإمبراطورية العظمى- أضعف ما تكون أمام إسرائيل، فكيف تنجح في إقناعها أو الضغط عليها لكي تقوم بتنفيذ القرارات الصادرة لصالح العرب؟!.

 

ونريد أن نسرد قليلاً من الأدلة في هذا؛ لأن المقام لا يتسع، والتي تثبت مدى تحكم "إسرائيل" في الشأن الأمريكي، ومدى ضعف أمريكا أمام أهداف ومصالح "إسرائيل" وإن كانت خيالية، والذي يقرأ كتاب النائب الأمريكي (بول فندلي) "من يجرؤ على الكلام؟ّ" يعلم مدى الاستسلام الأمريكي لـ"إسرائيل"، أو كتاب المحامي الأمريكي (ألفريد ليلينتال) "هكذا ضاع الشرق الأوسط"، أو رجل المخابرات (جون بيتي) في كتابه "الستار الحديدي حول أمريكا"، أو كتاب "النبوءة والسياسة" للصحفية الأمريكية (جريس هالسل)، يعرف مدى الضعف المزري للسياسة الأمريكية أمام "إسرائيل".

 

يقول (كلودشيسون) وزير خارجية فرنسا في عهد الرئيس (فرانسوا ميتران): "إن السياسة الأمريكية منذ الحرب العالمية الأولى قد اتسمت باستمرارية وثبات وعزم وإصرار مذهل على مساندة "إسرائيل".. بدأت بوعد (بلفور) الذي فرضته على بريطانيا واستمرت إلى اليوم... هذه هي سياسة الولايات المتحدة التي تقدم نفسها كراعية للسلام!! مساندة لـ"إسرائيل" بلا حدود ولا قيد ولا شرط" (مجلة السياسة الدولية، مصر، عدد أكتوبر 1998، ص 181).

 

وتنقل لنا (جريس هالسل)- كانت السكرتير الصحفي للرئيس الأمريكي الأسبق (جونسون)- أنها حضرت الموقف الآتي: "عندما سأل أحد قادة "إسرائيل" الرئيس (جونسون) الاعتراف بأن المناطق التي انتُزعت من العرب في عام 1967م هي جزء من "إسرائيل"، فأجاب الرئيس (جونسون): "إنك تسألني الاعتراف بحدودك!!.. إنك لم تحدد حدودَ "إسرائيل" بعد!!". ويقول اللورد (كارادون)- مندوب بريطانيا الدائم بالأمم المتحدة-: "إن الولايات المتحدة الأمريكية لم تطلب وحتى لم تشجع "إسرائيل" على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، بل إن أمريكا زوَّدت "إسرائيل" بالدعم المادي والمعنوي الكامل؛ حتى تستمر في تجاهلها قرارات الأمم المتحدة بإعادة الأراضي".

 

يحكي الأميرال (توماس مورر)- رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة- أنه كان لدى الجيش الأمريكي سرب من الطائرات المضادَّة للأفراد، وقامت السفارة الصهيونية بطلب السرب لتحصل عليه "إسرائيل"، فقال (توماس مورر) للمسئول "الإسرائيلي" إنه ليس لدينا إلا هذا السرب من الطائرات، ولا يستطيع أي مسئول في الدولة أن يسمح لكم بأن تأخذوه!!... فقال لهم المسئول الصهيوني: هل إذا أتيت لك بالموافقة من الرئيس الأمريكي ستوافق؟! قال له: نعم. ثم قال (مورر): "لقد كانت المفاجأة لي أنهم أتوا بالموافقة، وحصلوا على سرب الطائرات"، ثم علَّق رئيس الأركان قائلاً عن نفوذهم في السياسة الأمريكية: "ولو عرف الشعب الأمريكي مدى قبضة هؤلاء على حكومته لهبَّ إلى حمل السلاح... فمواطنونا لا يعرفون شيئًا عما يجري!!" (من يجرؤ على الكلام؟، بول فندلي، ص 269).

 

ونذكر نكتة كان يتندَّر بها بعض السفراء الأمريكيين عندما يلتقون في مبنى وزارة الخارجية، وهي تعني أن المؤسسات الأمريكية لا تخضع للعقل ولا للعلم، بل تدير ظهرها لهما إذا كنت المصلحة تهم مدح "إسرائيل". النكتة يرويها (دون بيرجوس) السفير الأمريكي بالسودان؛ حيث يقول: "إننا في وزارة الخارجية كنا نتندَّر بأنه إذا أعلن يومًا رئيس وزراء الكيان الصهيوني أن الأرض مسطَّحة وليست كروية، أصدر الكونجرس خلال 24 ساعة قرارًا يهنئه فيه على هذا الاكتشاف!!" (السابق، ص 48).

 

التهديد بحرق واشنطن

هدد (بنيامين نتنياهو) عندما كان رئيسًا لوزراء إسرائيل عام 1998م بأنه سوف "يحرق واشنطن" إذا تجرَّأ الرئيس الأمريكي (بيل كلينتون) وإدارته وأعلنا أن "إسرائيل" هي الطرف المسئول عن فشل عملية السلام في الشرق الأوسط. ولقد كان هذا التهديد السافر من (نتنياهو) بمثابة أول تهديد بأنه "سيحرق واشنطن"!!.

 

الغريب كل الغرابة أنه عندما أظهر (نتنياهو) "العين الحمراء" لـ(كلينتون) وإدارته سارع الثاني بدعوة الأول إلى زيارته في واشنطن التي هدَّد بحرقها، وتمَّ احتواء الموقف عبر اللوبي الصهيوني في الإدارة الأمريكية والكونجرس وجماعات الضغط ((الأهرام) المصرية، 14/5/2002م، "أحوال عربية"، فرحات حسام الدين).

 

كما استخدم الإرهابي (شارون) سياسة "العين الحمراء" مع الرئيس (جورج بوش) الابن، عندما تفجَّرت الأزمة بينهما بعد أحداث سبتمبر وإعلان (بوش) بقبوله قيام دولة فلسطينية واستعداده لاستقبال ياسر عرفات فعنئذٍ هاجم (شارون) واشنطن واتهم (بوش) بأنه يضحي بـ"إسرائيل" من أجل العرب، مثلما ضحَّى الغرب بتشيكوسلوفاكيا لإرضاء (هتلر)، كما قام (شارون) في 28/3/2002م بإعادة احتلال المدن والقرى الفلسطينية ورفض الانسحاب منها، فكانت النتيجة أن دعاه (بوش) لاستقباله بواشنطن ووصفه بأنه رجل سلام، في الوقت الذي رفض فيه مقابلة عرفات، ووصفه بأنه خيَّب آمال شعبه، كما وصفت كوندليزا رايس عرفات- وهو محاصر في مكتبه في رام الله بقوات شارون- بأنه لا يعمل بجدية ضد الإرهاب!! (السابق) إنه الاستسلام الأمريكي التام!!، هذا لا يعقل لإمبراطورية عظمى أن تستسلم لمطالب ومصالح دولة صغرى!.

 

الذي يهمنا هنا ليس البحث عن سرِّ هذا الاستسلام الأمريكي للأهداف الصهيونية؛ فلهذا مكان آخر، أما الذي يهمنا هنا ويهم كل الأحرار العرب فهو: لماذا يعتمد النظام العربي في حل مشكلاته السياسية مع الكيان الصهيوني على الإدارة الأمريكية؟!

 

إن الاعتماد على الآخرين هو من شأن الأطفال، وينبغي للأطفال أن يبتعدوا عن العمل بالسياسة، فالعمل السياسي هو من شئون الرجال لا من شئون الأطفال.