وسواء أقمنا فعلاً هذا التمثال في أكبر ميادين القاهرة عقب الفوز بكأس إفريقيا للمرة الثالثة على التوالي بـ"أنجولا" 2010م أم لم نقمه، لأننا على الأقل أقمنا هذا التمثال في نفوسنا وعقولنا.

 

أقمنا هذا التمثال في صدورنا بعد مجموعة من النتائج غير المسبوقة للمنتخب الوطني لكرة القدم، وراهن الشعب المصري على المنتخب الوطني، واعتبره مشروعه الوطني.. ما دام هو المجال الوحيد الذي يحقق النجاح لمصر.. وكما عبَّر الإعلام في قصيدة شكر دائمة متواصلة، أن منتخب الكرة وفريق النادي الأهلي بانتصاراتهم المتوالية، هما مصدر السعادة والفرحة والابتسامة الوحيد للشعب المصري.

 

لم يعد يسعد الشعب المصري بملايينه الثمانين ولم يعد يحلم إلا بمنتخب مصر الكروي وفريق الأهلي الذي يمثِّل مصر في المحافل الدولية للأندية!!.

 

لقد أقام الشعب المصري التمثال لحسن شحاتة ورفاقه، وغطَّت بطولات "شحاتة" و"جدُّو" و"تريكة" على نوبل "زويل" و"البرادعي"!!.

 

واليوم لا بد أن نرجم هذا التمثال الذي أقمناه في عقولنا بعدما ثبت الوهم والزيف على أقدام لاعبي منتخب النيجر المغمور والمجهول.

 

انهارت أسطورة المنتخب البطل، سواء تدارك الموقف وصعد أم لم يصعد فيما بعد!!،
ولا بد مع هذا الانهيار من رجم التمثال.

 

وأنا هنا لا أطالب برجم الشخص وإنما رجم؛ التمثال، الأسطورة، الوهم، الحلم، الأمل، السراب.

 

ولكن مع رجم هذا التمثال يجب ألا ننسى كل الذين شاركوا في زفة الانتصارات الكروية، هؤلاء الذين ركبوا موجة كرة القدم، وقفزوا فوق "تريكة"، و"أحمد حسن"، و"جدو"، و"الحضري" وغيرهم، هؤلاء الذين سافروا لمشاركة منتخب مصر انتصاراته في "أنجولا"، وهم واثقون من الفوز، بعدما رأوا الفوز يتحقق في أربع مباريات متتالية!.

 

هؤلاء الذين هتفوا: "منتخب مصر كويس.. ورقصوا وطبلوا.." بل و"الأدهى" من ذلك فقد رهنوا جزءً كبيرًا من مستقبلهم السياسي بمنتخب الكرة "منتخب الساجدين".

 

ويجب ألا ننسى ونحن نرجم التمثال مسئولي "الجبلاية"، هؤلاء الذين فاحت روائح مخالفاتهم ومشكلاتهم واختلافهم وإدارتهم المغلوطة لمنظومة الكرة، وانشغالهم بـ"البزنس" و"البزنسة" والفضائيات التي سخروها لخدمة أغراضهم الشخصية، وتصفية حساباتهم مع خصومهم ومنتقديهم ومعارضيهم.

 

وتلاعبوا بالجمعية العمومية، وغطوا على المخالفات المالية بالشيكات المؤجلة، وشكَّل بعضهم مراكز قوى يفرضون وصايتهم على مستقبل الكرة في مصر.

 

يجب ألا ننسى الإعلام الكروي الذي يقبض الملايين على حس انتصارات المنتخب الكروي.

 

يجب ألا ننسى من الرجم المنظومة الفاسدة التي تدير كرة القدم المصرية، وتديرها بمعنى تسيرها للوراء، ولا ننسى كذلك أن هؤلاء الذين يقودون تلك المنظومة الفاسدة يتنافسون للحصول على تزكية الحزب الحاكم للترشح لعضوية البرلمان، ومنهم في الأساس أعضاء بلجنة السياسات التي يجب أن ترسم سياسات الدولة، فإذا بها تعجز عن رسم سياسات شئون اللاعبين!!.

 

يرشحون أنفسهم للعمل السياسي رغم كل ما يفعلونه في مصر.. حتى مصدر السعادة الوحيد أطفئوه في نفوس المصريين، وبسمة الأمل الوحيدة على شفاة الشعب المكدود نكسوها؛ لترتسم بدلاً منها علامات الحزن والأسى والألم على الوجوه المكدودة.

 

لقد آن الأوان أن نرجم التماثيل في نفوسنا، وأن نسقط الأصنام.

 

"شحاتة" وجهازه الفني مسئول ولا شك عن هذه الهزيمة المزرية ومعه جميع اللاعبين، لكن المسئولية الكبرى تقع على عاتق الذين يديرون المنظومة "بالبدل إياها وش السعد"، وهم يقضون بإدارتهم الميمونة على مستقبل الكرة، ويجرون وراء مسابقات لا تفرز شيئًا.

 

ربما انتهى الجيل الذي صنع الأفراح والبهجة، ربما شاخوا أو كبروا، أو استهلكوا، ولكن هل أفرزت منظومة الكرة في مصر بديلاً لهم؟

 

هؤلاء الذين حافظوا بخلقهم والتزامهم على أوج تألقهم لأطول فترة ممكنة، هل عملت منظومة الكرة والإدارة على استخلافهم؟ لقد اكتفى الجميع بالغناء لهم، والرقص على طبول إبداعاتهم!.

 

إن الذين يختلفون مع اختيارات شحاتة، نسألهم وأين من تخطاهم الاختيار؟

 

لاعب أو اثنان مثل "شيكا"، وأحمد سمير فرج؟ ربما، ولكن هل لاعب واحد قادر أن يحرز الفوز باستمرار لفريقه المحلي، فضلاً على أن يراهن عليه المنتخب؟!

 

وعلى الذين ركبوا الموجة من قبل، وسيقفزون من المركب وهي على وشك الغرق، وعلى الذين هللوا وطبلوا ثم سيصرخون وسيتشدقون وينتقدون بعدما أوشكت السفينة على الغرق.

 

والمسئولية تطول كذلك بالتأكيد على الذين خلطوا الكرة بالسياسة، وخلطوا الأوراق، ونقلوا السياسات التي تدير الدولة إلى إدارة اتحاد "لجبلاية"!.

 

فإذا قرَّرنا رجم تمثال صنعناه في نفوسنا لـ"شحاتة" ورفاقه، فلنرجم معه كل التماثيل التي صنعت وفرضت نفسها على الصورة الزاهية، حتى بهتت ألوانها وأظلمت أنوارها، واحترقت!!.

-----------

* عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية