- الحكومة باعت الفلاح لصالح رجال الأعمال

- القطن يحقق خسائر كبيرة للفلاحين

- مصانع الغزول تتوقف خلال أسابيع

- حلول الزراعة تحتاج إرادة سياسية

 

تحقيق- الزهراء عامر:

باتت كلمة أزمة مرادفًا مشهورًا لكل ما يمر بالمجتمع المصري من أحداث، وأقربها ما ينتظر صناعة النسيج والملابس في مصر، بعد ارتفاع أسعار القطن عالميًّا لتصل في السوق المحلية للقطن الشعر قبل حلجه إلى 1220 جنيهًا للقنطار لصنف جيزة 86، فيما ارتفع سعر الصنف جيزة 88، إلى نحو 1330 جنيهًا للقنطار، وسجلت الأصناف القصيرة من إنتاج الوجه القبلي، ارتفاعات جديدة في صنفي جيزة 80 و90.

 

 وانعكس ارتفاع الأسعار على عدد من مصانع الغزل والنسيج في محافظة الغربية، التي تعتبر من أكبر معاقل هذه الصناعة في الجمهورية، ويوجد بها ١٦٨٢ مصنعًا، يعمل بها نحو ٥٠ ألف عامل معظمهم في مدينة المحلة الكبرى، وحذَّر عدد من أصحاب المصانع من أن تؤدي الأزمة إلى توقف مصانعهم عن العمل، وتسريح العمال.

 

في تطور جديد لأزمة الغزل والنسيج‏، ‏قررت الشركة القابضة للغزل رفع أسعار الغزول بنسب تتراوح بين ‏24‏ إلى ‏26%‏؛ لمواجهة تداعيات الارتفاع العالمي المفاجئ في أسعار القطن‏.

 

ارتفاع السعر العالمي فجر من جديد الأسئلة حول العراقيل التي تقف في وجه زراعة القطن وعودته مرة أخرى لُيلقَب بالذهب الأبيض، وكيف تتم مواجهة الأزمة الحالية لتلافي وقف مصانع الغزل والنسيج عن العمل؟

 

(إخوان أون لاين) طرح هذه التساؤلات وغيرها على المختصين..

يؤكد د. جمال صيام أستاذ الاقتصاد الزراعي ومستشار مركز الدراسات الاقتصادية الزراعية بجامعة القاهرة، أن صناعة القطن تعاني من الإهمال الشديد منذ ما يزيد عن 30 عامًا وتشكو من ضعف الاستثمارات وعدم استخدام الأساليب التقنية الحديثة في الصناعة.

 

ويرجع تدهور زراعة القطن في مصر إلى العديد من الأسباب منها: قِدم أصناف القطن وعدم تجديدها من حين إلى آخر لتتناسب مع الظروف المناخية الجديدة، وتخلي الحكومة عن برنامج تحسين أصناف القطن، بجانب وقف تمويلها لبحوث أصناف القطن والاكتفاء بالميزانية المخصصة لمركز البحوث الزراعية التي لا تتجاوز 35 مليون جنيه للمركز كله، حتى أصبح الفدان الواحد للقطن لا يعطي أكثر من 5 قناطير فقط.

 

ويشير إلى ضعف الأرباح التي يحققها محصول القطن إذا تمت مقارنته بالمحاصيل الزراعية الأخرى المنافسة له، وبالتالي لا يُقبِل الفلاح على زراعته، لأنه محصول غير مربح حال مقارنته مع أى دورة أخرى لباقي المحاصيل، واتهم الحكومة بالتخلي عن دعم مزارعي القطن وتركهم بمفردهم يواجهون مجموعة من التجار وشركات الغزل التي تسيطر على الأسعار، موضحًا أن الحكومة تقوم بدعم صناعة الغزل والنسيج على حساب المزارع.

 

ويرى د. صيام أن كل الظروف اجتمعت في مصر ضد زراعة القطن سواء من جانب سياسات الدولة التي تخلت بصفتها عن زراعة إستراتيجية مثل القطن أو المزارع الذي انصرف عنه لقلة ربحه، موضحًا أنه لولا ضغط الحكومة على المزارع في العام الماضي عن طريق تقليل المساحة المنزرعة من الأرز لما قام الفلاح بزراعة القطن من البداية.

 

ويحذِّر من المخاطر التي تلحق بهذه الصناعة والتي يعمل فيها أكثر من مليون عامل وإذا تفاقمت الأزمة سيتم إغلاق المصانع وتسريح جميع العاملين فيها، مؤكدًا أن الحل الأمثل، لحل هذه الأزمة يتمثل في عودة المساحة المنزرعة إلى نصف مليون فدان بدلاً من 300 ألف فدان.

 

تقاوي فاسدة

ويرجع د. حسين شلبي أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة أسباب ارتفاع أسعار القطن في مصر إلى ارتفاع مستوى تكاليف الخدمة؛ لأنه المحصول الوحيد الذي يحتاج إلى خدمات كثيرة وقت جمع المحصول وجني الثمار أكثر من مرة، فضلاً عن ارتفاع أسعار مواد الرش والمبيدات، والتي يكون بعضها غير صالح ويعمل على تدمير تقاوي القطن الأصلية.

 

ويضيف أن منافسة القطن ضعيفة في السوق؛ لأن المزارع لا يستطيع أن يزرع سوى عروة واحدة فقط من القطن، وبعدها تحتاج الأرض لزراعة محصول بقولي أو برسيم لتستريح الأرض بعد إجهاد محصول القطن لها.

 

ويحمِّل الحكومة مسئولية التشجيع على زراعة القطن، وذلك عن طريق القيام بدورها الخاص بمساعدة المزارع في جني المحصول، ومقاومة الآفات في الوقت المناسب، وتقديم الخدمات للأرض؛ لتعطي إنتاجًا أكبر، فضلاً عن عدم اقتصار التوريد على الحكومة، وذلك لتشجيع الفلاح مرة أخرى على زراعته.

 

ويؤكد أن السوق المصرية في حاجة إلى الأقطان التي يتم استيرادها من الخارج، وحتى لو تم منع تصدير القطن المصري طويل التيلة سيظل السوق بحاجة لاستيراد تيل الغزل من الخارج، موضحًا أن مجال الزراعة هو الوحيد الذي تكون حلول مشكلاته بطيئة عن غيره من المجالات.

 

وفيما يتعلق بفساد تقاوي القطن يوضح شلبي أن فساد التقاوي راجع إلى أن إدارة التقاوي قاصرة، ولم تؤدِ دورها، كما أن الأجهزة التي تمتلكها الإدارة غير مؤهلة وخبراءها ليسوا على درجة الكفاءة المطلوبة.

 

الذهب الضائع

 الصورة غير متاحة

 زكريا الجنايني

ويقول النائب زكريا الجنايني عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين: إن محصول القطن كان يمثل ركيزة للاقتصاد القومي في يوم ما، وكان يلقب بالذهب الأبيض، نظرًا للعملة الصعبة التي تدخل لمصر بسبب القطن، وأن إنتاجية الفدان حينها عالية، حتى وصلت إلى 12 قنطارًا للفدان الواحد.

 

ويتهم سياسات الحكومة بالمسئولية عن الانهيار الحالي فيقول: بدأ ذلك بأعمال متدرجة لرفع الدعم عن الفلاح وبعد أن كان محصول القطن يعتمد عليه الفلاح أو المزارع في تربية أولاده وتعليمهم؛ أصبح الآن محصول القطن يحقق خسارةً فادحةً للفلاح؛ بسبب ارتفاع تكاليف مخزونات الإنتاج، واتجاه الحكومة لاستيراد أصناف أخرى للأقطان من دول أخرى؛ لتمد بها مصانع الغزل والنسيج على مستوى الجمهورية.

 

ويشير إلى أن كتلة الإخوان البرلمانية قدمت طلبات إحاطة لوزير الزراعة بالبرلمان تحتوي على مستندات قوية وحلول لمشكلة القطن، تتمثل في زراعة أقطان متوسطة وقصيرة التيلة في مصر بدلاً من استيرادها من الخارج، وهناك العديد من الأبحاث تؤكد أنه يمكن زراعة هذه الأنواع في مصر؛ وفي الوقت المحدد لمناقشة الأمر تغيب عن الجلسة وزير الزراعة ولم يكن موجودًا وقتها حتى رئيس اللجنة، وتم تأجيل الجلسة لجلسة قادمة، وللأسف لم تحضر الحكومة حتى الآن، وهذا يؤكد أن هذه الحكومة لا تعير أي اهتمام للمحاصيل الإستراتيجية.

 

ويضيف النائب: الأدهى من ذلك استخدام الحكومة نغمة جديدة في الحديث عن المحاصيل الزراعية الإستراتيجية وادعاء أن الاكتفاء الذاتي في المحاصيل الإستراتيجية فكرة غير عملية، متابعًا: وهذا يشير إلى أن الدولة في طريقها إلى الاستغناء أكثر وأكثر عن جميع المحاصيل الإستراتيجية.

 

ويتهكم من رفع الحكومة يدها تمامًا عن قطاع الزراعة، معتبرًا الموازنة المخصصة لهذا القطاع أضعفت دور التعاون الزراعي، وبالتالي أصبح محصول القطن في حالة يرثى لها، مطالبًا بدعم فوري للقطن ودفع فارق السعر؛ حتى لا ترتفع أسعار الغزول والنسيج، وبالتالي ترتفع أسعار الملابس.

 

تسريح العمالة

ويشير يحيى زنانيري رئيس رابطة منتجي الملابس وعضو شعبة الملابس بالغرفة التجارية إلى أن هذه الأزمة لم تشهدها البلاد منذ ١٥ عامًا، ويؤكد أن الزيادة الحالية في الأسعار هي الأعلى منذ الحرب الأهلية الأمريكية، موضحًا أن أسعار الغزول في تغيير مستمر، وأن مصانع الغزول، والأقمشة، والملابس تعاني من آثار زيادة الأسعار العالمية، التي انعكست على السوق المحلية، بما يهدد مصر نظرًا لوجود أكبر عدد من العمالة المصرية تعمل في هذا المجال.

 

ويكشف أن هناك عجزًا في القطن الشعر وستتوقف المغازل المصرية عن العمل في غضون شهر ونصف إن لم تتدخل الدولة لحل المشكلة، موضحًا أن توفير الغزول بأسعار مناسبة في السوق المحلية يتطلب أيضًا ضرورة دعم الأقطان المستوردة التي ارتفعت بنسبة 100% بالمقارنة بالعام الماضي.

 

ويضيف أن صادرات مصر من القطن هذا العام، بلغت أكثر من مليون و٦٠٠ ألف قنطار، في حين أن السوق المحلية تستهلك ٤ ملايين قنطار، وهناك عجز في السوق المحلية يبلغ ٣ ملايين قنطار.

 

إهمال الدورة الزراعية

ويوضح د. محمد علي الأستاذ بمركز البحوث الزراعية أن عدم زراعة القطن والاستغناء عنه؛ نتيجة لسياسة الدولة التي تميل إلى دعم رجال الأعمال وتبني تأصيل مبدأ الخصخصة في جميع المجالات.

 

ويلفت إلى أنه بعد إلغاء وزارة الزراعة وإهمالها الدورة الزراعية وتناقص المساحات الزراعية في جميع أقطار الجمهورية، وإحلال الألياف الصناعية في الصناعة بدلاً من القطن كانت النتيجة الحتمية أزمة القطن.

 

ويتساءل: هل ما زال يوجد في مصر قطن طويل التيلة نتحدث عنه لينقذ الصناعة من الانهيار؟، موضحًا أنه عندما يكون تاجر القطن هو وحده المتصرف فيه تكون النتيجة تقاوي فاسدة وارتفاع أسعار.