![]() |
|
حسن القباني |
كل من قابلتهم في الفترة الأخيرة اتفقوا على أن الوضع في مصر سيئ، ويسير إلى الأسوأ، ورغم أنهم من أوساط اجتماعية وثقافية مختلفة فإنهم أكدوا أن النظام الحاكم قد أشعل النار في قلب كل بيت، سواء بالاعتقالات أو الإرهاب الأمني أو الغلاء أو البطالة أو الجوع، وهو ما توحَّدت عليه كل القلوب والعقول والثقافات، فيما توقَّفوا جميعًا عند طريقة الخلاص فيما بين محبط وثوري، أو راغب في التدرج بإطاحته بنظام الحكم أو على نار هادئة، كما قال صاحب هذا الرأي.
السائق يرى أنه لا طرق ولا عدل، والتاجر يصرخ من ملاحقة زبانية الحكومة، والطالب يبحث عن سلاح التلميذ بعد أعلن زكي بدر الحرب عليه، وعامل الـ"بنزينة" يشتكي كيلو الطماطم، والمزارع يقول إن الثوم أصبح "صيني" والقمح "روسي وفرنسي وأمريكي"، والزراعة في مهب الريح، والقاضي يقول لا استقلال للقضاء، والمحامي يؤكد غياب دولة القانون، والمحبوس في شيك بـ"100" جنيه يصرخ "اشمعنا طلعت مصطفى" والشرطي النظيف يمزح مع زميله قائلاً: "امسحي دموعك يا آمال"!.
ما رصدته هو روح النقد التي بدأت تترسخ في الشعب المصري، خاصةً في فئاته الأكثر تذوقًا للمرارة، وكثرة استنكار المنكر باللسان، بعد أن كان بالقلب فحسب، إلا أن البعض بمصر بين منقذ ومخلِّص يقود القلوب المترددة إلى معركة حسم من مرة واحدة "ونرتاح مرة واحدة من الهم" كما يقولون!.
وهو ما يطرح تساؤلاً مهمًّا: هل هذا يتناسب مع واقع المجتمع المصري؟! أم نحن في معركة تراكمية لا صفرية، الفائز فيها من يضحك في نهاية المطاف؟ من الأفضل لمصر أصحاب "المرة الواحدة" أم أصحاب "النار الهادئة"؟!.
بلا شك نحن أمام أسئلة جدلية يحمل من أجلها أصحاب كل وجهة إجابات شافية من وجهة نظره، ولكن هذا الجدل ما زال على مستوى النخبة؛ لأن الناس في الشوارع والمقاهي وداخل بيوتهم لم يدخلوا بعد هذه الجدلية الحادة، فدخولهم إنما هو بداية النهاية لمشروع التوريث والاستبداد والفساد المستولي على الحكم في مصر منذ أكثر من 30 عامًا.
وتبقى المسألة من وجهة نظري تراكمية؛ بمعنى أن الخراب الذي تمدد في جسد القطر المصري خلال سنوات النظام الحاكم العجاف لن يتوقف إلا بعمل نهضوي بنَّاء، يرسخ مفاهيم الحق والعزة والكرامة، ويأخذ من الوقت ما يستحقه.
أما مسألة الزعيم المنقذ، فلا شك هي فكرة وجيهة عند البعض، بما تحمله من تاريخ مصري ساهم بعض زعمائه في انتشال الأمة العربية والإسلامية من كبوتها، كالإمام المجدِّد حسن البنا وغيره، ممن قد يختلف معه الإسلاميون، كالزعيم جمال عبد الناصر الذي أسس مشروعًا عربيًّا، له ما له، وعليه ما عليه، ولكن هناك زعماء مصريين أيضًا، هم سبب نشر الاستبداد في المنطقة، وقدوة لغيرهم في السوء والفساد والاستبداد.
إن مصر قد تحتاج إلى زعيم في لحظة من اللحظات المقبلة، ولكن الأفضل في يقيني أن يكون زعيم مرحلة يؤسس مرحلة، تتغير مصر فيها، وتتخلص من ثوبها المدنَّس بخطايا الحزب الحاكم الحالي، من "ديكتاتورية" وكبر ولدد في الخصومة السياسية وفساد زاعق؛ لتبني عقولاً مفكرةً ومبدعةً، وتخلصنا من عصر الزعيم الأوحد الذي لا قبله ولا بعده.
إن تحليلات تخرج من مقار مباحث أمن الدولة، وأخرى تصدر من مستشفيات الأمراض النفسية، وثالثة غارقة في رؤية نصف الكوب الفارغ لنتائج النضال السلمي، هدفها بث اليأس والإحباط والقنوط من رحمة الله، وتدفع إلى الشلل الحركي والفكري في مواجهة الظلم المستشري والفساد الطاغي، وكأنه لا يوجد هناك نقاط إيجابية تمكن المصلحين في مصر من الاستناد عليها، في انطلاقاتهم المتواصلة نحو إنقاذ مصر من الهاوية التي يصر الحزب الوطني الحاكم على إسقاطها فيها.
وينسى البعض أو يحاول أن يتناسى أن عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء، وأن إنجازات الإصلاح تراكمية لا صفرية، وأن دوام الحال من المحال، وأن متواليات الظلم والطغيان نذير نزع الملك والسلطان، وأنها كلما ضاقت وأُحكمت حلقاتها قرب الفرج، وأن الجبال رفعت من حبات حصى، وأن الصبح يأتي من بعد حلكة ليل ظلماء، فلا يأس ﴿إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف: من الآية87) ولا قنوط: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (الزمر: من الآية53)، ولا إحباط: ففي الحديث الصحيح عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصالح: الكلمة الحسنة" (متفق عليه)، والطيرة هي التشاؤم.
إن المهمة الأهم الآن لكل المخلصين لله ثم للوطن أن يبعثوا في قلوب المصريين الأمل في غد أفضل، وأن يساعدوهم على الخروج من الصمت والقهر إلى مساحة من البذل والعطاء من أجل إصلاح نظام الحكم المقلوب.
